رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رجاء: كفوا عن التلويح بالمؤامرات الخارجية التي تستهدف مصر، لأن العلة تكمن في الداخل.
(١)
أحد الأسئلة التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي في الأسبوع الماضي كان كالتالي: لماذا صدر حكم البراءة في قضية «الآداب» خلال أسبوع، في حين أن من تثبت براءتهم في القضايا السياسية لا يخلى سبيلهم قبل سنتين؟ السؤال ردده البعض بعد صدور الحكم الذي قضى بتبرئة ممثلة اتهمت بإدارة شبكة لممارسة الأعمال المنافية للآداب، وهو ما تم خلال أيام قليلة من إلقاء القبض عليها. ولأن ذلك تزامن مع حكم آخر صدر بإخلاء سبيل ٢٣ شخصا كانوا قد اتهموا في بعض القضايا السياسية في أواخر عام ٢٠١٣، فإن المدونين لم تفتهم الملاحظة، وأخذوا راحتهم في الاستنكار والغمز في التفسير. كان للسؤال رنينه عندي، لأنني تلقيت في نفس الأسبوع رسالة استغاثة احترت في شأنها من شخص لا أعرفه اسمه إيهاب طلعت خميس قدم نفسه باعتباره أحد نزلاء سجن طرة تحقيق (عنبر ٤). وفهمت أنه أملاه على غيره لأنه ذكر أنه لا يعرف القراءة أو الكتابة، وليست له علاقة بأي جماعة دينية أو سياسية، لكنه ألقي القبض عليه منذ عامين أثناء الاعتقالات العشوائية التي أعقبت اقتحام قسم شرطة حلوان، ومنذ ذلك الحين لا حقق معه ولا قدم للمحاكمة ولا يعرف شيئا عن مصيره، وكل ما يعرفه أن أسرته هدمت وأن زوجته وأطفاله الثلاثة يعيشون في ضنك وكرب شديدين، لم يشك من تعذيب أو مرض، لكن عذابه الأكبر تمثل في شعوره بالمظلومية ويأسه من الخروج من السجن واقتناعه بأنه يمكن أن يقضي بقية عمره وراء جدرانه، لأنه مواطن مجهول، لا يلتفت إليه أحد أو يذكره.
لا أعرف كم مظلوما مثله جرفهم إعصار الاعتقالات العشوائية الذي ضرب مصر في تلك الفترة، ولا يزالون في السجون منذ تلك الفترة، بعدما أطلقت مدة الحبس الاحتياطي للإمعان في التنكيل بالأبرياء، لكنني أذكر أن رئيس الجمهورية وعد في إحدى خطبه بالإفراج عن المظلومين من أمثال إيهاب طلعت خميس، وتحدثت الصحف عن قوائم بأسمائهم يجري إعدادها، ثم صرف النظر عن الموضوع حتى وجدنا أن الفصل في قضايا الآداب صار مقدما على الفصل في القضايا السياسية، وإذ فقد الجميع الأمل في إطلاق سراح المظلومين، فإن طموح الأهالي لم يعد يتجاوز حدود السماح بزيارة المسجونين وتوفير الأدوية والأغطية والأغذية لهم، وصار جهد المنظمات الحقوقية محصورا في المطالبة بوقف التعذيب وإنهاء الاختفاء القسري ونقل المشرفين على الموت إلى المستشفيات لعلاجهم، وهو ما سجلته ووثقته تقارير تلك المنظمات في داخل مصر وخارجها، كما أثير الموضوع في العديد من المحافل الدولية، وعلى رأسها مقر الأمم المتحدة في جينيف، الأمر الذي حول المشكلة إلى فضيحة.
(٢)
ما عاد سرا أن سجل مصر في مجال حقوق الإنسان لم يعد في صالحها، إذ ظل سلبيا طول الوقت قبل الثورة وبعدها، لكن الأضواء سلطت بدرجة أكبر بعد الثورة على اعتبار أن مصر شهدت تحولا جذريا يفترض أن يقدمها بصورة مغايرة، إلا أن ممارسات الواقع التي تمثلت في إصدار القوانين المقيدة للحريات وفي شيوع انتهاكات حقوق الإنسان بينت أن النظام تغير في مصر حقا لكن السياسة لم تتغير، وصارت المنظمات الحقوقية الدولية أكثر اهتماما بما يجري في مصر منذ وقعت أحداث العنف التي شهدتها البلاد عام ٢٠١٣ وما بعدها، وهي التي استصحبت صراعات حفلت بالانتهاكات الصادمة، التي تضاربت بشأنها الروايات كما تباينت تقديرات الضحايا.
في خارج مصر لم تكن المنظمات الحقوقية الدولية وحدها التي تتابع ما يجرى، لأن الاتحاد الأوروبي دخل على الخط. إذ كان له رأيه وجهده الذي بذله لتهدئة الأوضاع في الداخل، من خلال مبعوثيه الذين أوفدهم إلى القاهرة في عام ٢٠١٣،(قامت بالمهمة السيدة كاترين آشتون مسؤولة السياسة الخارجية)، كما أنه أصدر بيانا دعا فيه إلى وقف العنف وإدانة عمليات القمع التي استهدفت بعض الصحفيين والمثقفين والمنظمات غير الحكومية.
ما أريد أن أقوله إن الاتحاد الأوروبي ومعه البرلمان الأوروبي الذي يضم أعضاء منتخبين يمثلون ٢٨ دولة، كانا في الصورة طول الوقت.
لذلك فإن النقد الذي تضمنه بيان البرلمان المذكور لسجل مصر في مجال حقوق الإنسان كانت له خلفياته التي استند إليها، ومن التبسيط أن يقال: إن البرلمان استند إلى معلومات مغلوطة لأن ذلك غير صحيح، ومن الخفة أن يقال إن أعضاءه «قبضوا» من الإخوان، لأن ذلك غير معقول خصوصا أن البيان صوت لصالحه أغلبية ساحقة من البرلمانيين المعتدلين والمحترمين (٥٨٥ برلمانيا)، وقرأت في شهادة منشورة لمستشار الشؤون الخارجية في البرلمان، وهو مصري اسمه شمس الغنيمي، أن الذين صوتوا لصالح البيان هم أصدقاء مصر الحقيقيون الذين يحرصون على نهوضها وتصويب مسارها. أما الأعضاء العشرة الذين صوتوا ضد القرار فهم يمثلون عنصري اليمين الفاشي والمتطرف الذين يؤمنون بأن العرب والمسلمين أقل قيمة من الأوروبيين، أما التسعة والخمسون عضوا الذين امتنعوا عن التصويت فهم يمثلون اليمين العنصري في فرنسا ونظراءهم في بعض الدول الأوروبية الأخرى الذين لا تهمهم مصر، في حين يقودون حملات رافضة لحقوق المهاجرين العرب والمسلمين في أوروبا (الشروق ١٨/٣).
انتقاد السجل الحقوقي لمصر ليس مقصورا على الأوروبيين، لأن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أصدر بيانا يوم السبت الماضي (١٩/٣) أعرب فيه عن القلق العميق إزاء تدهور الحريات في مصر، وكان ذلك بمناسبة إحياء قضية تمويل المنظمات غير الحكومية في مصر، ورفض السماح لبعض النشطاء بالسفر للخارج ومنعهم من التصرف في أموالهم وممتلكاتهم، وإلى جانب هذا وذاك فإن ما نشرته كبرىات الصحف العالمية كان أكثر صراحة وقسوة، خصوصا أن قضية تعذيب وقتل الباحث الإيطالي ريجيني وتفصيلاتها المرعبة ظلت ماثلة في الأذهان وكامنة في خلفية الانتقادات الحادة والجارحة للنظام القائم في مصر.
(٣)
كيف واجهت مصر هذا الموقف؟ ــ لم يكن الصدى مفاجئا، فوزارة الخارجية التزمت بموقف إنكار وجود التجاوزات التي وصفها مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بجينيف بأنها «مزاعم» بنيت على معلومات غير موثوقة، ونفى أن يكون في مصر اختفاء قسري أو احتجاز خارج القانون أو تعذيب أو حظر للتظاهر، ووزير الخارجية استنكر كلام نظيره الأمريكي واعتبره وصاية مرفوضة وتدخلا في الشأن الداخلي المصري لا يجوز.
أما وسائل الإعلام المصرية فقد قامت بدورها في الرفض والتنديد، حتى إن جريدة «المصري اليوم» تحدثت عن «أسبوع الطعنات الأمريكية والأوروبية ضد مصر» أما تعليقات الكتاب على الموضوع فإنها عادت إلى التحذير من استهداف مصر والمؤامرات التي تدبر ضدها والعداء الذي تكنه بعض الدوائر الغربية والإقليمية ضدها، ولم يخل الأمر من غمز في دور التنظيم الدولي ومخططاته لإسقاط الدولة المصرية.
بصورة عامة فإن رد الفعل المصري السياسي والإعلامي عبر عن الاستنفار للدفاع عن النظام في خطاب تبنى موقف الإنكار والتبرير الذي التزمت به وزارة الداخلية طول الوقت، الأمر الذي وضعنا إزاء مشهد لا يخلو من مفارقة. ذلك أن الردود المصرية لم تقنع الناقدين في الخارج ولا الحقوقيين والنشطاء في الداخل، حتى بدا وكأن الخطاب السياسي والإعلامي يخاطب السلطة المصرية بالدرجة الأولى، وهو فعل أقرب إلى إبراء الذمة وسد الخانة منه إلى التصويب والمراجعة والسعي لإقناع الآخر وكسبه.
ولفت الانتباه في هذا الصدد أن مجلس النواب المصري قرر إيفاد وفد برلماني من ١٢ عضوا للالتقاء بأعضاء البرلمان الأوروبي في بروكسل وتوضيح الموقف الرسمي إزاء مقتل الباحث الإيطالي وملف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وهي الإيضاحات والردود التي تحدث عنها مندوب مصر لدى المنظمة الدولية التي ترفع شعار «كله تمام» والحق على الأوروبيين والطليان ومعلوماتهم المغلوطة والمدسوسة.. إلخ.
(٤)
إذا اكتفينا بتلك الجهود فمعنى ذلك أن الأفق سيظل مسدودا وأن أملنا في الانفراج سيظل مرحلا إلى أجل غير معلوم، وتلك مغامرة خطرة وسيناريو غير مأمون العاقبة، ولا أعرف مصير القرار الأوروبي الذي دعا إلى تشكيل لجنة على وجه السرعة لتقصي حقائق الأوضاع في السجون المصرية، ذلك أنه يضعنا في مأزق محير، فرفضه يحرجنا والقبول به يفضحنا! لست مشغولا بالتجمل في أعين الغربيين أو استرضائهم، لأن الأهم هو الحفاظ على كرامة المصريين ورفع الإصر عنهم.
وبالتأكيد لا تسرنا انتقادات الغربيين ولا تحفظاتهم، ولا يحتاج المرء إلى إثبات رفضه للتدخل في الشأن الداخلي المصري، لكنه لا يستطيع أن يخفي دهشته إلى القبول بذلك التدخل في مجالات أخرى أحدثها التفتيش على درجة الأمان في المطارات المصرية بعد حادث الطائرة الروسية. ثم رفضه في مسألة حقوق الإنسان التي صارت شأنا عالميا، بحيث لم يعد من حق أي زعيم أو نظام أن يشهر في وجه المجتمع الدولي شعار: شعبي وأنا حر فيه!
لا أبرئ الموقف الغربي الذي يكيل بمكيالين، بحيث يغض الطرف عن انتهاكات الإسرائيليين في الأرض المحتلة، في حين يدعي الغيرة والشجاعة حين يتعلق الأمر بنا، لكن ذلك ينسحب على مواقف الدول والساسة ولا ينطبق على أغلب المنظمات الحقوقية، ثم إنه لا يبرر استمرار الانتهاكات عندنا واستمرار قهر وقمع شعوبنا.
الشيء الذي لابد أن نفهمه، وأزعم أنه بمثابة الفريضة الغائبة، أن وجهة الإدارة السياسية في الداخل لابد أن تتغير، وأن قضية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان تحتاج إلى مراجعة جذرية ترد إلى تلك القيم اعتبارها وتعيد إليها أولويتها. بالمناسبة فليس صحيحا أن هناك مؤامرة على مصر رغم الزوابع التي يثيرها البعض ضدها في الخارج، ثم إن مصر الراهنة لم تعد تقلق خصومها التاريخيين كما أن ضعفها المخيم يوفر للذين لا يتمنون لها الخير مرادهم دونما جهد يبذلونه من جانبهم، إنما المؤامرة الحقيقية التي ينبغي أن يستنفر الجميع لإجهاضها فهي تلك التي تهدر قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي مؤامرة تنسج في الداخل ولا تداهمنا من الخارج، رغم أن دولا إقليمية قد تكون ضالعة فيها.
إذا صح ذلك التحليل فمعناه أن الأمر يحتاج إلى توافر إرادة سياسية تصحح الخلل وتجهض المؤامرة التي تنسج في الداخل بعيدة عن الأعين في دوائر لا نعرف خرائطها لكننا نلمس آثارها في القرارات المتضاربة والمواقف المتباينة، الأمر الذي يشير إلى أن دائرة القرار السياسي تعاني تعدد الأقطاب والجزر. وهو وضع إذا استمر فإنه يضطرنا إلى تأجيل طموحاتنا في المراجعة والتصويب، كما أنه يضعف من ثقتنا واطمئنانا إلى المستقبل، إذ إنه يعيد إلى أذهاننا حكاية البيضة والدجاجة، فلا نعرف بأيهما نبدأ بتصويب القرار السياسي أم بحل أزمة الجهة التي تصدره.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2639
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
684
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12126
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9177
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3432
| 22 أكتوبر 2026