رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تواجه الأزمة السورية في المرحلة الراهنة منعطفا خطيرا, على نحو يدفع بها إما إلى مرافئ التوصل إلى تسوية سياسية, أو يدخلها نحو المزيد من سفك الدماء حتى يتمكن, أحد أطرافها من حسم الموقف لصالحه, وهو ما لا تبدو له ثمة إشارات في الأفق, ولعل أبرز تجليات هذه المرحلة يتمثل فيما يلي:
أولا: التقاطع بين التحركين الروسي من ناحية, والأمريكي من ناحية أخرى, ووصول الأمر إلى حد التلويح بالقوة العسكرية, وهو ما أخذ منحى عمليا في قيام موسكو بإرسال أفراد من جيشها إلى اللاذقية معقل الرئيس بشار الأسد, وإنشاء قاعدة عسكرية, فضلا عن عتاد عسكري ضخم من أسلحة ثقيلة بل وتمدد هذه المساعدات إلى تخوم العاصمة دمشق, للحيلولة دون سقوطها لاسيما مع تقدم من قبل بعض تنظيمات المعارضة المسلحة باتجاهها, والهدف المعلن من قبل روسيا هو منع التنظيمات الإرهابية من الاستيلاء على سوريا, بوضوح منع سقوط نظام بشار الأسد, التي تتحمل روسيا إلى جانب إيران عبء وكلفة حمايته, والمحافظة عليه سواء من الناحية اللوجيستية أو العسكرية أو الاقتصادية..
وفي المقابل فإن الولايات المتحدة ترفض هذا التدخل العسكري المباشر من قبل روسيا, وتراه تجاوزا للخطوط الحمراء المتفق عليها بين الدولتين اللتين تتصدران المشهد العالمي الراهن, وترى واشنطن أن موسكو عبر هذا التدخل تسهم في استمرار الصراع الدموي في سوريا, وتغلق أمامه أبواب الحل السياسي على أساس أنه يوفر لحكم الرئيس بشار الأسد أرضية الشعور بالقوة والرغبة الشديدة في الاستمرار في الحكم, وهو ما بدا واضحا في تصريحاته الأخيرة التي تحدث فيها, بشكل قاطع أنه لا يقبل أي تدخل خارجي لدفعه إلى التخلي عن السلطة, فذلك مرهون بإرادة الشعب السوري فحسب, على حد تعبيره..
وفي منظور واشنطن فإن هذا النظام فقد أي صدقية أو شرعية له, وهو ما يحظى بتأييد من دول أوربية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا.
ثانيا: ثمة تناقض واضح بين مواقف الأطراف الإقليمية المؤثرة في مسار الأزمة السورية, فبينما ترفض أغلب دول مجلس التعاون الخليجي, وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية مسألة بقاء الأسد في معادلة المستقبل بالنسبة لسوريا, فإن إيران والعراق يرفضان تماما إزاحة بشار, بينما يتسم الموقف المصري برؤية تتجاوز الأشخاص أو الانحياز لطرف دون آخر, بقدر انحيازها إلى حل سياسي من شأنه أن يحافظ على الدولة السورية بمؤسساتها وهياكلها, وبمشاركة كافة الأطراف وهو ما عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرا, حتى لا يتم إعادة إنتاج تجارب مريرة ما زالت ملامحها مستمرة في كل من العراق وليبيا وربما اليمن إلى حد ما.
ثالثا:على الرغم من كل التناقضات في المواقف الإقليمية والدولية حيال منهجية التعامل مع الأزمة السورية, فإن ثمة توافقا على أهمية أخذ زمام المبادرة في القضاء على التنظيمات الإرهابية, التي باتت فاعلا رئيسيا في الأزمة, لاسيما بعد سيطرة تنظيم "داعش" على أكثر من مساحة البلاد, والواضح أن التدخل الروسي العسكري الأخير اتكأ على هذا العامل, بينما الولايات المتحدة شكلت قبل أكثر من عام تحالفا دوليا لمحاربة التنظيم, عن طريق الضربات الجوية ثم تحركت باتجاه حشد الجماعات المسلحة التي توصف بالمعتدلة لمحاربة "داعش", وإن ثبت مؤخرا أن واشنطن لم تكن جادة فيما يتعلق بتدريب عناصر منها, وفق اعترافات رئيس الأركان الأمريكي الذي أقر بأن من تم تدريبهم أعداد محدودة, فضلا عن رفض بعض الجماعات الانخراط في أعمال عسكرية تخصص لمحاربة داعش فحسب, وهو ما ينبئ عن أن جهود محاربة هذا التنظيم لم تـأخذ منحى حاسما باتحاه القضاء عليه والحد من انتشاره, ولم تفض حتى الآن إلا إلى المزيد من تمدد هذا التنظيم عسكريا وجغرافيا, وبالتالي فإن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيفا لجهود الإقليم والعالم لمحاربة الإرهاب, وهو ما دفع دولة كبرى كفرنسا إلى الانخراط في معادلة شن الضربات الجوية ضد داعش في سوريا بالذات.
رابعا: هناك قناعة عربية قوية بضرورة الحل السياسي للأزمة السورية, وهو ما تجسد في اجتماعات الدورة الــ144 لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية يوم الأحد قبل الماضي, إلا أن الطرف العربي لا يمتلك الآليات التي من شأنها أن تدفع إلى بلورته -أي الحل السياسي - على أرض الواقع السوري..
وفي هذا السياق فإن الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية ودي ميستورا (والذي تحدث لوزراء الخارجية العرب في جلسة خاصة), توافقا خلال المباحثات التي عقدت بينهما في اليوم التالي للاجتماع الوزاري العربي على أن الفرصة الوحيدة المتاحة حاليا للتوصل لحل سياسي في سوريا تتمثل في تنفيذ بيان جنيف 1 الصادر في 2012, وتقوم خطة منظور المبعوث الأممي في هذا الشأن, على تشكيل مجموعة اتصال تهدف إلى إيجاد مستقبل للشعب السوري، تهدف بشكل أساسي إلى مكافحة الإرهاب, وهي عملية لا يمكن أن تتم بكفاءة من دون التوصل إلى حل سياسي وتشكيل مجموعة اتصال ثانية تركز على وضع الأسس التي من شأنها, الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية, لتجنب ما حدث من انهيار لها في ليبيا والعراق والصومال، بالإضافة إلى مناقشة المسائل الأمنية والعسكرية من قبل السوريين أنفسهم, باعتبار أن ذلك شأن يخصهم وحدهم فحسب, ولا تختلف رؤية الأمين العام للجامعة العريبة كثيرا عن هذا الطرح, فهو يشدد على أهمية بلورة خطة تحرك مشتركة مع الأمم المتحدة لمعالجة الأزمة السورية، خاصة أن المعالجات المطروحة للأزمة السورية لا تزال عاجزة عن وقف نزيف الدماء والدمار في سوريا, فالشعب السوري تتواصل معاناته ومآسيه, نتيجة استمرار هذه الأزمة, ما يستوجب صياغة رؤية عربية فعالة قادرة على التعامل مع مختلف أبعاد وتعقيدات الأزمة السورية, بالتشاور والتنسيق مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بمجرياتها, حتى يتمكن مجلس الأمن الدولي من الاضطلاع بمسؤولياته السياسية والأخلاقية تجاه هذه الأزمة، وحتى يتمكن "دي ميستورا" من إحراز التقدم المنشود في الخطة التي طرحها لتنفيذ مقررات مؤتمر جنيف ١.
رابعا: تفاقم أزمة اللاجئين السوريين, بفعل عدم توافق المجتمع الدولي على آليات محددة للتعامل معها بصورة إنسانية كريمة إلى حد قيام دولة مثل هنجاريا أو المجر سابقا, باتخاذ إجراءات تتعارض مع قواعد حقوق الإنسان ضد مجموعات اللاجئين الذين جاءوا إلى أراضيها للمرور وليس للإقامة, فضلا عن التصريحات, التي اتسمت بعنصرية مقيتة أدلى بها رئيس وزرائها اليميني, وفي مواجهة ذلك أبدى الجانب العربي التزاما ثابتا, تجلى بوضوح في قرار جماعي من وزراء خارجيتها في الاجتماع الأخير بالترحيب باستقبال الأشقاء العرب من الدول التي تعاني من مآسي النزاعات المسلحة وتقديم كل أشكال الدعم لهم وفقا لأسس الأخوة وبما تمليه واجباتها ومسؤولياتها السياسية والأخلاقية تجاه أزمة اللاجئين والنازحين, وذلك يفتح طاقة أمل لاستيعاب المزيد من أعداد اللاجئين السوريين الأكثر معاناة من بين فئات اللاجئين العرب في المرحلة الراهنة بدلا من المراهنة على الدول الأوربية وغيرها من دول العالم لتفتح لهم أبوابها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1503
| 29 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
789
| 24 مايو 2026
في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد الاتحاد الأوروبي أول قمة مع أرمينيا وصفتها الصحف العالمية بالقمة التاريخية، والقفزة التاريخية لما تمخض عنها من نتائج من شراكة اقتصادية وأمنية، ومساعدات عسكرية كبيرة لأرمينيا، وضوء أخضر للانضمام للاتحاد، وبذلك نجح الاتحاد في اختراق القوقاز، أو بصريح العبارة ضرب النفوذ الروسي هناك، وهو ما منح لتلك القمة تحديداً صفة التاريخية. وتتأتى تاريخيتها أيضا من مناقشة الاتحاد مسألة الاستقلالية بصورة أكبر وأكثر جرأة وتوسعاً، كرد فعل على قرار ترامب سحب قواته من ألمانيا، تمهيدا لمزيد من الانسحابات من أوروبا، وتقليص الدور الأمريكي في الناتو بعد موقفه من أزمة مضيق هرمز. في القمة صرح أكثر من زعيم أوروبي ومن بينهم ماكرون حول مفترق الطرق الذي تعيشه أوروبا، واستمرار التحدي الروسي الخطير، وموقف الولايات المتحدة المتذبذب، مع الحث على ضرورة تقوية أوروبا عسكريا وتعزيز تضامنها. لكن اللافت أيضا أن الزعماء الأوروبيين وزعماء الاتحاد قد أشاروا إلى واقع "التعددية القطبية" الذي يعشه العالم الآن، مما يفرض على أوروبا تعزيز استقلالها لتصبح أحد أهم أقطاب ذلك النظام المتعدد. ولعل المغزى الأكبر يكمن في إقرار الاتحاد بأن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة قد ولى، ومن ثم قد ولى أيضا زمن الاعتماد التام على الحماية الأمريكية، ناهيك عن أن الحماية الأمريكية لأوروبا تمر بمرحلة تحول إثر الانشغال بالصين والشعبوية الترامبية. وربما هنالك مغزى آخر يرمي إليه الأوروبيون وهو ضرورة الانفتاح على شراكات شاملة جديدة لاسيما أمنية. وهو ما تبدى بوضوح في استضافة كندا للقمة في واقعة نادرة الحدوث عامة، إذ نادرا ما يتم استضافة ضيف في القمم الأوروبية الخاصة من خارج أوروبا، كندا لم تحضر كمتفرج فقط، بل شاركت الأوروبيين رؤية النظام الدولي المتعدد الأقطاب، مع وعود ضمنية لتعزيز الشراكة مع أوروبا في مجالات مختلفة من بينها أمنية. القمة قفزة هامة لأوروبا بلا شك من حيث تحدي النفوذ الروسي في القوقاز، استقطاب قوى خارجية للأمن والاقتصاد الأوروبي، والإقرار بواقع التعددية الدولية وتراجع الدور الأمريكي وحتمية تقليل الاعتماد عليه، قفزات جيدة قطعاً في مسيرة تقوية واستقلال أوروبا، ومع ذلك، سيظل السؤال المعضلة للأوروبيين أنفسهم قبل المراقبين، هل ستنجح أوروبا في تحقيق الاستقلالية التامة لا سيما الأمنية؟ مسألة الاستقلالية الأمنية التامة لأوروبا قد استحوذت على مئات الأوراق البحثية، لكن اللافت أنها قد أجمعت على أنها حلم ليس مستحيلاً لكنه شديد الصعوبة، ويحتاج إلى وقت طويل ليس أقل من عقدين حال توافر عمل وإرادة جبارة، وهذا من حيث المبدأ. لكن أيضاً يجب الاستناد أو الإحالة إلى تطور القوة والاستقلالية الأوروبية منذ الحرب الأوكرانية 2022، حيث قد عزمت أوروبا على ذلك بصورة جدية غير مسبوقة، لكن ما تم خلال تلك الفترة قد دعم فرضية الصعوبة بصورة جازمة، بل أيضا قد رسخ للكثيرين حتى دول أوروبية استحالة تحقيق الاستقلالية تماما لأنه قد تم اختبار تحدياتها على أرض الواقع. إذ قد تبدى جلياً الانقسام المزمن بين اتحاد من 27 دولة، وشكوك حول قيادة بديلة لواشنطن، وتحدي إنفاق دفاعي مطرد يناهز المليارات سنويا، وتحدي تصنيع عسكري استراتيجي يحتاج عقودا من النمو بجانب تريليونات الدولارات، وتباين حاد في المصالح والرؤى الأمنية بعض الدول الأوروبية مثل المجر لا تعتبر روسيا عدواً. وفوق كل ذلك- وهو الأهم- استمرار الثقة المطلقة في الناتو ومن خلفه واشنطن من جانب جل الدول الأوروبية ربما الاستثناء فرنسا، فالدول الأوروبية تؤمن ضمنيا أنه لا بديل مطلقا عن الناتو ولا تتصور بديلا آخر، وان قيادة أوروبية بديلة مجرد هراء. خلاصة الأمر، أوروبا حقا في ورطة شديدة فهي تتمنى فعليا عدم فك الارتباط بالناتو والولايات المتحدة، لكنها تصطدم يوميا بواقع متغير لا سيما واقع الولايات المتحدة، لكن ذلك لا يرجح استقلالية الاتحاد مطلقاً، بقدر ما يرجح مزيدا من الانقسام، وتزايد النزعة الاستقلالية الفردية للدول الأوروبية عن الناتو والولايات المتحدة.
666
| 26 مايو 2026