رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أُنشئت محكمة العدل الدولية في عام 1945 بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وتُعد المحكمة واحدة من الأجهزة الستة لهيئة الأمم المتحدة، والتي تتضمن الجمعية العامة، ومجلس الأمن، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الوصاية، ومحكمة العدل الدولية، والأمانة العامة للأمم المتحدة. وتعد محكمة العدل الدولية بموجب المادة 92 من ميثاق الأمم المتحدة الأداة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة ولها صلاحيات الفصل في النزاعات التي تنشأ بين الدول، بالإضافة إلى إبداء الفتاوى القانونية في المسائل التي تحال إلى المحكمة من قبل الجمعية العامة أو من قبل مجلس الأمن، أو من قبل الهيئات والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، شريطة الحصول ابتداء على إذن الجمعية العامة بهذا الشأن.
وتلجأ الدول غالبا إلى المحكمة عندما يثور النزاع مع دولة أخرى في مسائل تتعلق بترسيم الحدود الجغرافية فيما بينها، أو في حالات النزاع على جزر أو مناطق بحرية، أو في حالات إخلال إحدى الدول بالمواثيق أو المعاهدات الدولية.
ويكون اختصاص المحكمة إلزاميا في جميع المسائل المنصوص عليها بشكل خاص في ميثاق الأمم المتحدة، أو في حال إذا ما اتفقت الدول الأطراف المتنازعة سلفا، من خلال الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية التي تكون الدولة طرفا فيها، على منح المحكمة الاختصاص بالفصل في النزاع الذي قد ينشأ فيما بينها بموجب أحكام هذه الاتفاقيات أو المعاهدات.
وقد يكون اختصاص المحكمة اختياريا، بمعنى أن المحكمة لا تملك صلاحية الفصل في النزاع ابتداءً إلا إذا وافقت الدول الأطراف المتنازعة على اختصاص المحكمة للفصل في النزاع القائم بينهم.
تشكيل المحكمة
وتتكون الهيئة القضائية لمحكمة العدل الدولية من (15) خمسة عشر قاضيا، ويحق لكل دولة في الأمم المتحدة أن ترشح أحد مواطنيها المشهود له بحسن السمعة والسلوك، وممن تتوفر فيه المؤهلات المطلوبة لشغل المناصب القضائية العليا فيها، أو أن يكون فقيها في مجال القانون الدولي، ليكون عضوا في الكادر القضائي لمحكمة العدل الدولية. ويتم انتخاب أعضاء المحكمة من قبل الجمعية العامة ومجلس الأمن من بين قائمة بأسماء الأشخاص المرشحين لتولي المناصب القضائية في محكمة العدل الدولية. ويكون الاقتراع سريا. ويُعلن فوز المرشحين لعضوية المحكمة ممن حصلوا على أكبر عدد من الأصوات من الدول الأطراف الحاضرة والمصوتة، حيث إن نظام انتخاب القضاة يكون وفقا لنظام الأغلبية المطلقة. وتبلغ مدة الولاية القضائية لكل قاضٍ تسع سنوات. وضمانا لعدم تغيير القضاة دفعة واحدة، تجرى الانتخابات كل ثلاث سنوات على ثلث المقاعد في المحكمة، حيث تنتهي ولاية خمسة قضاة خلال الأعوام الثلاثة الأولى من الولاية، ومن ثم تنتهي ولاية العشرة قضاة الآخرين في نهاية الست سنوات الباقية من الولاية، مع إمكانية إعادة انتخاب القضاة الذين سبق ان تم انتخابهم. ويجب ان ينتمي كل قاضٍ في محكمة العدل الدولية إلى جنسية دولة واحدة، بمعنى أنه لا يجوز أن يكون في الكادر القضائي للمحكمة قاضيان أو أكثر من جنسية دولة واحدة، وذلك مراعاة لضمانات العدالة.
إجراءات التقاضي
إن إجراءات التقاضي أمام محكمة العدل الدولية تمر بمرحلتين، حيث إنه في المرحلة الأولى تقدم الدول المتقاضية الحجج والأدلة والتقارير خطيا إلى المحكمة لإثبات الواقعة المتنازع عليها، وفي المرحلة الثانية يقوم ممثلو ومحامو تلك الدول بتقديم مرافعاتهم الشفوية أثناء جلسات المحكمة المقررة. وبعد انتهاء ممثلي الدول الأطراف من تقديم مرافعاتهم، تبدأ هيئة المحكمة المداولات والتي يغلب عليها طابع السرية، ومن ثم تصدر المحكمة قراراتها من قبل أغلبية القضاة الحاضرين.
وغالبا ما تدوم مداولات المحكمة لإصدار الحكم ما بين أربعة إلى ستة أشهر، وتصدر المحكمة قراراتها وأحكامها في جلسة علنية، حيث يتم تلاوة الحكم والذي يتضمن منطوقه وأسبابه. ومن ثم تصدر تلك القرارات والأحكام باللغتين الرسميتين للمحكمة وهما اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية، ويُسلم القرار أو الحكم إلى الدول المعنية.
وتعتبر جميع الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية نهائية وغير قابلة للاستئناف أو الطعن عليها بأي طريق من طرق الطعن. ووفقا لأحكام المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة تتعهد كل دولة عضو في الأمم المتحدة بالالتزام بتنفيذ حكم محكمة العدل الدولية في أية قضية تكون الدولة طرفاً فيها. وإذا ما امتنعت إحدى الدول المتقاضية في قضية ما عن تنفيذ الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية، فيجوز للدولة الخصم (الطرف الآخر في القضية) أن تلجأ إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن عدم امتثال الدولة الأخرى لقرار المحكمة، وفي هذه الحالة يجوز لمجلس الأمن أن يقدم توصياته أو أن يصدر قراراً بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ هذا الحكم.
وعمليا تنفذ جميع الأحكام الصادرة عن المحكمة طواعية، وإذا ما رفضت إحدى الدول تطبيقها، فيمكن للدولة الخصم اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، إذ يجوز لهذا الأخير وفقا للمادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة إصدار توصيات أو إقرار تدابير لتنفيذ القرار.
ومما لا شك فيه أن محكمة العدل الدولية تلعب دوراً حيوياً في التسوية السلمية للنزاعات الدولية وتعد الركيزة الأساسية في نظام العدالة الدولية، وتسعى المحكمة جاهدةً لتحقيق العدالة وفض النزاعات الدولية بروح من العدالة والنزاهة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4701
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1464
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1257
| 11 مارس 2026