رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الديكتاتوريات بدأت تنهار والعرب يقفزون من الفرح! الهوية العربية ظلت تقتصر على الهزيمة والظلم والفاقة والعجز الديمقراطية في حد ذاتها لن تحل وحدها المشكلة العربية
بدأ العد التنازلي لنهاية عام العجائب والغرائب عام (2011) في العالم العربي، الذي تشكلت بداية ملامحه من خلال حريق اشتعل في جسد شاب منع من بيع بضاعة في السوق الشعبي ليطعم جوعه ويسد به رمق عائلته، لتنطلق الشرارة بعدها وتسقط زعماء وأنظمة ديكتاتورية شمولية عسكرية امتدت لعقود تحكم بالحديد والنار في تونس ومصر وليبيا واليمن، وربما سوريا وغيرها من الدول العربية المترنحة على الطريق وهذا ما سنتعرف عليه في العام الجديد (2012).
كيف ينظر العالم إلى الثورات التي انفجرت في المنطقة العربية على غير موعد مسبق وفي لحظة لم يستطع أن يتوقعها او يتنبأ بها أحد لا الدول العظمى ولا أجهزة المخابرات الدولية والعربية ولا حتى مراكز البحوث والدراسات الداخلية والخارجية؟! تقرير مميز نشرته صحيفة الشرق الأوسط وعرضت فيه آراء لعدد من المثقفين في الولايات المتحدة من مختلف المشارب في التعليق على الثورات العربية وهي آراء جديرة أن يهتم بها ويبنى عليها ويتم التواصل مع أصحابها ودعوتهم ليقوموا بدراسات وأبحاث متعددة ومتعمقة عن الحالة العربية الراهنة ومستقبلها. من هؤلاء كاي بيرد، مؤلف كتاب «بوابة ماندلبوم » وهو يقول في تعليقه "انه لسنوات، ظلت الهوية العربية تقتصر على الهزيمة والظلم والفاقة والعجز. وظلت مصابة بعقدة نقص وبدا وكأنها لن تنتهي ولكن هذا العام شهد قطيعة مع الماضي في الصحوة الثورية في العالم العربي".
أستاذ في جامعة كاليفورنيا، هنري واكوسيان، أشار إلى أن الديكتاتوريات العربية بدأت تنهار بعد عقود من القمع، وصار العرب، والعاطفون عليهم يقفزون من الفرح وكأنهم لا يصدقون. نتائج هذه الصحوة لن نراها في المنطقة فقط، ولكن في الغرب أيضا. لهذا، يجب على الغربيين أن يلقوا ظلالا من الشك على التحالفات السياسية الراسخة والهشة مع حكام عرب لا لشيء إلا لأن الغربيين يركزون على منافع اقتصادية يحميها هؤلاء الحكام». الكاتبة جولييت جاودكانيس من مجلة «نيشين»، أشارات انه «مهما كانت الأحداث تشبه أحداث سنة 1968 في باريس، وسقوط جدار برلين سنة 1989، سيكون من السابق لأوانه إعلان أن الحرية قد سادت، وأنها في طريقها لتنتشر في بقية الدول العربية. لأن كل شيء يتوقف على الكيفية التي يستجيب بها الغرب لهذه الصحوة العربية. وعلاوة على ذلك، بالمقارنة مع أوروبا الشرقية في سنة 1989، فإن الشرق الأوسط سنة 2011 يفتقر إلى استقرار في الهياكل الخارجية مثل منظمة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. استغرق التحول في أوروبا الشرقية بعد سنة 1989 وقتا أطول وأكثر تكلفة بكثير مما كان متوقعا. وهناك تجربة أوكرانيا البرتقالية سنة 2004، التي فشلت بعد سنوات قليلة لعدم وجود الكفاءة، وبسبب العداء الداخلي، وفساد الحكام الجدد».
ستيفين بوريدانوفيوم من موقع «بوريدانوفيوم» اعتبر أنه «إذا فشلت هذه الصحوة العربية، فإن النتيجة ستكون التطرف في جميع أنحاء المنطقة، لأنه لا يمكن أن تكون هناك عودة إلى الوضع السابق. لقد خرج الجني من القمقم. هذه هي الصحوة العربية الثانية في التاريخ الحديث. كانت الأولى هي الثورة العربية ضد الإمبراطورية العثمانية. صحيح أن الصحوة الأولى كانت ضد استعمار أجنبي، والثانية ضد حكام داخليين، لكن، بالنظر إلى السنوات الطويلة التي قضاها هؤلاء الحكام في الحكم، يمكن أن تكون مثل (الاستعمار). ويليام فاف صاحب كتاب «كارثة السياسة الخارجية الأميركية»، في رأيه أن «معظم الأميركيين يقبلون الالتزامات التاريخية الدولية التي فرضت عليهم، مثل ما حدث عام 1941، عندما دخلوا الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية. ثم جاء الانتصار في الحرب الباردة بداية من عام 1989. وبدا كأن النظام العالمي الأميركي قد خلق عالما حرا ومستقرا، لأول مرة. ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) العربية على الولايات المتحدة، ومنذ ذلك الحين، بدأت الفوضى العالمية التي نواجهها. يقول عدد من الناس الذين يؤمنون بأن الصحوة العربية الديمقراطية ستكون سبب توطيد النظام الديمقراطي في العالم، إن الولايات المتحدة، سيدة الديمقراطية، بمقدورها أن تساهم في تحقيق ذلك».
لورنس بوب، الدبلوماسي والخبير في دراسة العالم العربي، كتب أنه «في عام 1938، أصدر جورج أنطونيوس، وهو كاتب ودبلوماسي لبناني مصري، كتابا أسماه (الصحوة العربية) وقال إن سببها في ذلك الوقت، كان انتشار الأفكار الغربية، ومؤسسات مثل الجامعة الأميركية في بيروت، وكلية روبرت في اسطنبول. لكن، في سنوات لاحقة، استبدلت بهذه الرؤيا المتفائلة ايديولوجيا القومية العربية. وهي مزيج متناقض من الماركسية والعروبة، تمثلت في شعار حزب البعث: (أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة). لكن هزيمة مدوية للعرب عام 1967 كشفت أن القومية العربية فكرة مزورة. وبعد سنوات، ملأت الفراغ أنواع من الإسلام السياسي لمواجهة تغلغل اليسار في السياسية والقوات المسلحة، مثلما حدث في مصر والأردن. لكن عندما اغتال الإسلاميون الرئيس السادات 1981، حظرت الأحزاب السياسية الإسلامية في كل العالم العربي. الآن بعد نصف قرن من حكام استبدادي، وافتراض بأن الشعوب العربية نامت أو ماتت، صار واضحا أنها لم تمت، وكانت نائمة، لكنها استيقظت». في حين يلفت موانغي كيميني، مدير القسم الأفريقي في معهد بروكنغز بواشنطن، النظر إلى مقدار التغير الذي أحرزته الدول العربية الأفريقية نسبة إلى الدول الأخرى في القارة نفسها التي كانت في حالة مشابهة لها منذ أربعين عاما، ويشرح: «عام 1970، كان متوسط العمر في تونس أقل من الكونغو. وكان عدد الأطفال في المدارس أقل من مالاوي. لكن، على مدى العقود الأربعة الماضية، أصبحت دول شمال أفريقيا أكثر تطورا من بقية أفريقيا. لهذا، فإن الحركة الديمقراطية الجديدة في العالم العربي هي نتيجة لتقدم التنمية وليس العكس كما قالت تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة».
جورج بيرنبوم، خبير أميركي، يعتقد أن «الشباب في الشرق الأوسط كان دون أمل. الآن صار لهم سبب ليتطلعوا نحو المستقبل، غير أن التحديات هائلة. الدول العربية في حاجة إلى خلق 100 مليون فرصة عمل خلال السنوات الخمس المقبلة، لهذا، يمكن القول إن الديمقراطية في حد ذاتها لن تحل وحدها المشكلة. يحتاج هؤلاء الشباب إلى وظائف لائقة، ونهضة عامة، وتحسن مستويات المعيشة». جول هيرست، من مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، ينتقد سياسة بلاده التي تتفانى في الدفاع عن الحرية والديمقراطية، وتغض الطرف عن الأنظمة القمعية لحلفائها العرب تحت حجة الحفاظ على الاستقرار وتوفير الغطاء لإسرائيل في منطقة معادية. ويضيف: «إننا نشهد أهم لحظة في التاريخ السياسي العربي في حياتنا، لكن لسوء الحظ، تأتي هذه الأنباء بمثابة نعمة ونقمة بالنسبة للولايات المتحدة. وذلك لأن سياستنا لوقت طويل في العالم العربي كانت محفوفة بالتناقضات، وسببت مشكلة مصداقية كبيرة مع الشارع العربي».
فرانسين كيفر، من صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» يعتبر أنه «حتى لو لم تنتشر الصحوة العربية أبعد من دول شمال أفريقيا، فهي لن تتوقف عن التمدد، لذلك لا بد من تأييد الديمقراطية في تونس، ومصر، وليبيا، من جانب الدول الديمقراطية الغربية بالدعم الإنساني والخبرات، وحتى في بث الحياة في اقتصادات هذه الدول لاستيعاب زيادة أعداد الشباب العربي».
مرحبا بالعام القادم بكل ما يحمله من توقعات ومفاجآت، فلقد تعبنا، بل هرمنا من انتظار التغيير الذي غيب عن عالمنا لعقود تتجاوز الخمسة وحان الوقت أن يجتاح التغيير كل شارع وبيت وزنقة من المحيط إلى الخليج.
Aljaberzoon.blogspot.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1542
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1317
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026