رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. علاء الدين آل رشي

* مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان في ألمانيا

مساحة إعلانية

مقالات

105

د. علاء الدين آل رشي

الدوحة حين ترفع راية الكلمة

21 مايو 2026 , 11:38م

حيا الله، دوحة الخير، وهي تجعل من معرض الكتاب موسمًا للمعرفة، وعرسًا للوعي، وجسرًا بين الأجيال وحيا الله كل قارئ يدخل المعرض باحثًا عن كتاب، فيخرج حاملًا فكرة، أو سؤالًا، أو ضوءًا صغيرًا يكفي ليبدد شيئًا من عتمة هذا العالم.

على الرغم من الغواشي التي تثقل القلب ورغم ما تتناقله وسائل الإعلام ومنصات التواصل من أخبار النار والقلق والاضطراب، ورغم ما تكتبه الأقلام وتردده المنابر وتوثقه التقارير عن منطقة تمضي بين اشتعال وتمدد، تختار الدوحة أن تشرع في فتح نافذة أخرى على الحياة، وأن تقول بطريقتها الهادئة الواثقة:

إن للكلمة قدرة على بناء ما تهدمه الفوضى، وإن للثقافة جيشًا غير منظور يصنع الوعي، ويحصّن الإنسان، ويرفع المجتمعات من هامش الخوف إلى أفق السكينة.

في هذه اللحظة التي تتزاحم فيها العناوين القاسية على شريط الأخبار، يبزغ معرض الدوحة للكتاب في حلته الجديدة، (النسخة الخامسة والثلاثون) حاملاً رسالة أعمق من ترتيب الأجنحة واستقبال الناشرين وعرض العناوين.

تابعت تصريحات السيد جاسم أحمد البوعينين، مدير إدارة المكتبات بوزارة الثقافة ومدير معرض الدوحة الدولي والتي كانت بمنزلة إعلان حضاري بأن الحرف ما زال قادرًا على البناء، وأن الكتاب ما زال بيتًا واسعًا يدخل منه الناس إلى السكينة، وأن الفكر حين يجد رعاية الدولة واهتمام المجتمع يتحول إلى قوة ناعمة تحفظ الذاكرة، وتصنع الذوق، وتبني الإنسان.

تستقبل الدوحة آلاف الناشرين والقراء والعناوين، (مشاركة أكثر من 36 دولة في المعرض، وما يزيد على 515 دار نشر وجهة، سيتم توزيعها على 910 أجنحة).

وتكتب الدوحة في سجلها الثقافي صفحة جديدة تؤكد أن الثقافة السبيل الوحيد في زحمة الأحداث الجارية، وأن الوعي طريق من طرق حماية الأوطان.

فالأمم التي تحسن قراءة ذاتها وتاريخها ومآلاتها تملك قدرة أكبر على النجاة من العواصف. وكل طريق يبدأ بفكرة، وكل نهضة تبدأ بسؤال، وكل حضارة تفتتح سيرتها الأولى بكلمة.

ولعل أبلغ ما يمنحه معرض الكتاب للناس أنه يعيد الاعتبار إلى معنى “اقرأ”.

هذه الصيحة الملائكية التي افتتح بها الوحي مسارًا عظيمًا في تاريخ الإنسان، تحضر اليوم في الدوحة بوصفها نداءً متجددًا للعقل والروح معًا.

اقرأ كي تعرف، واقرأ كي تميز، واقرأ كي تنجو من الجهل، واقرأ كي تملك حقك في الفهم قبل أن تساق خلف السراب.

المعرفة في جوهرها وعي ونماء وازدياد.

وهي حين تتحول إلى عادة اجتماعية تصبح جزءًا من صحة المجتمع. فالكتاب يهذب السؤال، والسؤال يفتح باب التفكير، والتفكير يصنع إنسانًا أقدر على الاختيار، وأشد وعيًا بكرامته ودوره وموقعه في العالم.

تأتي قيمة معرض الدوحة للكتاب في كونه موسما للقاء بين الكاتب والقارئ، وبين الناشر والباحث، وبين الطفل والخيال، وبين الأسرة والذاكرة، وبين المجتمع ومستقبله.

وفي كل جناح حكاية، وفي كل عنوان احتمال، وفي كل صفحة طريق صغير نحو إنسان أكثر اتزانًا وبصيرة.

الدوحة، وهي تفتح أبوابها للكتاب، تؤكد أن الحضارة تبدأ من الكلمة، وأن المدن الكبرى تقاس بما تمنحه للعقل من نور، وبما تزرعه في أبنائها من حب للمعرفة. فالعمارة تبني المكان، أما الثقافة فتبني الإنسان الذي يحفظ المكان ويمنحه معناه.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الشاشات السريعة، ويضيق فيه الصبر على القراءة، يأتي معرض الدوحة للكتاب ليعيد للكتاب هيبته، وللقارئ مقامه، وللناشر رسالته، وللثقافة حضورها في قلب الحياة العامة. وهنا تكمن قوة الدوحة: قوة تعرف أن الوعي استثمار طويل، وأن بناء الإنسان أعظم مشاريع الدولة، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تصنع بداية جديدة.

ومن خلال زياراتي المتتابعة للمعرض على امتداد أكثر من عشرين سنة، لاحظت حضور المرأة حضورًا لافتًا، واعيًا، ومؤثرًا، في أروقة الكتاب، وبين دور النشر، وفي ساحات القراءة والاختيار والمحاضرات.

كان هذا الحضور يردّ، بلغة الواقع الهادئ، على الصورة القديمة التي جعلت المرأة في خصومة مع الكتاب، أو غيرة من القراءة، كما قال الشاعر:

تَغارُ من الكتابِ إذا رأتْـنِي

أُطالعُهُ وأَتركُ وَجْـنتَيْها

تَضِنُّ بِفكرتي فيما عَداها

وتُنكرُ نَظرتي إلاّ إليها

وتَـنفرُ مِن مقالٍ ليس فيها

ولو شملَ الحياةَ ومُلْحَقَـيْها

وتَحسبُ هيكلي ومحيطَ نفسي

بَقِـيّةَ إرْثِها من والديها

وقد ظفر الكتابُ بِبعضِ هذا

لذلك كان إحدى ضَرّتَـيْها

فـنظمُ أبي العَلاءِ أحبُ منه

حديثٌ عن نِظامِ ذُؤابَـتَيْها

ونَـثْرُ ابنِ المُـقَفَّعِ لا يُوازِي

نِثارَ الوردِ من إحدى يديها

غير أن معرض الدوحة يقول لنا عامًا بعد عام إن المرأة لم تكن في حقيقتها كذلك.

فهي قارئة، وباحثة، وناشرة، وكاتبة، ومربية ذوق، وصانعة وعي، وحاضنة للأسرة حين تريد أن تدخل أبناءها إلى عالم المعرفة من الباب الجميل.

لقد رأيت في المعرض نساءً يلقين محاضرات ويبحثن عن كتب الفكر والتاريخ والرواية والتربية، وأمهاتٍ يصحبن أطفالهن إلى أجنحة كتب الصغار، وطالباتٍ يسألن عن عناوين بعينها، وقارئاتٍ يعرفن ما يردن بدقة.

معرض الدوحة، مرآة لتحول اجتماعي وثقافي عميق؛ فيه تتقدم المرأة بوصفها شريكة في صناعة الوعي، لا زينة في هامشه، وفيه تستعيد الأسرة علاقتها بالقراءة، ويستعيد المجتمع ثقته بأن نهضة الإنسان تبدأ من كتاب يُفتح، وسؤال يُطرح، وعقل يرفض أن يعيش أسير سطوة الإعلام المرئي.

اقرأ المزيد

alsharq الفجوة بين التخطيط والتنفيذ

لم تعد التحديات التي تواجه الحكومات الحديثة مرتبطة فقط بقدرتها على وضع الخطط والاستراتيجيات، بل أصبحت ترتبط بصورة... اقرأ المزيد

30

| 24 مايو 2026

alsharq ضمير المنفى.. حين يصبح المثقف موقفًا أخلاقيًا

في وقتنا المعاصر، لم تعد الثقافة مجرد مساحة للقراءة أو الترف الفكري، بل أصبحت محاولة مستمرة لفهم الإنسان... اقرأ المزيد

42

| 24 مايو 2026

alsharq الموسوعة الإعلامية تنقذنا من هيمنة المفردة الغربية

في عصر تنتقل فيه المفردات من لغة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى ثقافة، ويتشارك فيه العالم المعاني ويتنافس... اقرأ المزيد

45

| 24 مايو 2026

مساحة إعلانية