رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين يتقدم الإخوان ويصبحون في صدارة المشهد السياسي فإن ذلك يعد انتصارا لهم لا ريب، لكنه يظل انتصارا أخطر من الهزيمة.
(1)
إلى ما قبل أيام قليلة، قبل أن يصدر الرئيس محمد مرسي قرارات إقالة وزير الدفاع ورئيس الأركان ويعفي بعض القادة من مناصبهم وينقل آخرين إلى مواقع أخرى، كانت أهم قوتين منظمتين وفاعلتين على الأرض، المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإخوان المسلمين. وبصدور القرارات سابقة الذكر انتهى الدور السياسي للمجلس العسكري، حيث يفترض أن يعود إلى سابق عهده معنيا بشؤون القوات المسلحة ولا شأن له بإدارة البلد وحراكه السياسي، ولا ينتظر له أن يعود إلى القيام بذلك الدور، في الأجل المنظور على الأقل.
هذه الخطوة كان لها وقع خاص في تركيا، لأن إخراج العسكر من المشهد السياسي هناك لم يتم إلا بعد صراع مرير استغرق أكثر من أربعين عاما، قام خلالها العسكر بثلاثة انقلابات هزت البلاد (الرابع كان ناعما ووصف بأنه نصف انقلاب). وفي حوار أخير مع بعض خبرائهم المعنيين بالأمر قلت إن المشهد المصري يختلف عن نظيره التركي في أمرين جوهريين، أولهما أن عسكر تركيا تصدروا المشهد السياسي عن جدارة واستحقاق. فهم الذين أنقذوا بلادهم من الانهيار بعد الهزيمة القاسية التي لحقت بها في الحرب العالمية الأولى، وانتهت باحتلال اسطنبول ذاتها. وهم الذين أسسوا الجمهورية، الأمر الذي سوغ لهم الادعاء بأنهم أصحاب فضل على البلد. أما في مصر فالوضع مختلف، لأن المجلس العسكري كان مشاركا في حراسة الثورة ولم يكن صانعا لها، ثم إن رصيده الشعبي تراجع بسبب سوء إدارته للمرحلة الانتقالية، فضلا عن أن قرارات إخراجه من المشهد السياسي جاءت في أعقاب حدث كشف عن تراخي دور القوات المسلحة وقصور أدائها. الأمر الثاني المهم أن عسكر تركيا نصبوا أنفسهم مدافعين عن العلمانية، أي أنهم كانت لهم رؤيتهم الأيديولوجية التي اعتبروها أساسا للجمهورية، في حين أن المجلس العسكري في مصر انطلق من موقف وطني في الأساس وليس موقفا أيديولوجيا، صحيح أن بعض أعضائه كانت لهم تحفظات رافضة للإخوان، لكن تلك كانت رؤى فردية، ولم تعبر عن موقف للمجلس الذي تباينت فيه الآراء بهذا الخصوص.
هناك فرقان آخران يمكن الإشارة إليهما في هذا السياق. الأول تمثل في اختلاف الظرف التاريخي الذي أحاط بالتجربتين، فأجواء ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي التي احتملت قيام العسكر بالدور السياسي مختلفة عن أجواء الألفية الثانية التي لم تعد ترحب بذلك الدور، حتى أصبح الحد من نفوذ العسكر في تركيا أحد شروط الاتحاد الأوروبي لتأهيلها لعضويته.
الفرق الثاني أن عسكر تركيا ظلوا لعدة عقود في قلب السياسة، بل كانوا صناعها في حقيقة الأمر، أما في مصر فإن الجيش ظل محترفا وخارج السياسة طول الوقت، ولأن دخوله فيها كان طارئا وعارضا، فإن إعادته إلى ثكناته كانت أمرا ميسورا، ولم يكن بحاجة إلى «جراحة» من أي نوع.
(2)
إذا قال قائل إنه من غير الإنصاف تجاهل القوى والجماعات السياسية الأخرى في مصر فلن أختلف معه. وألفت النظر هنا إلى أنني تحدثت عن المجلس العسكري والإخوان بوصفهما أهم قوتين منظمتين وفاعلتين على الأرض، وقصدت إطلاق ذلك الوصف حتى لا ألغى القوى الأخرى غير المنظمة أو غير الفاعلة، التي لا أعرف لها حصرا، وقيل لي إنها ناهزت العشرات. وإذا لاحظت أن نظام مبارك أصاب الحياة السياسية بالجدب والعقم. وأن الأحزاب التي تشكلت في عهده اندثرت وإما تحولت إلى كيانات لا حضور لها إلا في وسائل الإعلام، فسوف تعذر أحزاب ما بعد الثورة لأنها بدأت من الصفر. ولأنها في طور التشكيل ولم يتبلور مشروعها بعد، فإن التقييم الموضوعي للحالة السياسية يخرجها تلقائيا من عداد القوى الفاعلة والمنظمة. بالتالي فإن غاية ما يمكن أن توصف به أنها أحزاب محتملة، قد تتحول إلى قوى سياسية في المستقبل، لكنها في الوقت الراهن تخرج من ذلك التصنيف. علما بأن استيفاءها لعناصر القوة ضروري لعافية المجتمع ولإنجاح الديمقراطية. وهو ما يسوغ لي أن أقول إن انفراد الإخوان بصدارة المشهد السياسي لا يكفي وحده لإنجاح التجربة، لأنه يعني في أحسن فروضه أن النظام الجديد يمشي بساق واحدة، ولن تتوافر له الساق الثانية إلا إذا استقام عود الأحزاب السياسية الأخرى، وصار للإخوان من ينافسهم ويراقبهم ويتداول السلطة معهم ويقدم نفسه بديلا عنهم.
(3)
حين انفرد الإخوان بصدارة المشهد فإنهم أصبحوا في موقف لا يحسدون عليه، لأنهم يتعاملون مع وضع تحيط به الأزمات من كل صوب. ذلك فضلا عن الأزمات التي تعاني منها الجماعة من داخلها.
لن أقف طويلا عند أزمة الأوضاع العامة في مصر التي باتت عناوينها معلومة للجميع، لأن التحديات التي تواجه الجماعة من الداخل هي التي استدعت إلى ذهني فكرة النصر الذي قد يكون أخطر من الهزيمة، في مقدمة التحديات التي أعنيها ما يلى: < إنه من الناحية النظرية لا تخلو العملية من مغامرة. أن تظل الجماعة ــ أي جماعة ــ طول الوقت خارج منظومة جهاز الدولة، ثم تصبح فجأة ودون أية مقدمات في قلب المنظومة أو على رأسها.
< إن سنوات الحظر والإقصاء أفرزت قيادات مشغولة بالتنظيم والدفاع عن الذات، استجابة للظرف التاريخي المفروض، الأمر الذي جعل القدرة التنظيمية لدى الجماعة أقوى من قدرتها الفكرية والإبداعية. ولأن مرحلة الدفاع عن الذات والانتقال بالدعوة لابد أن تختلف عن مرحلة الانفتاح على الآخر والانشغال بالدولة، فإن ذلك يطرح سؤالا هو: هل العناصر التي قادت المرحلة الأولى يمكن أن تكون قادرة على مواجهة متطلبات المرحلة التالية؟ < أن الإخوان لم يختبروا في العمل من خلال أجهزة الدولة وأدواتها، وقد صوت الناس لصالحهم انطلاقا من حسن الظن ليس اعتمادا على حسن الأداء، واستنادا إلى الأقوال وليس الإنجازات والأفعال، والاختلاف كبير من هذه الزاوية بينهم وبين حزب العدالة والتنمية في تركيا مثلا، الذي كان أعضاؤه قد حققوا إنجازات كبيرة في البلديات قبل أن يخوضوا الانتخابات التشريعية ويفوزوا بأغلبية مقاعد البرلمان.
< أن مشروع الجماعة الذي تبناه الدكتور محمد مرسي وانتخب على أساسه يعاني ثغرات جوهرية، سبق أن نبهت إلى اثنتين منها هما: أنه افتقر إلى الحلول المبتكرة. وتبنى أفكارا إصلاحية مقتبسة من خبرات التجربة الغربية. ولم نجد فيها ما هو نابع من صميم الخصوصية والتربة المصرية، حتى قلت فيما كتبت أنه لم يكن ليختلف كثيرا إذا ما قدمه الرئيس السابق بعد تنظيف الطاولة، كما يقولون. الثغرة الثانية أن المشروع لم يول قضية العدالة الاجتماعية ما تستحقه من أهمية وأولوية. حتى خشيت أن يكون المستفيد منه هم الأثرياء والقادرون وليس الفقراء والمستضعفين.
(4)
لدي حيثيات أخرى تسلط الضوء على جوانب المسؤولية التي يتحملها الإخوان، وتدلل على أنها ليست أكبر منهم فقط، ولكنهم أيضا ليسوا على استعداد كاف لحملها والوفاء باستحقاقاتها. وهو ما يسوغ لي أن أقول بأن صدارتهم للمشهد السياسي سوف تكشف بالضرورة عن كل تلك الثغرات والعيوب. وفي هذه الحالة فإن الصدارة تصبح مصدرا للحرج وكاشفة لحقيقة القدرات وحدودها، والوقوع في ذلك الحرج وتعرضهم للانكشاف هو ما عنيته باستخدام وصف النصر الذي هو أخطر من الهزيمة. إذ يصبح عبئا على صاحبه وسحبا من رصيده وليس إضافة ترفع من رصيده وتعزز الثقة فيه.
أدري أن هناك من تمنى هذه النتيجة أو سعى لحدوثها، الأمر الذي يصنف ضمن أساليب الكيد السياسي. التي تُعنى بهزيمة الخصم بأكثر من عنايتها بمستقبل الوطن، وتقدم الأولى على الثانية لذلك فإن سؤال الساعة الذي ينبغي أن تُعنى الجماعة الوطنية بالإجابة عنه هو: كيف ينجح الوطن؟ وليس: كيف يفشل الإخوان؟
كنت من أوائل من تمنوا على الإخوان أن يكتفوا بدورهم في المجلس التشريعي، وأن يكون إسهامهم في السلطة التنفيذية محدودا في الظروف الراهنة، إلى أن يصبح المجتمع والطبقة السياسية على استعداد أكبر لاستقبالهم والتفاعل معهم، بعد أن يبددوا هواجس الناس ويطمئنوا الجميع. لكن الرياح أتت بما لم أشته ووقع الفأس في الرأس كما يقال، الأمر الذي أبقى على الهواجس ولم تفلح الجهود التي بذلت لتبديدها بسبب عمق أزمة الثقة خصوصا بين الإخوان وبين القوى السياسية الأخرى. وقد باتت تلك الأزمة إحدى العقد التي فشل الطرفان في حلها.
أدري أن الإخوان بذلوا جهدا في التقليل من تمثيلهم في مواقع السلطة التنفيذية. خصوصا في الحكومة، إلا أن تهمة أخونة النظام مازالت تلاحقهم، حتى تعالت في الآونة الأخيرة بعض الأصوات الداعية إلى إقصائهم مرة أخرى، وللأسف فإن من تلك الأصوات من حاول إثارة الأقباط وإقحامهم بصفتهم تلك في الصراع الدائر. ويتضاعف الأسف حين نعلم أن نفرا من غلاة الأقباط تورطوا في تلك الحملة.
لا يزال الأمل معقودا على عقلاء الجانبين لكي يتوافقوا على ضرورة إنجاح التجربة، لكني أزعم أن مسؤولية الإخوان تظل أكبر في السعي إلى ذلك التوافق، خصوصا بعدما أصبحوا وحدهم في الواجهة بعد طي صفحة المجلس العسكري، الأمر الذي حملهم مسؤولية مضاعفة. وإذا لم يقدموا من خلال حزب الحرية والعدالة مبادرات جادة في هذا الصدد، فإن ذلك سيعد برهانا على أن انتصارهم جاء مكلفا لهم كثيرا، حتى غدا أخطر من الهزيمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3441
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3246
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1047
| 04 أكتوبر 2026