رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتهيت من قراءة رواية (الرجل الذي كان ينظرُ إلى الليل) للروائي المصري/ الفرنسي (جِلبر سِينُوِيه) الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، بدولة الكويت عام 2016. وقام بترجمة الرواية إلى العربية الدكتور محمود المقداد.
لن تكون هذه الوقفة للحديث عن أحداث الرواية واتجاهاتها، فهي معروفة في عالم النقد والآداب، ولكن ما جذبني لمتابعة الرواية هي الترجمة؛ التي أضافت روحاً جمالية وثقافية على سطور الرواية، وقدّمت شروحاتٍ للعديد من الكلمات التي قد تستَعصي على القارئ.
في 365 صفحة يشهدُ القارئ قاموساً دقيقاً لأية كلمة قد تبدو غريبة، أو أن يكون أصلُها عاميّا أو فرنسياً، كون الروائي مُشبّعا بالثقافة المصرية والفرنسية في آن واحد.
وأستطيع القول إن المترجم كان راوياً آخر للأحداث، مُتابعاً لما كُتب عن الروائي (سِنيوِيه) في الصحافة، وكيف أنه تحوّلَ من نهج الرواية التاريخية إلى السيرة الروائية، حيث يقول: «هذا الكتاب يعني لي الكثير، وقد وضعتُ في الكثير منّي، من ذاتي، وهذا لم أضعه في أي عمل آخر». ليأتي المُترجم في الهامش، ليقول:
«ونجد إحدى المُعجَبات بالرواية تكتبُ تعليقاً عن معالجته للطبيعة البشرية فيها، تقول: «اكتشافك للطبيعة البشرية قويّ جداً، كما في أعمال شكسبير». ( أمل دوزي). وتُذكّرُنا الرواية بروايات عربية عديدة حاولت الارتحال من الوطن، وتحدثت عن الصدمة الثقافية، والتَنازع بين قيم الشرق وقيم الغرب، كما في رواية عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم (1938)، ورواية (قنديل أم هاشم) ليحيى حقي (1940)، ورواية الحيّ اللاتيني لسهيل إدريس (1954)، وغيرها. حيث ينتقل البطلُ من مصر كي يدرس الطب في باريس. ويحمل الطبيب (تيوفان) عقدة فشله في إنقاذ مريض بالقلب، حتى نهاية الرواية، حيث ينجح في إنقاد مريض (إليكسيس) الصغير، ويجعل قلبه ينبض مرة ثانية.
ويذكُر الروائي العديدَ من أسماء العلماء والفنانين والمستشرقين، ما يدل على ثقافته الواسعة، ولكن ثقافة المترجم قد فسّرت المواقفَ التي كانت تحتاج إلى تفسير، نلاحظ في الصفحة (71)، تعريفاً موجزاً لأسماء وردت في الرواية، مثل: الروائي أندريه جيّد الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1949، نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1988، الفونسو دو لا مارتين، الشاعر والسياسي الفرنسي ( 1790-1869)، وكان قائداً للاتجاه الرومانسي عبر ديوانه المشهور (تأمّلات)، وأيضاً (أبونواس)، الحسن بن هانئ ( 145-198) من شعراء العصر العباسي الأول، وقد وُلد في البصرة، وتخرّج في الشعر على يد الشاعر (والبة بن الحبّاب) بالكوفة، والرواية خلف الأحمر، وكان مُقرّباً من الخليفة الأمين، وصاغ أغلب شعره في الخمريات.
كما يورد الروائي بعضَ الحِكَم والمقالات، يقول في صفحة (82) على لسان (ديمتري):
«ضع في رأسك جيداً أن عشرةَ بالمئة من البشرية يموتون ميتةً طبيعية، والبقية يموتون من الحَسد والغيرة، لا تضحك! إنني جادٌ، وتنبعثُ من بعض الناس، طاقاتٌ سوداء، وأفكارٌ أكثر سُميّة من السمِّ الذي قتلَ (سقراط)». وبطبيعة الحال، فإن ما ذهب إليه الروائي واقعٌ مُعاش، حتى هذه الأيام، حيث موت الأغلبية من الحسد والغيرة، وتتَبعِ حياةِ الآخرين، ولا يفوت المترجم تعريفُ (سقراط)، حيث يذكر في الهامش: سقراط، فيلسوف يوناني ( 470 -399 ق.م ) عُرف من قِبل مُريده (أفلاطون)، وهو أبو الجدلية (الديالكتيك)، وبالنتيجة أبو الفلسفة كلها، وقد حُكِم عليه بالموت عن طريق تجرّع السُمّ.
في صفحة 83 تمر علينا كلمة (باغلما)! وهي « Baglama»، وأعتقد أن كثيرين من العرب لا يعرفون الكلمة، بمن فيهم الأدباء، إلّا أنه المترجم يُزيل الالتباس، ويشرح الكلمة، كالتالي:
«الباغلما، آلة موسيقية متطورة عن (البوزوكي) أو (البُزق)، وهي من الآلات الوترية الأكثر شعبية وانتشاراً في البلقان وتركيا، وبعض المناطق في سوريا والعراق». كما يقوم المترجم بشرح بعض التعابير الفرنسية، والتي تشُكّل الذائقة والأعراف، حيث نقرأ في صفحة (169): «ويذهب إلى صيد السمك، عندما يرغب في ذلك، ويَقيلُ من غير أن يكسر إحدى أذنيه»، والعبارة الأخيرة معروفة في الثقافة الفرنسية، لكنها تُشكل على غيرهم، وفسّرها المترجم على أنها كناية عن الهدوء، وعدم إزعاج الشخص أثناء قيلولته بأي صوت.
ومن ذلك أيضاً ما ورد في صفحة (170)، في الحوار الذي يقول:
- حدث فيها الانفجار الكبير ( Big Bang)، وفسّرها المترجم كالتالي:
«الانفجار الكبير هو في الأصل، مصطلح علمي فضائي إنجليزي، أُطلق، لدى الطبيعيين، على النظرية التي تُفسِّر نشوء الكون وتشكيله، واستعمله (تيمور) هنا كناية عن تفجّر العلاقة بين الأبوين وتخريبِهما لأبنائهما».
بالطبع هذه النظرية تُخالف نظريةَ خَلقِ الكون التي نؤمن بها، ووردت في القرآن الكريم.
ونلاحظ أن المترجم مُلمٌّ بالتطورات التاريخية والأدبية، وأنه قرأ العديد من الروايات العالمية، والتي مرّ ذكْرُها في النص، فمثلاً نقرأ في صفحة (181): «لماذا كانت تعاودني بلا انقطاع صافعةً صدْغي، ولحوحة، تلك الجملة الشهيرة في رواية الغريب (L`Etranger)، اليوم ماتت أمي، أو ربما أمس، لستُ أدري! ويأخذنا المترجم إلى الهامش الذي يذكر فيه:
«رواية (الغريب) هذه للكاتب الفرنسي (ألبير كامو) 1913-1960، كان وُلد في قرية تابعة لمدينة (قسنطينة) بالجزائر، من أبٍ فرنسي، وأمّ إسبانية، وتعلّم في جامعة الجزائر. كان فيلسوفاً وجودياً، وقد بذر بذور فلسفة اللامعقول والعبثية، في كتابه (اسطورة سيزيف) Le mythe de Sysiphe، سنة 1951، وله ثلاث روايات مشهورة هي ( الغريب)، (الطاعون)، (السقوط)، وله مسرحية كاليغولا (Caligula)، نال جائزة نوبل للآداب سنة 1951، توفي في فرنسا، ونُقل رفاتهُ بأمر من الرئيس الفرنسي (ساركوزي)، لم يكن وُلد عام 1951، العام الذي توفي فيه (كامو)، ليُدفن في مقبرة العظماء (الأنفالية) في باريس، في احتفال مُهيب».
هذه الشروحات التي ملأت هوامش الرواية، أضافت معلوماتٍ جديدةً وثريةً لقارئ الرواية، وأغنتهُ عن الرجوع إلى مراجع متعددة لمعرفة تلك المعلومات والكلمات التي تصدر عن الشخصيات.
كما أن للمترجم خلفية دينية، سواء كانت يهودية أم مسيحية أم إسلامية، نلاحظ في صفحة (217)، عندما ورد ذِكرُ رقصة ِالمناديل السبعة، يشرح المترجم:
«رقصة المناديل السبعة، ورد في إنجيل (متّى)، الإصحاح 41 ( الفقرات 3-11)، أن القديس (يُوحنّا المعمدان) Jean-Bapiste، (وهو النبي يحيى بن زكريا)، عند المسلمين، كان يقول لملك اليهود، (هيرودوس انتياس) 7 ق.م- 39 ق.م، إن (هيروديا)، زوجة أخيه لا تحّل له زوجة، فسَجنهُ، ولما أراد أن يقتله، خاف من الشعب، لأنه كان عندهم مثل نبيّ. ثم لما صار مولد (هيرودوس)، رقصت ابنته (هيروديا)، وهي الأميرة اليهودية سالومي (Salome)، في الوسط، فَسَرَّت (هيرودوس)، ومن ثم وعَد - بقسَم - أنه مهما طلبت يُعطيها، فهي إن كانت قد تلقّنت من أمها، قالت أعطني على طبق رأسَ (يوحنا المعمدان)، فاغتنم الملك، ولكن من أجل الأقسام والمُتكئين معه، أمر أن يُعطى. فأرسل، وقطعَ رأس (يوحنا) في السجن سنة 28م، فأُحْضرَ رأسه في طبق، ودُفع إلى الصبية، فجاءت به إلى أمّها. ويُروى أن الرقصة (المناديل السبعة) التي رقصتها (سالومي)، هي رقصة المناديل السبعة، وسُميّت بذلك، لأن الراقصة كانت تلفّ جسدها بسبعة مناديل رقيقة، كل منها بلون مختلف، فتحِّل الأول، وترقص به، ثم ترميه، وتحل الآخر، حتى السابع، وتنتهي الرقصة بذلك. ويبدو أن أصل هذه الرقصة القديم كان، فيما يُروى، في الأساطير البابلية والآشورية، أن إِلهةَ الخصب (عشتار) كانت أول مَن رقصَها، ولكن فيما يُشبه تعرّي الراقصات قطعةً قطعة، في أيامنا، أو رقص ستربتيز (Strip- tease)، حتى تنتهي من آخر منديل، عاريةً تماماً أمام الحضور.
هذه الترجمة الرصينة والشاملة والمثيرة، أضافت إلى الرواية عمقاً وجمالاً، ما أبعدها عن الترجمة النصية الحرفية الجافة، مما نلاحظه على ترجمات العديد من الأعمال عن اللغات الأخرى.
متى ترحل؟
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم... اقرأ المزيد
531
| 01 يوليو 2026
هل طالنا التبلد !؟
للمرة المئة أقف حائرة أمام أوراقي التي أتركها كمسودة أولى لـ"ترويدتي"، وكلما عزمت أن أكتب عن شأنٍ آخر،... اقرأ المزيد
162
| 30 يونيو 2026
حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجب
نحن لا نعيش بالعقود والقوانين فقط، بل نعيش أيضًا بسلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة التي تحفظ الود بين... اقرأ المزيد
222
| 30 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4419
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
2340
| 29 يونيو 2026
في القطاعات التي تتحرك بسرعة، لا يكون التأخر مجرد بطء إداري، بل قد يتحول إلى خسارة في الكفاءات والفرص والاستثمارات. وقطاع التدريب والتطوير المهني من أكثر القطاعات التي لا تحتمل الانتظار، لأنه يتعامل مباشرة مع الإنسان، ومع جاهزيته لسوق العمل، وقدرته على مواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية. ومع ذلك، ما زلنا أحيانًا ندير التدريب بمنطق يراقب الإجراء أكثر مما يقيس الأثر، ويهتم بمن يقدّم البرنامج أكثر من اهتمامه بما أحدثه البرنامج في أداء المتدرب. هل وُجد التنظيم لحماية جودة التدريب، أم أصبح التدريب مطالبًا بحماية نفسه من تعقيدات التنظيم؟ لا أحد يعترض على وجود ضوابط تحمي المجتمع من البرامج الضعيفة والممارسات غير المهنية والادعاءات المضللة، بل إن القطاع يحتاج إلى حوكمة جادة ورقابة عادلة. لكن الإشكال يبدأ عندما لا تكون حدود الاختصاص واضحة، وعندما تتعدد الموافقات والتفسيرات، وتُفرض متطلبات لا يعرف المستثمر أو المدرب أساسها التنظيمي أو القانوني، فالتنظيم الذي لا يستطيع المعنيون فهمه، أو معرفة مرجعيته، أو التنبؤ بقراراته، لا يبني الثقة في السوق مهما كانت النوايا جيدة. التدريب ليس نشاطًا جانبيًا، ولا ساعات تُستكمل للحصول على شهادة، إنه جزء من بناء رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية، ورفع جاهزية الشباب والموظفين. التعليم يمنح الإنسان أساس المعرفة، أما التدريب فيحوّل المعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى أداء، والأداء إلى نتيجة، ولهذا لا يمكن إدارة التدريب بعقلية التعليم التقليدي، فالتدريب يقوم على المرونة، وسرعة الاستجابة، والارتباط المباشر باحتياجات المؤسسات وسوق العمل. وحين نحمّله إجراءات لا تتناسب مع طبيعته، فإننا لا نرفع جودته، بل نفقد أهم ما يميزه: السرعة والابتكار. من يملك حق الحكم على المدرب؟ من القضايا التي تحتاج إلى مراجعة جادة قضية تصنيف المدربين، فالمدرب لا يصبح مؤهلًا لمجرد إدراج اسمه في قائمة، كما أنه لا يفقد كفاءته لعدم وجوده فيها. الكفاءة التدريبية لا تُقاس بعنصر واحد، بل بمنظومة تشمل التخصص، والخبرة، والقدرة على تصميم المحتوى، وإدارة القاعة، ونقل المعرفة، وسجل الإنجاز، والأثر الفعلي للبرامج. وإذا تقرر إنشاء تصنيف مهني للمدربين، فيجب أن يقوم على معايير معلنة، ومستويات واضحة، ولجان متخصصة، وآلية عادلة للاعتراض والمراجعة. أما أن تتحول بعض المبادرات أو الإجراءات الداخلية تدريجيًا إلى متطلبات ملزمة على السوق من دون توضيح سندها واختصاص الجهة التي فرضتها، فإن ذلك يستحق الوقوف عنده. فالمبادرة تظل مبادرة، ولا تتحول إلى تشريع بمجرد تكرار تطبيقها. المستثمر ليس خصمًا للجهة المنظمة كما أن مركز التدريب المرخص ليس خصمًا للجهة المنظمة، بل شريك في تنمية المهارات الوطنية، فهو يستثمر في المقرات والتقنيات والكوادر وتطوير البرامج، ويوفر فرصًا للمدربين والمتخصصين. والمستثمر الجاد لا يطلب العمل بلا رقابة، بل يطلب أن تكون الرقابة واضحة ومتوازنة، وأن يعرف مسبقًا ما له وما عليه. لا يمكن أن نتحدث عن دعم القطاع الخاص، ثم نضع أمامه متطلبات متغيرة أو إجراءات يصعب التنبؤ بها. ولا يمكن أن نطالبه بالابتكار، ثم نحاصر كل فكرة جديدة بسلسلة طويلة من الموافقات. الرقابة الذكية لا تعطل السوق، بل تميز بين الملتزم وغير الملتزم، ولا تعاقب الجميع بسبب أخطاء البعض. ولا تقيس جودة التدريب من أوراقه فقط، بل من أثره ونتائجه. ما الذي يحتاجه القطاع؟ ما يحتاجه القطاع اليوم ليس مزيدًا من التعقيد، بل مزيدًا من الوضوح، من خلال تحديد الجهة المختصة بتنظيم التدريب، والفصل بين التعليم الأكاديمي والتطوير المهني، ونشر المعايير والاشتراطات، وعدم تحويل المبادرات الاختيارية إلى متطلبات ملزمة إلا بسند معلن، وإشراك المراكز والمدربين في تطوير السياسات المنظمة للقطاع. إلى صانع القرار إن مراجعة منظومة التدريب ليست مطلبًا لفئة محدودة، بل استثمار في قدرة الدولة على تنمية رأس مالها البشري. فكل إجراء غير واضح قد يؤخر برنامجًا يحتاجه موظفون، وكل اشتراط غير مدروس قد يدفع كفاءة متميزة إلى مغادرة القطاع، وكل تداخل في الصلاحيات قد يربك مستثمرًا ويضعف الثقة ويحد من الابتكار. الدول التي تتقدم في الاقتصاد المعرفي لا تنظر إلى التدريب باعتباره ملف تصاريح، بل باعتباره بنية أساسية للتنمية. هل منظومتنا التنظيمية الحالية قادرة على صناعة قطاع تدريب يواكب طموحات الدولة، أم أنها ما زالت تدير قطاع المستقبل بأدوات الماضي؟ هذا السؤال ليس انتقادًا لجهة، بل دعوة إلى مراجعة وطنية مسؤولة. لأن مستقبل التدريب لا يخص المدربين والمراكز وحدهم، بل يخص كل شاب يستعد لسوق العمل، وكل موظف يحتاج إلى التطور، وكل مؤسسة تسعى إلى رفع إنتاجيتها، وكل دولة تراهن على الإنسان بوصفه أعظم استثماراتها.
1566
| 28 يونيو 2026