رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل ينقضُ العرب ادعاءَ رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير عندما أحرقوا المسجد الأقصى عام 1969، حيث قالت آنذاك: "لم أنم ليلتها وأنا أتخيل أن العرب سيدخلون إسرائيل أفواجاً من كل صوب، لكنني عندما طلع الصباح ولم يحدث أي شيء، أدركت أن باستطاعتنا فعل ما نشاء، فهذه أمة نائمة"!.
هل نحن وبعد 46 عاماً على تلك المقولة (أمة نائمة) فعلاً، وأن إسرائيل باستطاعتها فعل أي شيء؟.
كل المؤشرات، للأسف، تشير إلى صحة تلك المقولة، وأن تلك المقولة مازالت تعتبرها إسرائيل أحد المبادئ الأساسية في سياساتها في المنطقة العربية، وبالأخص في الأماكن المقدسة.
إن المسجد الأقصى بناه الأنبياء من عهد آدم عليه السلام، وعمّره سيدنا إبراهيم عليه السلام حوالي 2000 عام قبل الميلاد، كما عمّره ابناه إسحق ويعقوب عليهما السلام، كما جدده سيدنا سليمان عليه السلام حوالي 1000 عام قبل الميلاد، ولم يكن قبله كنيس ولا هيكل ولا معبد. وهذا يُسقط الدعاوى اليهودية المتطرفة لأحقية اليهود في المسجد.
الاقتحام الجديد صباح الأربعاء الماضي 16/9/2015، وإقامة صلوات توراتية فيه مخالف للاتفاقيات، إذ إنه من المتعارف عليه أن يُسمح لليهود بدخول باحة المسجد الأقصى بدون أن يُسمح لهم بالصلاة فيه، الاقتحام كان لابد وأن يقابل بالرفض من الشبان الفلسطينيين، وهنا تدخلت الشرطة الإسرائيلية مدَّعية بأن الشبان الفلسطينيين يرشقون عناصر الأمن بالحجارة. وتناسى بيان الشرطة السبب الرئيسي في القضية وهو مخالفة اليهود الأعراف ودخولهم الهمجي وأداء صلواتهم في مكان له قدسية خاصة عند المسلمين.
ولقد أصيب 21 فلسطينيناً في بداية الاشتباكات، كما أن هذه الاشتباكات طالت مناطق أخرى في البلدة القديمة بالقدس، حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيّل للدموع والقنابل الصوتية.
المرابطات والمرابطون من أبناء الشعب الفلسطيني اكتفوا بترديد (الله أكبر)، فيما قابلتهم الشرطة بالعنف والقنابل المسيّلة للدموع.
هل ما قام به اليهود المتطرفون تحت حماية الشرطة الإسرائيلية جاء عرضاً، ودون قصد؟ بالطبع لا.. لأن مخطط تهويد القدس وإخلائها من المسلمين موجود على أجندات كل الحكومات الإسرائيلية، كما أن التقسيم المكاني والزمني الذي تحاول إسرائيل فرضه ما هو إلا بداية لتحقيق التهويد وطرد الفلسطينيين من كافة أنحاء القدس.
ومن المتوقع أن تتفاقم عمليات اقتحام المسجد الأقصى يوم 24/9/2015، الذي يمثل (عيد الغفران) لدى اليهود، ومن المفارقات أنه يشكل عيد الأضحى عند المسلمين.
ولقد نفى بعض الكتاب العرب ارتباط أعمال الاقتحام هذه بأنها نابعة من (فكر توراتي) أو أن لها مرجعية تلمودية، لأن التوراة التي نزلت على سيدنا موسى، هي عهد الله القديم مع البشر، ولا يمكن أن يعاهد الله البشر على القمع والظلم والإرهاب. (الشرق - 17/9/2015).
فهل ستندلع أعمال عنف جديدة يوم العيد؟ أم أن الرصاص سوف يحكم الموقف وتنفذ إسرائيل ما تريد، كما قالت جولدا مائير عام 1969.
مجموعة كبيرة من الاتصالات حدثت بين الزعماء العرب في محاولة لبلورة موقف موجد يوقف الاعتداءات الصهيونية على المقدسات الإسلامية.
فقد دعا حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، إلى أهمية وحدة الصف العربي والإسلامي من أجل دعم وحماية حقوق الشعب الفلسطيني الشقيق.
كما دعا سموه، خلال اتصال مع الملك محمد السادس، ملك المغرب، إلى وضع حد للعدوان الإسرائيلي الغاشم على القدس وعلى الحرم القدسي الشريف ومواجهة المخططات الإسرائيلية التي تستهدف تقسيم الأقصى مكانياً وزمانياً. كما بحث سموه ذات الشأن مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث اتفق سمو الأمير والرئيس التركي على ضرورة تكثيف الجهود من أجل اتخاذ موقف موحد لدعم وحماية حقوق الشعب الفلسطيني الشقيق، وحث المجتمع الدولي على وضع حد للعدوان الإسرائيلي على المسجد الأقصى المبارك.
كما تلقى خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، عاهل المملكة العربية السعودية، اتصالاً هاتفياً من الملك عبد الله الثاني ملك المملكة الأردنية الهاشمية.
كما أجرى العاهل السعودي اتصالات مع رؤساء كل من: أمريكا، روسيا، فرنسا، بريطانيا، إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة الذي أعلن إدانته الشديدة للانتهاكات الخطيرة في المسجد الأقصى.
وقد عبّر خادم الحرمين الشريفين، خلال تلك الاتصالات، عن إدانته واستنكاره الشديدين للتصعيد الإسرائيلي الخطير في المسجد الأقصى، والاعتداء السافر على المصلين في باحته، وانتهاك حرمة المقدسات الإسلامية.
كما أعرب الأعضاء الـ(15) الدائمون في مجلس الأمن الدولي عن قلقهم العميق حيال تصاعد التوتر في القدس، ودعوا إلى ضبط النفس والامتناع عن القيام بأعمال أو إلقاء خطب استفزازية، والإبقاء على الوضع التاريخي القائم في المسجد الأقصى، قولاً وفعلاً.
من جانبه، وفي تحدٍّ واضح للإرادة الدولية، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) يوم الخميس الماضي، أن إسرائيل مصممة على فرض الالتزام الصارم بالوضع القائم في المسجد الأقصى، مشيراً إلى أنه لن يسمح بـ"التشويش" على زيارات اليهود للموقع، مؤكداً تمسكه بالحفاظ على الوضع القائم في "جبل الهيكل".
ولقد دعا المجلس الوطني الفلسطيني إلى اتخاذ إجراءات وقرارات لحماية المسجد الأقصى، رداً على الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية، بعد أن حولت القوات الإسرائيلية المسجد الأقصى إلى ثكنة عسكرية، واستدعت قوات الاحتياط لدعم العنف ضد الفلسطينيين وتأكيد واقع الحال، وفرض التقسيم المكاني والزماني، وقد لا يكون تحقيق ذلك بعيداً.
كانت جماعة (حماس) قد وصفت ما جرى في المسجد الأقصى بأنه إعلان حرب، وطالبت المجتمع الدولي بالتحرك قبل أن ينفجر الوضع بأكمله.
وحذر القيادي في حركة (حماس)، إسماعيل رضوان، الاحتلال الإسرائيلي من مغبة استمراره في الاعتداءات على المسجد الأقصى، وأشار إلى أن النيران وكتلة اللهب ستصيب الكيان الإسرائيلي في حال استمر عدوانه على المسجد الأقصى، وقال: "إننا نقف اليوم كمقاومة، وتهونُ أرواحنا ودماؤنا فداء للمسجد الأقصى".
جمعة غضب عمّت العالم الإسلامي، المنابر حفلت بالتنديدات والإدانات والآمال العريضة. ولكن هل فعلاً يعرف العرب والمسلمون إلى أين هم سائرون؟ وهل هذه أول مرة يتم فيها تدنيس المسجد الأقصى، ويتم تحويل دار السلام إلى دار حرب؟ مع كل التقدير لتنديدات مجلس الأمن والجامعة العربية بتلك الأعمال المخالفة للأعراف والمواثيق الدولية.
هل يحتاج العرب والمسلمون إلى رؤية جديدة في مواجهة استفزازات إسرائيل المتكررة، وإصرار الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على خلق وفرض واقع جديد لا يسمح للأشقاء الفلسطينيين بممارسة شعائرهم الدينية في الأماكن الإسلامية المقدسة؟ خصوصاً في المسجد الأقصى الذي له مكانة عالية لدى 620ر1 مليار مسلم في العالم يمثلون 23% من سكان المعمورة.
وهل هذا العدد الضخم لا يستطيع ردع تلك الاستفزازات، علماً بأن عدد اليهود في العالم لا يزيد على 13 مليوناً، منهم 3ر6 مليون فقط يعيشون داخل إسرائيل.
ألا يحتاج المسجد الأقصى إلى عاصفة حزم جديدة؟!، هل سؤال سوف يسأله الطفل العربي المسلم بعد 100 عام من الآن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2481
| 31 مايو 2026
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
2427
| 30 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1596
| 29 مايو 2026