رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حققت قمة مجلس التعاون الخليجي رقم 35 في الدوحة، إنجازات اقتصادية على الرغم من سيطرة الملفات السياسية والأمنية على جدول الأعمال بالنظر للظروف الاستثنائية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. للأسف، يشكل الواقع الأمني والسياسي في بعض الدول العربية مثل اليمن وسورية والعراق وليبيا ولبنان تحديا مستمرا.
حقيقة القول، سجلت القمة تقدما لمشروعي الاتحاد الجمركي من جهة وتشييد قطار بين دول المجلس من جهة أخرى. كما تم التأكيد على أمور ذات أبعاد اقتصادية ومالية بالنسبة لأسواق المال فضلا عن خطط دمج توزيع شبكات الماء.
مما لا شك، واجه تنفيذ الاتحاد الجمركي إشكالية منذ إنشائه في عام 2003. يدعو المشروع إلى تبني سياسة تجارية موحدة مع الدول غير الأعضاء في مجلس التعاون، وهو أمر ليس بالهين بالنسبة للاقتصادات التي تتمتع بمزايا تنافسية في مجال التجارة الخارجية.
وبعد تأجيلات متكررة، تم الاتفاق على التنفيذ الكامل للمشروع في عام 2015.. ومع ذلك لم يقطع البيان الختامي لقمة الدوحة الشك باليقين فيما يخص حصول التزام محدد للتطبيق الكامل لمشروع الاتحاد الجمركي في عام 2015، ما يؤكد استمرار وجود بعض العقبات بطريقة أو أخرى.
وتبين بالتجربة بأن التحديات المتعلقة بمشروع الاتحاد الجمركي تتضمن أمورا مثل تطوير صيغة عادلة لتوزيع الرسوم الجمركية مع مراعاة القضايا المتعلقة بميناء الدخول والوجهة النهائية للسلع فضلا عن حماية مصالح الوكيل.
كما تشمل التحديات الأخرى معضلات إدارية وبيروقراطية بخصوص انسياب حركة الشاحنات عبر إيجاد ممرات خاصة لشاحنات الترانزيت وللمنتجات الغذائية سريعة التلف للمحافظة على صلاحيتها فضلا عن منح تأشيرات للسواق والذين يأتون من دول مختلفة.
على صعيد آخر، خيرا فعلت القمة بالتأكيد على الانتهاء من مشروع السكك الحديدية المشتركة على مستوى دول مجلس التعاون. وفيما إذا سارت الأمور بشكل مناسب، يتوقع أن يصبح المشروع مكتملا بحلول عام 2018. وربما تأخرت دول مجلس التعاون في تطبيق مشروع السكك قياسا بتجارب مناطق أخرى وخصوصا دول الاتحاد الأوروبي.
لكن لا يبدو الانتهاء من تنفيذ المشروع أمرا هينا لأسباب هيكلية وليس مالية، إذ يتطلب الأمر تهيئة البنية التحتية لمساحة شاسعة تزيد عن ألفي كيلومتر.. ويمكن القول إن بعض دول مجلس التعاون متقدمة أكثر من غيرها في تهيئة الأرضية لهذا المشروع الحضاري والذي سوف يشكل نقلة نوعية في طبيعة التنقل بين الدول الست متى ما تم تدشينه.
كما سوف يشكل تدشين المشروع علامة فارقة في مجال تعزيز التعاون التجاري وذلك في إطار مشروع السوق الخليجية المشتركة والذي دخل حيز التنفيذ مطلع عام 2008 والذي تم إقراره في قمة سابقة في العاصمة القطرية.
الكلفة التقديرية لمشروع سكك الحديد أقل من 16 مليار دولار وهو رقم ليس بخطير بالنسبة للدول الخليجية.. تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي ثروة سيادية مشتركة تزيد عن 2.4 تريليون دولار أي 37 بالمائة من قيمة الثروة السيادية على مستوى العالم.. وربما كانت الكلفة الفعلية أقل من ذلك بكثير لولا تأخر المضي قدما بمشروع من هذا النوع أسوة ببعض الكيانات الاقتصادية الأخرى وخصوصا في أوروبا.
علاوة على ذلك، اعتمدت قمة قرارات أخرى ذات أبعاد وآثار اقتصادية لاسيما مواصلة العمل بالمبادئ التوجيهية الموحدة للأسواق المالية داخل دول مجلس التعاون الخليجي.. توقيت الإشارة لهذا الأمر حساس في ضوء تأثر أسواق المال وتوجهات المستثمرين بهبوط أسعار النفط وبالتالي أداء البورصات.
إضافة إلى ذلك، أكدت قمة الدوحة على أهمية إقامة شبكة دمج لتوزيع المياه بحلول عام 2020 فيما يبدو أنه بناء على نجاح مشروع الربط الكهربائي.. وقد تبين بالتجربة فوائد مشروع الربط الكهربائي من خلال توفير الطاقة للدول الأعضاء الأكثر حاجة للطاقة خلال فترة الصيف.
اللافت في الأمر تميز القمم التي تستضيفها الدوحة بتحقيق اختراقات في مجال التعاون الاقتصادي الخليجي. فقد انطلق مشروع السوق الخليجية المشتركة من قمة 2007 في الدوحة. يرتكز المشروع على مفهوم منح وسائل الإنتاج مطلق الحركة في التنقل بين الدول الأعضاء.
من جملة الأمور، يؤكد مشروع السوق الخليجية المشتركة على أمور جوهرية مثل 1(( مزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية 2)) تملك العقار 3 ((المساواة في المعاملة الضريبة 4)) تداول وشراء الأسهم وتأسيس الشركات 5 الاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية.
وحسب الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، من شأن تطبيق السوق الخليجية المشتركة تعظيم الفوائد الناجمة عن اقتصاديات الحجم، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وتحسين الوضع التفاوضي لدول المجلس وتعزيز مكانتها الفاعلة والمؤثرة بين التجمعات الاقتصادية الدولية. وفي هذا الصدد، يلاحظ بأن دول مجلس التعاون الخليجي لم تتوصل حتى الآن إلى اتفاقية لتأسيس منطقة للتجارة الحرة مع دول الاتحاد الأوروبي.
تقليديا، تضمنت مطالبات الاتحاد الأوروبي أمور مثل تبني دول مجلس التعاون سياسات تجارية موحدة مع الدول الأخرى أي في إطار مشروع الاتحاد الجمركي.. طبعا، لم تغفل دول الاتحاد الأوروبي مطالبات أخرى مثل الحقوق السياسية والبيئية.
بكل تأكيد، ساهمت القمة رقم 35 في الدوحة بالدفع باتجاه تحيق المواطنة الاقتصادية من خلال بعض مناقشة مسائل حيوية مثل سكك الحديد ودمج شبكات توزيع المياه لكن يبقى كل شيء رهن التطبيق.
نقول هذا بالنظر لتأخير تنفيذ مشروع الاتحاد الجمركي والذي انطلق في عام 2003 حيث تبيت الصعوبات مع بدء تطبيق المشروع على الأرض في ظل تباين الأهمية النسبية للتجارة الدولية في اقتصاديات الدول الست.
في المحصلة، تشكل المشاريع التكاملية الاقتصادي حجر الزاوية لتحقيق المواطنة الاقتصادية الخليجية بعد مرور ثلاثة قرون ونصف القرن على إطلاق هذا الصرح الخليجي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2502
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2274
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1179
| 11 أكتوبر 2026