رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتهيت من قراءة رواية (الرجل الذي كان ينظرُ إلى الليل) للروائي المصري/ الفرنسي (جِلبر سِينُوِيه) الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، بدولة الكويت عام 2016. وقام بترجمة الرواية إلى العربية الدكتور محمود المقداد.
لن تكون هذه الوقفة للحديث عن أحداث الرواية واتجاهاتها، فهي معروفة في عالم النقد والآداب، ولكن ما جذبني لمتابعة الرواية هي الترجمة؛ التي أضافت روحاً جمالية وثقافية على سطور الرواية، وقدّمت شروحاتٍ للعديد من الكلمات التي قد تستَعصي على القارئ.
في 365 صفحة يشهدُ القارئ قاموساً دقيقاً لأية كلمة قد تبدو غريبة، أو أن يكون أصلُها عاميّا أو فرنسياً، كون الروائي مُشبّعا بالثقافة المصرية والفرنسية في آن واحد.
وأستطيع القول إن المترجم كان راوياً آخر للأحداث، مُتابعاً لما كُتب عن الروائي (سِنيوِيه) في الصحافة، وكيف أنه تحوّلَ من نهج الرواية التاريخية إلى السيرة الروائية، حيث يقول: «هذا الكتاب يعني لي الكثير، وقد وضعتُ في الكثير منّي، من ذاتي، وهذا لم أضعه في أي عمل آخر». ليأتي المُترجم في الهامش، ليقول:
«ونجد إحدى المُعجَبات بالرواية تكتبُ تعليقاً عن معالجته للطبيعة البشرية فيها، تقول: «اكتشافك للطبيعة البشرية قويّ جداً، كما في أعمال شكسبير». ( أمل دوزي). وتُذكّرُنا الرواية بروايات عربية عديدة حاولت الارتحال من الوطن، وتحدثت عن الصدمة الثقافية، والتَنازع بين قيم الشرق وقيم الغرب، كما في رواية عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم (1938)، ورواية (قنديل أم هاشم) ليحيى حقي (1940)، ورواية الحيّ اللاتيني لسهيل إدريس (1954)، وغيرها. حيث ينتقل البطلُ من مصر كي يدرس الطب في باريس. ويحمل الطبيب (تيوفان) عقدة فشله في إنقاذ مريض بالقلب، حتى نهاية الرواية، حيث ينجح في إنقاد مريض (إليكسيس) الصغير، ويجعل قلبه ينبض مرة ثانية.
ويذكُر الروائي العديدَ من أسماء العلماء والفنانين والمستشرقين، ما يدل على ثقافته الواسعة، ولكن ثقافة المترجم قد فسّرت المواقفَ التي كانت تحتاج إلى تفسير، نلاحظ في الصفحة (71)، تعريفاً موجزاً لأسماء وردت في الرواية، مثل: الروائي أندريه جيّد الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1949، نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1988، الفونسو دو لا مارتين، الشاعر والسياسي الفرنسي ( 1790-1869)، وكان قائداً للاتجاه الرومانسي عبر ديوانه المشهور (تأمّلات)، وأيضاً (أبونواس)، الحسن بن هانئ ( 145-198) من شعراء العصر العباسي الأول، وقد وُلد في البصرة، وتخرّج في الشعر على يد الشاعر (والبة بن الحبّاب) بالكوفة، والرواية خلف الأحمر، وكان مُقرّباً من الخليفة الأمين، وصاغ أغلب شعره في الخمريات.
كما يورد الروائي بعضَ الحِكَم والمقالات، يقول في صفحة (82) على لسان (ديمتري):
«ضع في رأسك جيداً أن عشرةَ بالمئة من البشرية يموتون ميتةً طبيعية، والبقية يموتون من الحَسد والغيرة، لا تضحك! إنني جادٌ، وتنبعثُ من بعض الناس، طاقاتٌ سوداء، وأفكارٌ أكثر سُميّة من السمِّ الذي قتلَ (سقراط)». وبطبيعة الحال، فإن ما ذهب إليه الروائي واقعٌ مُعاش، حتى هذه الأيام، حيث موت الأغلبية من الحسد والغيرة، وتتَبعِ حياةِ الآخرين، ولا يفوت المترجم تعريفُ (سقراط)، حيث يذكر في الهامش: سقراط، فيلسوف يوناني ( 470 -399 ق.م ) عُرف من قِبل مُريده (أفلاطون)، وهو أبو الجدلية (الديالكتيك)، وبالنتيجة أبو الفلسفة كلها، وقد حُكِم عليه بالموت عن طريق تجرّع السُمّ.
في صفحة 83 تمر علينا كلمة (باغلما)! وهي « Baglama»، وأعتقد أن كثيرين من العرب لا يعرفون الكلمة، بمن فيهم الأدباء، إلّا أنه المترجم يُزيل الالتباس، ويشرح الكلمة، كالتالي:
«الباغلما، آلة موسيقية متطورة عن (البوزوكي) أو (البُزق)، وهي من الآلات الوترية الأكثر شعبية وانتشاراً في البلقان وتركيا، وبعض المناطق في سوريا والعراق». كما يقوم المترجم بشرح بعض التعابير الفرنسية، والتي تشُكّل الذائقة والأعراف، حيث نقرأ في صفحة (169): «ويذهب إلى صيد السمك، عندما يرغب في ذلك، ويَقيلُ من غير أن يكسر إحدى أذنيه»، والعبارة الأخيرة معروفة في الثقافة الفرنسية، لكنها تُشكل على غيرهم، وفسّرها المترجم على أنها كناية عن الهدوء، وعدم إزعاج الشخص أثناء قيلولته بأي صوت.
ومن ذلك أيضاً ما ورد في صفحة (170)، في الحوار الذي يقول:
- حدث فيها الانفجار الكبير ( Big Bang)، وفسّرها المترجم كالتالي:
«الانفجار الكبير هو في الأصل، مصطلح علمي فضائي إنجليزي، أُطلق، لدى الطبيعيين، على النظرية التي تُفسِّر نشوء الكون وتشكيله، واستعمله (تيمور) هنا كناية عن تفجّر العلاقة بين الأبوين وتخريبِهما لأبنائهما».
بالطبع هذه النظرية تُخالف نظريةَ خَلقِ الكون التي نؤمن بها، ووردت في القرآن الكريم.
ونلاحظ أن المترجم مُلمٌّ بالتطورات التاريخية والأدبية، وأنه قرأ العديد من الروايات العالمية، والتي مرّ ذكْرُها في النص، فمثلاً نقرأ في صفحة (181): «لماذا كانت تعاودني بلا انقطاع صافعةً صدْغي، ولحوحة، تلك الجملة الشهيرة في رواية الغريب (L`Etranger)، اليوم ماتت أمي، أو ربما أمس، لستُ أدري! ويأخذنا المترجم إلى الهامش الذي يذكر فيه:
«رواية (الغريب) هذه للكاتب الفرنسي (ألبير كامو) 1913-1960، كان وُلد في قرية تابعة لمدينة (قسنطينة) بالجزائر، من أبٍ فرنسي، وأمّ إسبانية، وتعلّم في جامعة الجزائر. كان فيلسوفاً وجودياً، وقد بذر بذور فلسفة اللامعقول والعبثية، في كتابه (اسطورة سيزيف) Le mythe de Sysiphe، سنة 1951، وله ثلاث روايات مشهورة هي ( الغريب)، (الطاعون)، (السقوط)، وله مسرحية كاليغولا (Caligula)، نال جائزة نوبل للآداب سنة 1951، توفي في فرنسا، ونُقل رفاتهُ بأمر من الرئيس الفرنسي (ساركوزي)، لم يكن وُلد عام 1951، العام الذي توفي فيه (كامو)، ليُدفن في مقبرة العظماء (الأنفالية) في باريس، في احتفال مُهيب».
هذه الشروحات التي ملأت هوامش الرواية، أضافت معلوماتٍ جديدةً وثريةً لقارئ الرواية، وأغنتهُ عن الرجوع إلى مراجع متعددة لمعرفة تلك المعلومات والكلمات التي تصدر عن الشخصيات.
كما أن للمترجم خلفية دينية، سواء كانت يهودية أم مسيحية أم إسلامية، نلاحظ في صفحة (217)، عندما ورد ذِكرُ رقصة ِالمناديل السبعة، يشرح المترجم:
«رقصة المناديل السبعة، ورد في إنجيل (متّى)، الإصحاح 41 ( الفقرات 3-11)، أن القديس (يُوحنّا المعمدان) Jean-Bapiste، (وهو النبي يحيى بن زكريا)، عند المسلمين، كان يقول لملك اليهود، (هيرودوس انتياس) 7 ق.م- 39 ق.م، إن (هيروديا)، زوجة أخيه لا تحّل له زوجة، فسَجنهُ، ولما أراد أن يقتله، خاف من الشعب، لأنه كان عندهم مثل نبيّ. ثم لما صار مولد (هيرودوس)، رقصت ابنته (هيروديا)، وهي الأميرة اليهودية سالومي (Salome)، في الوسط، فَسَرَّت (هيرودوس)، ومن ثم وعَد - بقسَم - أنه مهما طلبت يُعطيها، فهي إن كانت قد تلقّنت من أمها، قالت أعطني على طبق رأسَ (يوحنا المعمدان)، فاغتنم الملك، ولكن من أجل الأقسام والمُتكئين معه، أمر أن يُعطى. فأرسل، وقطعَ رأس (يوحنا) في السجن سنة 28م، فأُحْضرَ رأسه في طبق، ودُفع إلى الصبية، فجاءت به إلى أمّها. ويُروى أن الرقصة (المناديل السبعة) التي رقصتها (سالومي)، هي رقصة المناديل السبعة، وسُميّت بذلك، لأن الراقصة كانت تلفّ جسدها بسبعة مناديل رقيقة، كل منها بلون مختلف، فتحِّل الأول، وترقص به، ثم ترميه، وتحل الآخر، حتى السابع، وتنتهي الرقصة بذلك. ويبدو أن أصل هذه الرقصة القديم كان، فيما يُروى، في الأساطير البابلية والآشورية، أن إِلهةَ الخصب (عشتار) كانت أول مَن رقصَها، ولكن فيما يُشبه تعرّي الراقصات قطعةً قطعة، في أيامنا، أو رقص ستربتيز (Strip- tease)، حتى تنتهي من آخر منديل، عاريةً تماماً أمام الحضور.
هذه الترجمة الرصينة والشاملة والمثيرة، أضافت إلى الرواية عمقاً وجمالاً، ما أبعدها عن الترجمة النصية الحرفية الجافة، مما نلاحظه على ترجمات العديد من الأعمال عن اللغات الأخرى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
696
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
675
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» رؤية أخلاقية عميقة تجعل من نفع الإنسان لأخيه الإنسان معيارًا حقيقيًا للقيمة والأثر. ولا يقتصر هذا النفع على الدعم المادي أو المبادرات الظرفية، بل يتجسد بصورة أعمق في الإيمان بقدرات الآخرين، وتمكينهم من أداء أدوارهم بثقة ومسؤولية. إن الإيمان بقدرات الأفراد يمثل أحد أهم أشكال الدعم المستدام، إذ يسهم في بناء شخصية قادرة على العطاء والمبادرة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية. فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يثق بإمكاناته ويقدّر جهوده، يصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وأكثر التزامًا بالمشاركة الإيجابية في خدمة مجتمعه. وتشير التجارب التنموية إلى أن المجتمعات التي تقوم على ثقافة الثقة والدعم المتبادل، تحقق مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي والاستقرار المؤسسي. فالدعم المعنوي، المتمثل في التشجيع، والتقدير، ومنح الفرص العادلة، يعد عنصرًا أساسيًا في إطلاق الطاقات الكامنة، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يمثلون عماد الحاضر وأمل المستقبل. كما أن الإيمان بقدرات الآخرين يسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، ويعزز رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في مساراتها التنموية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإنجازات الفردية المعزولة، بل تقوم على منظومة متكاملة يشعر فيها كل فرد بأن له دورًا مؤثرًا ومسؤولية مشتركة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب مجتمعي يعلي من قيمة الدعم الإنساني القائم على الثقة والتمكين، بوصفه مدخلًا لبناء مجتمعات قادرة على الصمود والتجدد. فالكلمة الإيجابية، والثقة الصادقة، والإيمان بالقدرات، قد تكون في كثير من الأحيان نقطة التحول في مسيرة فرد، وأثرها يمتد ليشمل المجتمع بأسره. ختامًا، يظل نفع الناس للناس هو جوهر الرسالة الإنسانية، وأحد أهم مقومات النهضة المجتمعية. فحين نؤمن بقدرات بعضنا البعض، وندعم مسارات النجاح، نكون قد جسّدنا المعنى الحقيقي للخيرية، وأسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة
630
| 22 يناير 2026