رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه قصة عميقة الدلالة رواها أحد شهودها. في عام ١٩٩٠ تم اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب آنذاك، وتم اعتقال عشرات من عناصر الجماعة الإسلامية جراء ذلك، وكان من بينهم أحد القياديين، هو صفوت عبد الغني (رئيس المكتب السياسي لحزب البناء والتنمية لاحقا).
وقد طلب صاحبنا هذا أن يكون محاميه الأستاذ أحمد نبيل الهلالي القيادي اليساري المعروف، ولأن الهلالي كان في ذلك الوقت السكرتير العام لحزب الشعب الاشتراكي، فقد أثير الموضوع داخل قيادة الحزب الذي يفترض أنه في خصومة سياسية وفكرية مع مشروع الجماعة الإسلامية.
وبسبب هذين العاملين (موقفه وموقف حزبه) تبنى البعض الدعوة إلى رفض طلب صفوت، كي لا يعد دفاع الهلالي عنه بمثابة رسالة سياسية معبرة عن التضامن مع الجماعة الإسلامية، الأمر الذي يضر بالحزب ويسيء إليه، إلا أن الأستاذ الهلالي الذي كان مقتنعا ببراءة المتهمين، انحاز إلى قبول المهمة، وكان رأيه ورأي من أيده أنه لا يدافع عن الجماعة الإسلامية ولكنه يدافع عن القانون، وأن أحد أسباب خصومة الحزب للجهاديين الإسلاميين أنهم باستخدامهم العنف يعتدون على حق الناس في الحياة وفي حرية العقيدة والرأي. وإذا كان موقفهم ذاك يعد انتهاكا للقانون الذي يدافعون عنه، فإن هذا الفريق رأى أيضا أن الدولة من جانبها لا ينبغي أن تلجأ إلى التنكيل بالمتهمين وتعذيبهم بحجة الحرب على الإرهاب، لأنها في هذه الحالة تعتدي أيضا على القانون، وذلك ينبغي أن يكون مرفوضا بدوره ولا يقبل السكوت عليه.
رجحت كفة أصحاب الرأي الأخير، وقدم الأستاذ الهلالي مرافعته، فحكم على المتهمين بالإعدام، وحين عرضت القضية على محكمة النقض، فإنها برأت معظمهم، وحكمت بالسجن على آخرين ـ كان من بينهم صفوت عبد الغني ـ حيث أدينوا في اتهامات أخرى لا علاقة لها بقتل الدكتور المحجوب، منها حيازة سلاح غير مرخص والتزوير في أوراق رسمية وغير ذلك. وكان صفوت عبد الغني واحدا من الآخرين، حيث حكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات.
راوي القصة هو الأستاذ عماد عطية، أحد رفاق الأستاذ الهلالي وزميله في حزب الشعب الاشتراكي، وقد أوردها على الفيسبوك هذا الأسبوع، وذكر في ختامها أن الهلالي تعرض للتجريح والاتهام من عدد غير قليل من اليساريين أو المحسوبين عليهم، حتى أن أحدهم وصفه آنذاك بأنه «محامي الإرهاب».
وقال في هذا الصدد إن صاحب ذلك الرأي لا يزال حتى الآن يصرخ متبنيا نفس الموقف واللغة.
أهمية القصة تكمن في أنها تسلط الضوء على إشكالية العلاقة بين الموقف السياسي والفكري من ناحية والموقف الإنساني والأخلاقي من ناحية ثانية. وهي المسألة التي كانت محسومة لدى الأستاذ نبيل الهلالي، الذي يصنف ضمن الشرفاء والنبلاء بين اليساريين، في حين أنها كانت ولا تزال محاطة بضباب كثيف لدى كثيرين من اليساريين وغير اليساريين، إذ كان الموقف الفكري للهلالي منتقدا ومخاصما لمشروع الجماعة الإسلامية، وفي مرافعته فإنه لم يدافع عن المشروع، ولكنه اختار أن يدافع عن مظلومية موكله ويقاوم العدوان على القانون بالتعذيب الذي مورس معه ومع أقرانه لانتزاع الاعتراف منهم، بما يعني أنه انطلق من موقف أخلاقي وإنساني وانحاز إلى القيمة بأكثر من انحيازه للحسابات السياسية والفكرية.
هذا التميز الواضح بين الهوى السياسي والقيم الإنسانية والأخلاقية هو بين أكثر ما نفتقده في مصر في الوقت الراهن، ذلك أنه لا مفر من الاعتراف بأن أجواء الاستقطاب الراهنة والتعبئة الإعلامية المكثفة أزالت الحاجز بين الاثنين، إذ أصبحت القاعدة تتمثل في تغليب الهوى السياسي، الأمر الذي أدى إلى تسويغ إهدار ما هو أخلاقي وإنساني.
أستثني من ذلك عددا من النشطاء الحقوقيين وقلة من المثقفين الشرفاء ـ النساء والرجال ـ الذين ظلوا قابضين على الجمر ومدافعين عن الموقف الإنساني طوال الوقت، رغم انتقادهم واعتراضهم على الموقف الفكري والمشروع السياسي. وقد دفع هؤلاء أثمانا مختلفة جراء ذلك، كان أقلها التجريح والاتهام بموالاة الإرهاب، وهي ذات التهمة التي وجهت إلى نبيل الهلالي قبل ربع قرن حين وصف ـ وهو الماركسي العتيد ـ بأنه محامي إرهاب الجماعة الإسلامية.
المشكلة الآن صارت أعقد وأعمق، ذلك أن الأعداد الغفيرة التي انخرطت في السياسة بعد ثورة ٢٠١١ بغير سابق ممارسة أو خبرة تشكل إدراكها بواسطة إعلام الثورة المضادة، بحيث تربت على شيطنة الآخر وضرورة إقصائه وإبادته. وهي في ذلك لم تميز بين ما هو سياسي وما هو إنساني. وكانت النتيجة أن قطاعات عريضة من الجماهير التي شحنت بمشاعر الكراهية أصبحت تصفق لمذبحة وتهلل لاحتراق عشرات في سيارة الترحيلات، وتعتبر التعذيب عقابا مقبولا وترى في إعدام المئات قصاصا عادلا، إلى غير ذلك من المشاعر الملوثة والصادمة التي غدت دليلا كاشفا للمدى الذي بلغه تشوه الوعي وفساده. وهو ما دعاني إلى القول بأن أجواء الاحتقان والاستقطاب لم تستخرج من الناس أسوأ ما فيهم فحسب، وإنما أدت أيضا إلى تراجع وتآكل المشاعر الإنسانية في بعض الأوساط.
ثمة غلط في بوصلة الخطاب السياسي والإعلامي، يجعلنا أحوج ما نكون إلى رد الاعتبار للتفرقة الواجبة بين الهوى السياسي والقيم الإنسانية والأخلاقية، بحيث لا يسمح بانتهاك القيم الأخيرة تحت أي مسوغ. وهي بديهية حسمت واستقرت في العالم المتحضر الذي أرجو أن نلتحق به يوما ما.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026