رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انعقدت القمة العربية الـ 33 في المنامة عاصمة مملكة البحرين في ظروف بالغة الخطورة على العرب جميعا إما يكونون أو لا يكونون، وشارك فيها معظم القادة العرب وغاب عنها عدد منهم وقد أنابوا عنهم أقرب المسؤولين إليهم وهذا التغيب هو عادة ليست حميدة خاصة في ظروف في غاية الخطورة تحيط بالوطن العربي وبقياداته ومستقبله.
(2)
تابعت كغيري من الذين يحملون هموم وآلام أمتهم العربية وقائع قمة البحرين العربية ورحت أنصت بكل حواسي لكلمات قادتنا الميامين وضيوف القمة والحق أنها كلمات معبرة بصياغات ممتازة تلامس هموم أمتنا. ظننت أن قادة الدول التي لها علاقات مع الكيان الإسرائيلي سيسجلون أسماءهم بأحرف من ذهب في التاريخ العربي ويعلنون قطع العلاقة السياسية بالكيان وسحب سفرائهم من تل أبيب وطرد السفارات الإسرائيلية من العواصم العربية.
ولكن خاب ظني واقشعر بدني عندما سمعت الدعوة إلى مؤتمر دولي خاص للسلام وكأن إسرائيل تبحث عن سلام، عندها أيقنت أن بعض ولاة الأمر فينا لا يعرفون التاريخ وعبره ويا للهول من عبر التاريخ !!
وسمعت كلمات محشوة بوعود بلا وفاء ولا احترام لعقلية الأمة العربية، كانت كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد أبوالغيط في أدنى مستوى سياسي وكنا نتوقع أن يكون خطابه في مستوى حال الأمة الراهن وخطابات من سبقوه من إخوانه المصريين الذين دائما لهم منصب الأمين العام للجامعة العربية، بحق أو بدون حق، لكنه كان خطابا مخيبا للآمال، إنه بلا مضمون، إنه خطاب إنشائي محشو بعبارات سياسية لا رابط بينها إضافة إلى أخطاء في اللغة العربية جاوزت نصف مليون غلطة لغوية. والحق أن خطاب الأمين العام للأمم المتحدة السيد غوتيريش البرتغالي الحسب والنسب والذي في مقدمة كلمته عبر عن اعتزازه بمآثر العرب في الأندلس العربية والتي كانت البرتغال أحد اقاليمها أو محافظاتها كان أبلغ وأفصح وأقوى حجة وقولا وهو يتحدث عن فلسطين ومأساة الشعب الفلسطيني وتعنت القيادات الصهيونية في تل أبيب ويدعو العرب إلى الوحدة.
(3)
محمود عباس، كنا نتوقع أنه عاد إلى الرشد بعد ما رأى الحراك العالمي لصالح فلسطين وسماعه خطاب أمين عام الأمم المتحدة غوتيريش البرتغالي الجنسية وخطاب رئيس المفوضية الأفريقية السيد موسى فقي محمد الذي كان من أبلغ المتحدثين في القمة العربية عن حال الشعب الفلسطيني ومآسيه وراح يشيد بمواقف قطر من القضية الفلسطينية أثناء الحرب على غزة وما قبلها.
لقد ظهر محمود عباس في صورة متلفزة نائما يتمايل رأسه من شدة النعاس ويقيني بأنه لم يستمع إلى أي خطاب في تلك الجلسة وعندما فاق من غفوته راح يكيل عبارات اللوم والإدانة مباشرة وغير مباشرة لصمود المقاومة الوطنية الفلسطينية التي صمدت ثمانية أشهر في وجه أعتى وأقوى جيش بعد جيش الولايات المتحدة الأمريكية والمجهز بأحدث الأسلحة والأشد فتكا بأهلنا في فلسطين، راح عباس ينحي باللائمة على الحكام العرب بأنهم لم يساندوا سلطته بالمال في الوقت نفسه كانت إسرائيل تعبث بالضفة الغربية أرضا ومواطنين، بل ذهب بعض جنده «تربية دايتون» إلى قتل رجال المقاومة في الضفة الغربية لأنهم يتصدون لجحافل جيش العدو الإسرائيلي وقطعان المستوطنات الذين يفتكون بأهلنا في مملكة محمود عباس «الضفة الغربية». والسؤال الذي يجب طرحه لماذا على القادة العرب تقديم دعم مالي للسلطة العباسية التي تحمي إسرائيل من انتفاضة الشعب الفلسطيني، إسرائيل هي المفروض عليها أن تقدم له دعما ماليا لأن 70 ألف مسلح من قوات عباس تحمي قطعان المستوطنات وحماية اقتحامات جيش العدو الصهيوني لمخيمات ومدن الضفة الغربية من غضب وثورة أهلنا في الضفة والقدس. وعلينا مطالبة حكامنا الميامين بعدم تقديم أي دعم مالي أو معنوي لهذه السلطة الوهمية.
(4)
لقد غاب الكثير من المواقف في خطابات الزعماء العرب الذين تحدثوا أمام قمة البحرين كالإشادة بموقف حكومة جنوب أفريقيا وما قامت به ومرافعاتها أمام محكمة العدل الدولية ضد العدوان الصهيو ـ أمريكي على قطاع غزة ووصمهم بعصابة مسلحة ترتكب جرائم إبادة جماعية ضد أهلنا في غزة تحت سمع وبصر العالم، حتى زعيم سلطة رام الله ولم يشر إلى ذلك الجهد الأفريقي العظيم، لم يشر في خطب قادتنا الميامين إلى المواقف المشرفة لبعض دول أمريكا اللاتينية الذين سحبوا سفراءهم من تل أبيب وقطعوا علاقاتهم بذلك الكيان العنصري التوسعي الاستيطاني احتجاجا على العدوان على غزة، محمود عباس لم يشر ولو بكلمة واحدة تعبر عن الشكر والتقدير للشعوب التي ما برحت تغص بها شوارع عواصم العالم الحر وحراك طلاب جامعات أمريكا وأوروبا وبعض دول آسيا وأفريقيا لمناصرتهم للحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وإدانتهم للعدوان على أهلنا في غزة ومطالبتهم المجتمع الدولي بالضغط على الكيان الإسرائيلي لوقف الحرب والانسحاب من غزة. هؤلاء الطلاب هم قادة المستقبل في دولهم، أفلا يتوجب على السلطة الفلسطينية الإشادة بهم وجهودهم والتضحيات التي يقدمونها دفاعا عن الشعب الفلسطيني الشجاع.
آخر القول: صدر بيان ختامي عن قمة البحرين جيد الصياغة لكن مع الأسف الشديد بيان حبر على ورق، إنه كرعود صيف لا تسقط المطر.
بين جودة التدريب وجودة التقييم... أين تكمن الفجوة؟
يشهد قطاع التدريب تطورًا متسارعًا، وأصبحت المؤسسات أكثر حرصًا على إعداد مدربين يمتلكون الكفاءة والقدرة على إحداث أثر... اقرأ المزيد
42
| 07 يوليو 2026
البروتوكول الدبلوماسي لغة الدول في أوقات الأزمات
ليست كل زيارة رسمية تحمل رسالة سياسية جديدة، وليست كل مصافحة تعني توافقاً، كما أن تقديم واجب العزاء... اقرأ المزيد
36
| 07 يوليو 2026
السماحة.. مطلع الاتساع !
لعل من أبهى شيم النضج، وأنبل أمارات الرشاد، أن ترتاد النفس آفاق السماحة عقلاً وشعوراً وسلوكاً، فإذا بالقلب... اقرأ المزيد
54
| 07 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3558
| 04 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3531
| 01 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1515
| 02 يوليو 2026