رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عرف الإنسان أهمية وفوائد الطاقة البترولية المكونة أساساً من النفط والغاز الطبيعي وغيرهما من المشتقات البترولية، وفي وقت قريب واكبت تطور طاقة الحركة التي تدرجت في استخدام الفحم الحجري وذلك منذ القرن التاسع عشر، ثم أخذ الفحم الحجري يتلاشى أمام الطاقة البترولية في النصف الأول من القرن العشرين ليختفي نهائياً ولتحل محله بالكامل الطاقة البترولية.
استطاعت الطاقة البترولية أن تغير العالم من الحياة القديمة إلى حياة حديثة تتسم هذه الحياة بكل أساليب الحداثة ولذلك حتمت التراجع السريع على طاقة الفحم الحجري، الذي تراجع نهائياً أمام زحف وتقدم القوى الشاملة للطاقة البترولية على كل ما له صلة بالتطور العلمي الجديد وسرعان ما اختفى استخدام الفحم الحجري في مختلف بلدان العالم لتحل محله الطاقة البترولية الجديدة والأكثر فاعلية من حيث السرعة ودقة الفاعلية.
ومع التطور الصناعي السريع لآلة الحركة في بداية النصف الثاني من القرن العشرين حل النفط ومشتقاته محل البقية الباقية للفحم الحجري في ظل نهضة صناعية تكنولوجية عالمية وشاملة وسريعة عمت كل وسائل الاحتراق الداخلي المتعلق بصناعة الحركة، وفي الوقت الذي عم النفط العصر الصناعي بشكل واسع باعتباره أهم مشتقات الطاقة البترولية فإن الغاز الطبيعي أحد المشتقات البترولية صعد نجمه بشكل لافت ومتميز من منطلق أنه أنظف وقود الطاقة الأحفورية على الإطلاق وليس له تأثير ضار على الحياة البيئية، إضافة إلى أن مشتقاته وخاصة وقود الديزل النظيف الأخضر والزيوت الأساسية أفضل منتجات للسيارات الحديثة الراقية.
ويكفي الغاز الطبيعي المكانة المرموقة والتقدير المتزايد الذي احتله في عالم الصناعة لأنه المنتج الوحيد من بين منتجات الطاقة الأحفورية الذي يتميز بنظافة عالية مقارنة بالنفط والديزل والفحم الحجري وكافة منتجات الطاقة الأحفورية المعروفة بتأثيرها في عمليات تلوث البيئة بالأدخنة الكثيفة الناتجة عن احتراقها ومن نعمة الله على قطر أن جعلها من منتجي الغاز الطبيعي الكبار في العالم الجديد وممارسة الصناعة الحديثة الجديدة.
وانطلاقاً من هذه الحقائق عن وقود الغاز الطبيعي استحقت دولة قطر أن تحتل المكانة المرموقة الأولى على مستوى العالم في إنتاج الكميات الضخمة وصناعة وتصدير هذه الكميات من الغاز الطبيعي المسال إلى جانب تصنيع وتصدير منتجات تحويل الغاز إلى سوائل مثل وقود الديزل النظيف وغيره، وذلك ما لم تحققه الدول الأكبر مساحة وسكاناً وتطوراً علمياً والأكثر احتياطياً من الغاز الطبيعي والثروات الأخرى.
وغالباً ما يتواجد الغاز الطبيعي مع النفط أو في حقول ليست ببعيدة عن حقول النفط ومن نعم الله على دولة قطر أنه تم اكتشاف حقلها العملاق من الغاز تحت طبقة النفط مباشرة بعمق حوالي ألف قدم أو أكثر أي بعمق يتراوح ما بين 8 آلاف و9 آلاف قدم تحت قاع البحر في المياه الإقليمية البحرية القطرية وعلى مساحة قدرها حوالي "6000" كيلومتر مربع مع ملاحظة أن عصر استغلال الغاز الطبيعي جاء في مجال الطاقة الحديثة متأخراً مقارنة بغيره حيث ظل خارج هذا النشاط الصناعي الجديد لفترة طويلة من الزمن لعدم ابتكار الآلة التي تناسب استخدامه على نطاق واسع في أغراض صناعية جديدة في تلك الفترة، ومع بداية القرن العشرين أخذت بعض الصناعات بشكل محدود وضيق في استخدام الغاز الطبيعي لأغراض صناعية ضيقة نظراً لصعوبة التحكم في الغاز من حيث نقله وتخزينه في تلك الفترة بشكل سائل كما هو الآن.
وكبداية متواضعة حول اكتشاف الغاز الطبيعي واستغلاله فقد بدأت في عام 1914 فكرة إسالة أو تسييل الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة الأمريكية كبراءة اختراع، وفي عام 1917 قامت بريطانيا بأول عملية تجارية غرب فيرجينيا إلا أن الاستغلال الفعلي للغاز أخذ مجراه عندما وقعت بريطانيا عقداً مدته خمسة عشر عاماً مع الجزائر، وذلك في عام 1961 لتزويد بريطانيا بحوالي مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً.
وبعد تلك التطورات انتشرت العمليات الصناعية للغاز الطبيعي في العالم ولكن بشكل متدرج حتى شملت ما يزيد على "40" ميناء في العالم، وفي حوالي الربع الأخير من القرن العشرين شملت صناعة الغاز المسال العديد من بلدان العالم وكان من أهم وأكبر العمليات الصناعية للغاز الطبيعي حتى الآن صناعة التسييل الضخمة القطرية التي بلغت في مشروعي "قطرغاز" و"رأس غاز" أعلى مرتبة وقدرها "77" مليون طن سنويا من خلال إنتاج ما بين "18" و"19" مليار قدم مكعبة يومياً لتغذية "14" خط إنتاج في عمليات التسييل لكل من قطر غاز ورأس غاز اللذين يحتوي كل منهما على سبعة خطوط إنتاج، وتعتمد عمليات صناعة تسييل الغاز الطبيعي على تبريده إلى درجة حرارة قدرها حوالي "5. 161" درجة تحت الصفر، وفي حالة كثافة أقل من نصف كثافة الماء وذلك عندما يكون سائلا ثم يتحول إلى الغاز وهي حالته الطبيعية ويزيد حجمه عشرات المرات عن حجمه وهو في حالته السائلة، وإذا ما اشرنا إلى الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي نجد أن إجمالي هذا الاحتياطي العالمي يزيد على "61916" تريليون قدم مكعبة منها "3395" تريليون قدم مكعبة احتياطي روسيا وإيران وقطر حيث تحظى قطر باحتياطي يزيد على "900" تريليون قدم مكعبة.
ويذكر أن اكتشاف الغاز القطري الضخم والمنفرد تم عام 1971 في المياه الإقليمية القطرية وعلى مساحة تبلغ حوالي "6000" كيلومتر مربع وأعماق تتراوح ما بين 8 آلاف و9 آلاف قدم تحت ماء البحر، حيث يتواجد الغاز بكميات تجارية كبيرة.
وبعد نظرة تعمق قطرية فكرت دولة قطر بتسويق بعض هذه الكميات الضخمة من الغاز إلى دول المنطقة الشقيقة عن طريق الأنابيب لتلبية الاحتياجات المتزايدة لتلك الدول من الطاقة الكهربائية ولكن ذلك تعثر لعدد من الأسباب، فبدأت الدولة تفكر في مخرج آخر لتسويق بعض هذه الكميات الضخمة من الغاز الطبيعي إلى دول العالم ولكن كيف يمكن توصيل هذا الغاز إلى الدول التي تحتاج لكميات ضخمة إذا كان من المستحيل مد أنابيب عبر عشرات الدول حتى وصوله إلى مستهلكيه وعبر عشرات الآلاف من الكيلومترات، خاصة إذا كان الطلب في اليابان وكوريا وبعض دول الأمريكتين وأوروبا الغربية.
وجاءت الفكرة "الأمل" وهي تصنيع الغاز إلى سائل ثم نقله بواسطة ناقلات عملاقة تشبه خزاناتها فريزر الثلاجة من حيث البرودة للحفاظ على وصول الغاز سائلاً إلى المستهلك الياباني أو الأمريكي وغيرهما وبسلامة وأمان مع العلم أن تكلفة ذلك مالياً ستكون عالية جدا ورغم أن البداية القطرية كانت شبه مغامرة في صناعة تسييل الغاز الطبيعي وتسويقه فإن الإرادة القطرية كانت قوية جداً بقيادة وتوجيهات سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وينفذ تلك الإرادة وبإصرار شديد سعادة وزير الطاقة والصناعة في حينه عبدالله بن حمد العطية، ولإيجاد الطريق الأفضل تجارياً لهذه الكميات الضخمة من الغاز الطبيعي اتجهت الدولة مع بعض الشركات الأجنبية إلى صناعة تسييل الغاز ونقله بواسطة ناقلات عملاقة خاصة بنقل الغاز المسال تلك الناقلات العملاقة التي تحتوي على خزانات تشبه فريزر الثلاجة من حيث البرودة وتصل برودتها إلى حوالي "162" درجة تحت الصفر.
ومما لا شك فيه أن البداية القطرية في صناعة تسييل الغاز الطبيعي وتسويقه إلى بلدان العالم البعيدة كانت عمليات غاية في الصعوبة تجارياً وكانت مكلفة مالياً لأنها كانت الأولى في الشرق الأوسط والأضخم عالميا وحتى أسواق الغاز المسال كانت محدودة وطلباتها محدودة أيضا على مستوى العالم، علماً أن الوضع تغير وأصبح غالبية العملاء يطالبون بكميات أكبر من الغاز المسال، ورغم كل تلك العوائق التكنولوجية والمالية في البداية.. فإنه تمت إقامة مدينة رأس لفان الصناعية كحلقة وصل بين إنتاج الغاز من البحر وتصنيعه في هذه المنطقة ثم تصديره إلى دول العالم على شكل غاز مسال بواسطة عدد كبير من ناقلات شركتي "قطرغاز" و"رأس غاز" العملاقتين اللتين تملكان هذه الناقلات.
وما يهمنا في دولة قطر الآن ويرفع مكانة الدولة أن الغاز القطري المسال الذي يصدر إلى دول العالم المتحضر أصبح يمثل الوجه القطري المتحضر وهو في نفس الوقت عنوان تقدير تحمله الناقلات القطرية العملاقة إلى ذلك العالم المتحضر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3852
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1476
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1029
| 29 أبريل 2026