رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يتحدث الغرب الآن وبتعال أن الحديث عن الهويات الثقافية والخصوصيات الذاتية أصبح كلاماً بالياً عفا عليه الزمن ، ولا يمكن الالتفات إليه كطرح يعتد به وأخذه في الحسبان ،أن من يرفض تطبيقات العولمة وعاداتها الاستهلاكية إنما يريد رفض بضائع المدنية الحديثة ووسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات التي دخلت البيوت ، ومجالات العمل والثقافة والحياة الاجتماعية ، ومن مظاهرها تداخل عناصرها وتياراتها وتفاعلها مع بعضها الآخر ،بحيث لم تعد التجارة والتكنولوجيا حرة وعالمية فحسب ، بل والإنتاج والاستهلاك ، وأصبح الحديث عن " الثقافة المصنعة " هدفا من أهدافها الجديدة . ولا شك أن العصر الراهن هو عصر الهيمنة والقوة الاقتصادية بلا منازع بما تمثله من انفتاح في التجارة والنشاطات الأخرى الهامة وغيرها من الجوانب ، أنه مجتمع المعلومات العولمي المتشابك ، وهذا بدوره سوف يجر إلى تغير اجتماعي ونفسي يسير بمعطيات مختلفة عما ألفناها من قبل المتمثلة في زيادة القدرات الوظيفية للأنساق الثقافية العالمية من خلال تطور تقنيات الاتصال الجديدة ، كالإنترنت والكمبيوتر والجوال وغيرها من الوسائل المعلوماتية الحديثة ، وهذه الوسائل سيكون لها الأثر في تشكيل الوعي لدى المتلقين وخاصة النشء الذين يتلقون هذه الوسائل بدون أن يدركوا أبعادها الفكرية أثرها الاختراقي على العقل والوجدان العربي .
وهذه التقنية أيضاً سوف تدخل كمتغير فاعل ومؤثر في عملية التنشئة الاجتماعية ، فمن خلالها لم يعد النشء يستبطن الثقافة المحلية ـ كما يقول الباحث عبد القادر عرابي ـ بل ستدخل في تشكيل ثقافات أخرى ، فلثقافة الوطنية ، ثقافة الدولة والمجتمع ، ستواجه الثقافة العالمية بحيث أننا نجد أنفسنا أمام ثقافتين وعالمين مختلفين أو عوالم ثقافية مختلفة ، لا تتفاعل مع بعضها البعض بل يسود بعضها البعض ، وسوف تتدخل المؤسسات الأجنبية ـ من خلال شروطها ـ في عالم حياتنـا ، وتحاول السيطرة عليه واستعماره أو على الأقل تشكيله ، وسيقود هذا التدخل إلى مشكلات وتحديات تربوية ونفسية تهدد عمليات التفاعل المفترضة بين الثقافات .
وإذا كانت الدولة الوطنية قد احتفظت بخصوصيتها الثقافية إلى حد ما ، فإن مجتمع المعلومات قد ضيق هذه الخصوصية والهوية الذاتية ، إذا لم يكن ينذر بالقضاء عليها ، فالدولة لم تعد في المستقبل هي المصدر الوحيد للمعلومات ، كما أنه من المتعذر عليها السيطرة على تدفق المعلومات الهائل وضبطها .
وإذا كانت التنشئة الاجتماعية عبرت في الغالب عن علاقة مباشرة بين شخصين أو أكثر ، فإن التنشئة اللاشخصية ـ كما يقول عرابي ـ تزداد من خلال تطور تقنيات الاتصال الجماهيري ، وتعتبر وسائل الاتصال العالمية وسيلة من وسائل التنشئة الاجتماعية الجديدة التي صارت تنافس الوسائل الأخرى كالأسرة وأولياء الأمور والمدرسة والبيت ، وغيرهم من وكلاء التنشئة الاجتماعية ، وقد تكون أحياناً أكثر أثراً منهم على الطفل ، إذا ما ازداد تعرض الطفل لها ، ومع أن الدراسات حول هذه الظاهرة ما تزال قليلة جداً في مجتمعنا العربي ، إلا أن أثرها واضح في بناء الشخصية وعالم الطفل ومفرداته اللغوية ، وتحصيله الدراسي وفعله الاتصالي وسلوكه الاجتماعي ، وآرائه وقناعاته ومواقفه وسلوكه الاستهلاكي ، فالساعات الطويلة التي يقضيها الطفل في مشاهدة تقنيات الاتصال العالمية تجعل منها مصدراً هاماً لإمداده بالمعلومات ولتكوين اتجاهاته ومعتقداته ، وقد تحوله إلى مجرد مستهلك سلبي ، الشيء الذي يقف حائلاً دون تطوير قدراته وطاقاته الإبداعية .
لقد كانت الدولة في الماضي ـ إلى حد ما ـ هي المصدر الوحيد للمعلومات ، أما الآن فإن تطور تقنيات الاتصال ستجعل الثقافة العالمية تنساب عبر الحدود ، الأمر الذي يجعل من المتعذر السيطرة على تدفق المعلومات الهائل ومراقبتها . أما التحديات التي تترتب على العولمة الثقافية بالنسبة للمجتمع فخطيرة جداً، ذلك أن المجتمع يعرف نفسه من خلال الثقافة والتاريخ ، وتكوين مرجعية ثقافية ، تشكل أساساً لشعور الجماعة والنسق القيمي . وهذا سيشكل تحدياً كبيراً من خلال الاختراق الثقافي وتعدد العوالم الثقافية ، وانسياب المعلومات في اتجاه واحد هي التي تضع الرأي العام وتؤثر في تشكل وعيه،لكن البعض يقلل من خطر العولمة ويعتبر هذا التدفق المعلوماتي ظاهرة إيجابية في معظم أنساقها الثقافية ، ويمثل جانباً هاماً من انفتاح الثقافات العالمية على بعضها البعض .
إن هذه المقولات التي تسوّق لثقافة العولمة ، وتبشر بمزاياها والتقليل مــن مخاطرهــا ، ليس مقنعاً في أغلب جوانبه بالنظر إلى الكثير من الآراء والأفكار التي يطرحها سماسرة العولمة نفسها . وللتدليل على ما نراه مخالفاً حول ما قيل آنفاً أن هناك أصواتاً في الغرب قوية ومؤثرة تتحدث عن مخاطر العولمة في جانبها الثقافي أيضاً .. ناهيك عن البعد الاقتصادي ومشاكله في أوروبا نفسها ، وما حدث في سياتل وفي غيرها من المدن الأوروبية منذ سنوات أكبر مثال على مدى الرفض والقلق من مخاطرها الكثيرة .
وأصدق مثال على ذلك أن فرنسا لا تزال إلى الآن تنتقد العولمة الثقافية والتي تسميها "الإمبريالية الثقافية الأمريكية " وتبذل جهوداً كبيرة للمحافظة على " الفرانكفونية " في فرنسا ، وفي بعض الدول الإفريقية ، ومما قاله وزير ثقافتها في أحد المؤتمرات الدولية مهاجماً الولايات المتحدة : أن تلك الدول علمتنا قدراً كبيراً من الحرية ، ودعت الشعوب إلى الثورة على الطغيان ، أصبحت لا تملك اليوم منهجاً أخلاقياً سوى الربح ، وتحاول أن تفرض ثقافة شاملة على العالم أجمع ، ومضى يقول : أن هذا هو شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية ، لا يحتل الأراضي ، بل يصادر الضمائر ومناهج التفكير وطرق العيش .
ومن أجل ذلك رفضت فرنسا ـ وهي إحدى الدول الكبرى الصناعية في العالم كما معروف ـ أن توقع على الجزء الخاص بالسلع والمواد الثقافية في اتفاقية الجات ، وهي تشمل : السينما والتلفاز والفيديو وما يشابهها ، وقد نجحت فرنسا في الحصول على تأييد 46 دولة فرانكفونية في محاولاتها الحصول على " استثناء ثقافي " يشمل تلك السلع والمواد ، وقد أدرج في الاتفاقيات الدولية الخاصة بحرية التجارة ( الجات ) .
فإذا كانت فرنسا بلد الحرية والنور والإشعاع الثقافي في الغرب ، ترفض ثقافة الولايات المتحدة وتعتبرها إمبريالية ثقافية . فماذا يجب أن يكون موقفنا نحن من هذا الاكتساح الثقافي والاقتصادي ، وغيرهما من الأبعاد الأخرى في هذا الإطار ؟ .
وإذا كانت العولمة الثقافية تعني هيمنة ثقافية واحدة بأفكارها وقيمها وسلوكياتها ، وإزاحة الثقافات والهويات الأخرى الذاتية ، فما جدوى الحديث عن تعددية الأفكار والثقافات الإنسانية ؟ وماذا بقي من شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان وهما من أسس الحرية الثقافية والفكرية في ظل هذا التحول المعادي للتعددية الثقافية ؟ وإذا كان البعض يردد مقولات تقلل من محاذير ومخاطر العولمة الثقافية ، والحديث عن التبادل والتفاعل الثقافي بين الثقافات ، من خلال تقنيات الاتصال وغيرها من الوسائل الحديثة ، فإننا نعتقد أن هذه الآراء تفقد مصداقيتها كما قلنا بالتدريج ، ذلك أن التبادل الثقافي بين ثقافات غير المتكافئة محسوم سلفاً ، وعدم التكافؤ يلغي عملية التفاعل والتبادل المفترض بين ثقافات الشعوب ، وأن عدم الاعتراف بالتعددية الثقافية في إطار العولمة ربما يمهد الطريق إلى حضارات وثقافات مغلقة ، والانغلاق ربما يجر إلى انقسام الحضارات ، وهذا الانقسام سيعزز للأسف نظرية هنتنجتون في " صدام الحضارات " التي تدعي أن فكرة التصادم والانقسام في المستقبل لن يكون أساسها الأيديولوجيا ، بل الثقافات والهويات عند خطوط التماس بين هذه الحضارات!! لكننا نعتقد أن هذا ليس صحيحا، لأنه ضد واقع التعايش والتفاهم والتواصل، الذي هو أصل الحضارات الإنسانية، منذ ظهورها بداية التاريخ .
فهل تعي الإنسانية هذه المشكلات المقبلة ؟ ومن ثم العمل معاً على سيادة الاعتراف بالآخر المختلف ، واحترام ثقافته وهويته في ظل التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان ؟.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4923
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9411
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026