رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأمة الإسلامية أمة عَبَّادة لله ودعوة إلى هذه العبادة وانشغال بتكاليفها في الغدو والآصال وتوكل على الله وارتقاب دائم لفضله ورضاه . و(ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ...) .
إن أنواع الكمال كثيرة ، وقد علمنا إنها لاتنشأ ارتجالاً ولكنها تتكون على مكث ،ومع عوامل متوافية ، فإذا كان اكتمال الإنسان يحتاج مثلاً إلى أخلاق الصدق في القول والعمل ، والنظام في الحركة والسكون فإنه لا يظهر جسداً وروحاً إلا بما تغرسه هذه الأخلاق في كيان الإنسان ، فلتربط هذه الأخلاق الصلوات الخمس المكتوبة على كل نفس ليلا ونهاراً .
وجه يغسله خمس عشرة مرة كل يوم لم لا يكون وضيئاً ؟إنسان يعرض قلبه على ربه ويقف بين يديه ( طرفي النهار وزلفاً من الليل ) لم لا يكون مخلصاً ؟ مجتمع تصطف فيه المناكب والأقدام ، كما تُصَف الملائكة ، وتطلب لهذه الصفوف مراراً خلال اليوم والليلة لم لا يكون منظماً؟ فإذا أردت الصلاة لله فلا يستطيع أن يحجبك عنه مخلوق صغر أم كبر .
أرأيت بلالاً العبد الضعيف الذي قاوم جبروت قريش حتى قال : " افعلوا في هذا الجسد ما شئتم أما قلبي فلا يمكنكم أن تحولوا بينه وبين معبوده- أحد ،أحد - والله لو وجدت كلمة هي أغيظ على قلوبكم منها لقلتها ."
فمن حق بلال ومن حقك أن تقف بباب سيدك الذي أوجدك ( من ماء مهين ) دون أن يحول بينك وبينه كبير أو صغير ، ومن حقك أن تسأله وتستغفره دون استصحاب صغير حقير أو كبير جليل فأنت تتصل بفاطر السموات والأرض .
بين الحين والحين يشق حجاب الصمت السائد في القرى، لو رأيت ذلك في ماليزيا أو أندونيسيا أو مجاهل إفريقيا أو تركيا ، إذا كنت سائراً في نزهة أو ساكناً في منتجع ريفي وإذا بمنادي التوحيد وكذا تسمعه يغالب دوي الضجيج في أنقره أو أسطنبول أو جاكرتا أو حتى الثكلى في بانكي في وسط أفريقيا .
صوت جهير رتيب واضح الكلمات حاد النبرات ، لا صوت ناقوس مبهم مجرد المعنى ولا صوت ناي راعي الغنم أو بقر ، إنه صوت فيه روحانية بلال وعبق التاريخ المشرف ، إنه هتاف يعيد إلى الأذهان والمشاعر الوعي إلى الغافلين بأزكى ما في الحياة من حقائق .
إنه يزيح الذهول ويقتحم أسوار المآرب الدنيوية التي حجبت وراءها كل معالم التاريخ العبق ، وقد سئل أحدهم لم تأتِ المسجد قبل الأذان ؟ قال الأذان للغافلين وإني لأرجو أن لا أكون من الغافلين.
إنه صوت المؤذن يقول لأهل الأرض جميعاً ( وما أرسلنك إلا كافة للناس ) – الله أكبر الله أكبر من كل شيء ويشهد إن الله كبير متعال . تستمع إليه من خلال حفيف الشجر وسكون الليل . إن الإسلام تضمن جملة من العبادات والفرائض من شأنها أن توقظ القلب الهاجع ، إن غلبته سنة عارضة منها : الدعوة التامة ( الأذان ) .
لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسهمُ الإسلام ثمانية وقد خاب من لا سهم له: الإيمان سهم ، والصلاة سهم ، والصيام سهم ، والزكاة سهم ، والحج سهم ،
والجهاد سهم ، والأمر بالمعرف سهم والنهي عن المنكر سهم ".
إن كثرة المعالم والمنارات التي بثها الإسلام في طريق المسلم ينبغي أن تمنعه من التوهان وأن يذهب مع مطارح أهل الزيغ عن الصراط ، وذلك ما صنعه المسلمون أخيراً وما ظهر جلياً في مسالك الأجيال المتأخرة .
ونحن نعلم أن الصلوات الموقوتة – ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ) .
ليلاً ونهاراً حقيق بها أن ترد المسلم إلى الله إذا أبعده الشيطان عنه وأن يوجه قلبه إليه إذا صرفته فتنة عارضة ( إن الذين اتقوا إذا أصابهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) نعم ، ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) فلنربط هذه الأخلاق بالصوم وما يوحي به من عفة وتماسك وانضباط .
نعم ، إن هناك من يصلي إلا إن صلاته لاتنهاه عن سوء أو فحشاء من القول والعمل ، إن قيمة المصلي الذي يقرأ وراء إمامه حرفاً خرج عن سمت الخشوع ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) .
والذي لا يقرأ القرآن وراء إمامه لم يفته إصابة الحق والكل على خير والأمر لا يستحق النزاع ، والمهم إن المصلي يجب أن تنهاه صلاته عن الموبقات فالذي لا يضبط لسانه ولا يضع ميزاناً لأقواله ولأعماله فقد خسر خسراناً مبيناً .
المهم أن نجعل هناك سياجاً نضبط به تصرفاتنا ونربط بين الصلاة والصيام وما يوحي به من عفة وتماسك وانضباط وأن نتعلم من الصوم الاقتصاد في الضروريات والمرفهات فإن الاقتصاد نصف المعيشة و( كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) كما كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتوصل العبد بربه وتجعله على اتصال دائم به ومع ذلك فهي لا تزيد على سبع عشرة ركعة في اليوم والليلة ولا يستغرق أداؤها أكثر من نصف ساعة في هذه الأوقات كلها ، والذين يفرطون في هذه الصلوات لا يستحقون من الخالق تقديراً ولا من المخلوق اعترافاً بالفضل ، فليس أولى بالاستهجان ممن ينصرف عن ربه وخالقه ورازقه ومسدي إليه الخير كله ويتشاغل عن أداء ما وجب عليه من حق .
" خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن لم يأتي بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة )ومن حافظ عليهن كن له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
هل غيرت الحرب وعي الشعوب الخليجية؟
وصل شهر رمضان لهذا العام الى نهايته والخليج يقف على تخوم لحظة سياسية حازمة، حيث تقاطعت روحانية الشهر... اقرأ المزيد
9
| 18 مارس 2026
قبل أسابيع وصلتني رسالة قصيرة من صديقة عربية لم تكتب الكثير، اكتفت بكلمتين «انا معك». كلمتان لكنهما كانتا... اقرأ المزيد
9
| 18 مارس 2026
قطر.. وطن الأمان الذي يجمع القلوب
بعد أكثر من أسبوعين على العدوان الإيراني الغاشم الذي استهدف دولتنا الحبيبة قطر، أثبتت الأيام أن هذا الوطن... اقرأ المزيد
9
| 18 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
2547
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1530
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1275
| 11 مارس 2026