رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* على طبق من ذهب قدم العرب جميعاً لإسرائيل فرصة ماسية للاستفراد بالأقصى الحزين لتعيث فيه فساداً في ظل غياب كامل عن الأمر الجلل!! ولعل ما يحدث في الأقصى من بطولات نسائية لرد هجمة قطعان المستوطنين المدعومين بالشرطة، وتحمل الضرب، والركل، والاعتقال، ووحشية الهمج، لعله يقول للعالم العربي كله الذي أغمض معظمه عينيه عن أبشع ما يمر به الأقصى الشهيد من استباحة، وتدنيس في غفلة من رؤوس الأنظمة العربية المشغولة بحماية وتأمين الكراسي (واخجلاه) والله يا خجلي والأفواه مغلقة، والأيدي مكبلة، والسكوت مطبق إلا من شجب هنا أو هناك، حتى الشجب عز على المشغولين فنامت العيون قريرة لا تأبه! سؤال مُر أليس في العرب من يحمي إلا النساء؟ ومن يرابط إلا النساء؟ ومن يتحدى إلا النساء؟ يعز عليّ والله أن تغط النخوة العربية في سبات عميق! يعز عليّ والله أن يهون المقدس وترتمي العزة في جب سحيق! أتابع الحدث الجلل، والأقصى يهان، والرصاص يلعلع بين جنباته للنيل من المرابطين، والمدافعين عنه رجالاً ونساء، وشيوخاً فينتابني حزن العاجز، وما أمره من حزن!!
* يا فرحتي بالسادة الصحفيين الذين تركوا الكتابة عن المسجد المحتل بقاذورات الهمج، وكوارث تقسيمه ليتحدثوا عن فرحة الفلسطينيين برفع العلم الفلسطيني بمقر الأمم المتحدة! أسألهم جميعاً ما جدوى رفع العلم يا سادة، وكل من يحس أو (عنده دم) ضغطه مرتفع مما يرى من انتهاكات ذابحة، وما يفعل العلم للفلسطينيين المشردين، القاطنين العراء، الجوعى، المهدومة بيوتهم، الموجعة قلوبهم، المنتظرين منذ عقود في المنافي البعيدة عودتهم لوطنهم؟ ما جدوى العلم دون دولة أصلاً يرفرف على ربوعها؟
* يتباهى نتنياهو فيقول بشماتة مفضوحة (العالم يتزلزل من حول إسرائيل بينما إسرائيل تعيش في استقرار) شخصياً أعتقد أننا كعرب وفرنا هذا الاستقرار، ولا جميل لك فيه، اشكر العرب ورد الفضل لناسه الرائعين.
* تقول الأخبار إن (أوباما) سيخرج (نتنياهو) من الحكومة الإسرائيلية!! يا فرحتي! حتى لو خرج البركة فيك ألست الحليف الأعظم لإسرائيل يا أُس كل فساد؟
* تصورت أن قنوات العالم العربي كله بعد أخبار اجتياح الأقصى ستخصص ساعات بثها لمتابعة أحداث الاقتحام تعاطفا، وقلقا، وواجبا، لكنني وجدت قنوات تهز كتفيها للحدث وتنشغل بإسفافها، وخوائها، و(تاراتاتا) على وزن (واخيبتاه) ومغنواتية العالم العربي يرقصون، ويغنون، ويبثون فحيحهم! هكذا العروبة وإلا فلا.
* القرار الدولي برفع العلم الفلسطيني أمام المقرات الرسمية للأمم المتحدة في نيويورك، وجنيف، وفيينا، حاز موافقة 119 دولة، ومعارضة 8 دول بينها الولايات المتحدة!! هل يصدق العرب أن أوباما يريد حلا للقضية الفلسطينية؟ هل مازالوا يصدقون؟
* أمر مضحك أن يكون معظم الذين يستقبلون اللاجئين هم أنفسهم الضالعون في صناعة المأساة!
* للذين يريدون فهم الحدث.. إعطاء الجنود الصهاينة حق إطلاق الرصاص الحي على الفلسطينيين المدافعين عن حرم الأقصى يعني شيئاً واحداً.. أن مخطط تقسيم الأقصى سيتم ولو جرى الدم في الطرقات كالسواقي، ورغم أنف العرب مجتمعين وفرادى!
* مع تزايد النزوح العربي العظيم خارج الحدود العربية هل يمكن أن نعفي أو نبرئ حكامنا العرب من أنهم ساعدوا في صنع المأساة بتعاونهم الحميم مع الغرب لضمان وجودهم على كراسيهم التي يعشقون؟
* الغرب الديمقراطي يريد لنا الديمقراطية العظيمة لنتنفس بحرية، ونعيش بكرامة، وهو نفسه الذي يصدر للأنظمة السلاح، وأدوات التعذيب، ثم يلوم الأنظمة لانتهاكات حقوق الإنسان، التي هي في الحقيقة مسمار جحا لكل تدخلاته في دول الشرق الحزين، بالعقل أين سيسوق منتوجات مصانع أسلحته، وكيف له أن يستنزف مقدرات الشعوب وثرواتها إلا بأن يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي؟
* تقول المذيعة الجميلة: الأقصى خط أحمر!! صحيح بأمارة الهبة المزلزلة التي ترج عواصمنا العربية، وتسخير الإعلام العربي من المحيط إلى الخليج للرد على الهجمة.
* المذيعة الجميلة تحذر إسرائيل من استفزاز مشاعر العرب باقتحام الأقصى!! أي استفزاز يا حلوة، نحن أقوام عصية على الاستفزاز، (احنا مكبرين دماغنا ومش في بالنا) ممكن يستفزنا (ماتش) أو (جون) لكن غيره سلامتك!!
* يقول أحدهم إن اكتشاف حقل الغاز الجديد في مصر جعل الأرض تهتز تحت (نتنياهو)!! ولماذا يا عيني تهتز وعنده (النووي) ليضرب به متى شاء وكيف شاء، لماذا تهتز وهو القادر على هز بدن العالم كله، بمجرد تصريح نووي، خلو بالكو ياعرب متعصبهوش ليعملها.
* تقول المذيعة نطالب العالم كله بالانتفاض لما يحدث بالقدس الشرقية!! أي انتفاض يا حلوة؟ المسجد تم اقتحامه، وما زلنا نأكل الآيس كريم، ونتفرج على عاهات مسلسلاتنا العربية، صلي على اللي يشفع فيكي.
* لم تكتف إسرائيل بتزوير الجغرافيا.. الآن تزور التاريخ تحت مزاعم الهيكل الموعود!
* حدد فلسطينيو 48 يوم 27 سبتمبر الحالي يوما للنفير العام للدفاع عن المسجد الأقصى وحمايته من التقسيم، فهل من سامع؟ وهل من نفير؟
* * * طبقات فوق الهمس
* يا واقفين على عرفات بعد أيام نستحلفكم أن تدعو قلوبكم أن يتذكر المسلمون في أصقاع الأرض تكوينا غاليا اسمه الأقصى يستغيث وما من مغيث!!
قلت يا أقصى سلاما ... قال هل عاد صلاح
قلت لا إني حبيبٌ ... يرتجى منك السماح
قال والدمع يفيض ... هدني طعن الرماح
والمآذن في صداها ... تشتكي أين رباح
من تراه سوف يأتي .. حاملاً طهر الوشاح
* ومع الشاعر أكرر من تراه سوف يأتي؟ هل يأتي؟ أم تراه جودو الذي لا يأتي؟؟
* عن الأقصى أتحدث.. هل تذكرونه؟ تصبحون على ذاكرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8574
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4188
| 09 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1203
| 11 مارس 2026