رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نحن بإزاء قضيتين وليس قضية واحدة، قضية اختطاف سبعة من الجنود المصريين في سيناء، وقضية اختطاف سيناء ذاتها من مصر. وحين نركز على الأولى دون الثانية فإننا بذلك نوجه اهتمامنا بالعرض وننصرف عن بيت الداء وأصل المرض.
(1)
خلال العامين الأخيرين بوجه أخص حفلت سيناء بالحوادث التي بدا الاحتكام إلى السلاح فيها واضحا، كما ظهرت في الأفق مؤشرات الاشتباك مع السلطة وتحديها، ولا أعني أن سيناء كانت ساكنة قبل ذلك، ولكن أعني أن منسوب العنف وتحدي السلطة ارتفع بصورة أوضح بعد الثورة. إذ أزعم أن رياح التمرد ظلت تهب على سيناء طول الوقت بسبب السياسة الأمنية التي حكمت البلاد طوال العقود الأخيرة، والتي تعاملت مع أهالي سيناء باعتبارهم مشتبها بهم. إذ حين وقعت بعض التفجيرات في المناطق السياحية (شرم الشيخ مثلا) فإن مدرسة «التمشيط» في الجهاز الأمني ساقت المئات من أبناء سيناء الأبرياء إلى السجون والمعتقلات، علها تجد الفاعلين بينهم. وهناك عاملتهم بصورة مهينة ووحشية لاستنطاقهم. متجاهلة أن هؤلاء ينتمون إلى قبائل وعشائر لا سلطان للدولة عليهم، الأمر الذي كان له دوره الرئيسي في تنامي مشاعر النقمة على السلطة واختزان مشاعر الثأر والانتقام منها.
كان العم أمين هويدي وزير الحربية ورئيس المخابرات الأسبق يحتفظ بعلاقات طيبة مع عدد من شيوخ القبائل في سيناء، منذ كان ضابطا في سلاح الحدود. وظلت تلك العلاقات مستمرة معه إلى ما قبل وفاته، رحمه الله، في عام 2009، وكانت له وجهة نظر في التعامل مع سيناء، خلاصتها أنه منذ دخلت الشرطة على الخط وتحولت سيناء إلى حالة أمنية تولاها جهاز أمن الدولة (سابقا)، فسدت علاقة السلطة بالمجتمع السيناوي، حيث رأى الجميع هناك وجها فظا وغليظا للدولة المصرية لم يألفوه، فنفروا منه واشتبكوا معه بطريقتهم، وكان رأيه أن الجيش في سيناء كان حارسا للحدود وودودا مع الناس، أما الشرطة فقد تعاملت معهم باعتبارهم متهمين واستخدمت معهم أساليب القمع. وكانت النتيجة ــ حسب تعبيره ــ أن تراجعت سلطة الدولة التي أصبحت جهازا قمعيا، وتنامت سلطة القبيلة التي أصبحت هي الحامية لأبنائها.
خلال السنتين الأخيرتين حفل سجل الاشتباك والتمرد بحوادث عدة، توالت على النحو التالي: تم قتل 16 ضابطا وجنديا في رفح ــ هوجم معسكر القوات الدولية لحفظ السلام ــ ثم هجوم آخر على حي الزهور بالشيخ زويد ــ هوجم كمين للجيش في منطقة العوجة أدى إلى إصابة سبعة من الجرحى ــ هوجم مصنع للأسمنت تابع للقوات المسلحة في وسط سيناء ــ استشهد ضابط شرطة وأصيب أحد الجنود في هجوم على قسم شرطة نخل ــ تعرض كمين للجيش للهجوم في مطار العريش ــ وأخيرا تم اختطاف الجنود السبعة بالقرب من العريش.
(2)
طوال العقود الأربعة الأخيرة على الأقل التي أصبحت سيناء فيها مجرد حالة أمنية، ظلت تضاريسها الاجتماعية مجهولة لدى السلطة، علما بأن بعض تضاريسها الجغرافية أيضا غير معلومة إلا لأبناء سيناء الذين يحفظون دروبها وهضابها ومخابئها. وبسبب غياب السلطة فإن المعلومات ظلت شحيحة عن حقيقة ما يجري فيها. آية ذلك مثلا أن أنبوب الغاز الموصل لإسرائيل تم تفجيره 14 مرة دون أن تعرف بالضبط الأطراف الفاعلة في تلك العمليات. وكان طبيعيا أن تنمو هناك بؤر التهريب والإجرام، إضافة إلى الجماعات التي توصف بأنها سلفية أو جهادية. وفي حدود علمي فإن الأجهزة المعنية في القاهرة كانت تدرك ذلك إلا أنها لم تكن تعرف شيئا عن الأحجام والأوزان، فضلا عن الأماكن. وقيل لي مثلا إن هناك 16 بؤرة جهادية لكن أحجامها وأماكنها لم تكن معلومة على وجه الدقة.
بسبب الغموض الذي أحاط بمجمل الأوضاع والخرائط الاجتماعية في سيناء فإن عددا غير قليل من المحللين والسياسيين فضلا عن وسائل الإعلام كانوا يستسهلون الربط بين سيناء وقطاع غزة في خلط بين الجغرافيا والسياسة، حيث ظل الغمز دائما في علاقة حماس بما يجري هناك. لذلك فإن ما يجري في سيناء كان يرد عليه بإغلاق معبر رفح وتشديد حملة تدمير الأنفاق. وهو ما حدث هذه المرة، وتكرر في أغلب المرات السابقة. بل إن بعض التصريحات الرسمية كانت تسارع إلى اتهام حماس بالضلوع في أي حادث يقع في سيناء. كما حدث عقب قتل الـ16 ضابطا وجنديا في العام الماضي. وقد تم اتخاذ الإجراء ذاته بعد خطف الجنود السبعة، إذ أغلق المعبر بقرار إداري، فضلا عن أن مجموعة من جنود الأمن المركزي توجهوا إلى المعبر لإحكام إغلاقه، ورفعوا شعارات معادية لحماس. بالتالي فقد كتب على قطاع غزة وحماس أن يدفعا ثمن الجوار وتدهور الأوضاع في سيناء، ولولا أن كل القرائن دلت على أن حادث الاختطاف الأخير كان شأنا سيناويا خالصا، حتى باعتراف الخاطفين أنفسهم، لما استبعد المحللون والمنابر الإعلامية دور حماس والفلسطينيين في الحادث. وهو ما سجلته تصريحات المتحدث العسكري المصري في 17/5 التي قال فيها إنه لا علاقة لحماس أو غزة بالموضوع.
(3)
لا نستطيع أن نفصل الحاصل في سيناء عن مجمل الأجواء المخيمة على مصر. إذ كما أن السياسة الأمنية التي عاشت في ظلها البلاد ألقت بظلالها على علاقة السلطة بالمجتمع في سيناء. فإن حالة الانفلات التي شهدتها مصر بعد الثورة وما استصحبته من جرأة على السلطة وتحد لهيبتها، وإهدار لمؤسساتها إلى جانب الإطاحة بقيم القانون والنظام العام، هذه أيضا كانت لها أصداؤها هناك، بل إنني لا أستبعد أن تكون تلك الأجواء قد شكلت عنصرا مشجعا على رفع منسوب التحدي والاستهانة بالسلطة في سيناء. ذلك أن ما حدث هناك مؤخرا لا يختلف كثيرا عما نراه بصورة شبه يومية في أنحاء مصر (القاهرة والإسكندرية والسويس وبورسعيد مثلا) مع اختلاف بسيط تمثل في أن الذين تعرضوا للاختطاف هم جنود وليسوا مواطنين عاديين.
في هذا السياق لا بد أن تثير دهشتنا مواقف النخب ووسائل الإعلام المصرية إزاء الحدث الأخير. إذ سارع البعض إلى توظيفه لصالح توجيه الاتهام إلى الرئيس محمد مرسي وتكثيف الهجوم عليه لتعزيز المواقع في الاستقطاب الحاصل. وفي الوقت ذاته فإنهم فسروا الحادث باعتباره جزءا من مؤامرة. حيث تعددت تصريحات الناشطين السياسيين الذين دأبوا على القول بأن الرئيس مرسي هو المسؤول الأول عما جرى، سواء باعتباره قائدا عاما للقوات المسلحة لم يفعل شيئا لحماية الجنود، أو لأنه أصدر عفوا عن بعض المحكوم عليهم في قضايا سياسية. ومنهم أناس اعتبرهم النظام السابق إرهابيين وهؤلاء التحقوا بسيناء وعادوا إلى نشاطهم القديم. ومنهم من قال إن الذين قاموا بعملية الخطف هم من إخوان وعشيرة الرئيس مرسي. وأبرزت إحدى الصحف قولا منسوبا إلى أحد ممثلي القوات المسلحة ذكر فيه أن الرئيس مرسي إما أن يثبت جديته في التعامل مع الحدث وإما أن يستقيل من منصبه.
الذين تبنوا سيناريو المؤامرة قالوا إن خطف الجنود السبعة في سيناء تم قبل 24 ساعة من مظاهرات الدعوة لإسقاط الرئيس مرسي، وربطوا بين الاثنين، وكأن الخطف تم بترتيب مسبق لصرف الانتباه عن المظاهرات. ومنهم من قال إن الخطف استهدف إحراج الجيش وتشويه صورته، بعد أن تعددت المطالبات في الآونة الأخيرة باستدعائه لتسلم السلطة، بحيث تحول إلى منقذ للبلد، ولذلك جرت محاولة تجريحه وإظهاره بمظهر الضعيف والعاجز عن أداء وظيفته الأساسية.
الفكرة التي ترددت كثيرا في هذا الصدد أن عملية الخطف بمثابة حيلة للتخلص من الفريق عبد الفتاح السيسي، تستلهم ما فعله الرئيس مرسي في السابق حين وقعت حادثة قتل الـ16 ضابطا وجنديا في رفح، وفي أعقابها أقال الرئيس الفريق طنطاوي وحل المجلس العسكري. وجسدت إحدى الصحف الفكرة في عنوان رئيسي على الصفحة الأولى ذكر أن «الإخوان ينتهزون الفرصة للإطاحة بالسيسي» ــ ونقلت صحيفة أخرى عما وصفته بأنه مصدر عسكري قوله: الجيش لن يسمح بالإطاحة بالسيسي وسيناريو طنطاوي لن يتكرر تحت ذريعة خطف الجنود.
(4)
لي أربع ملاحظات على المشهد، هي:
< أن التجاذب والصراع السياسي الحاصل في مصر لم يسمحا بتوفير رؤية وطنية واضحة للتعامل مع الحدث. بل إن النخب السياسية ومعها المنابر الإعلامية المعارضة وظفوا ما جرى من أجل كسب المعركة السياسية التي يخوضونها. بحيث ما عاد السؤال المطروح هو كيف يحل الإشكال بحيث لا يتكرر ما جرى مرة أخرى، وتستعيد الدولة هيبتها في سيناء؟ ــ بل بدا أن الفكرة التي ظلت مهيمنة طول الوقت هي: كيف يمكن استثمار الحدث في إحراج الرئيس محمد مرسي وإضعاف صورته، بحيث توظف في هدف سحب الشرعية منه وإسقاطه. وهو تحليل إذا صح فإنه يصبح كاشفا عن مدى الخلل الذي تعاني منه البيئة السياسية في مصر.
< أن فكرة اختطاف سيناء وغياب السيادة المصرية الحقيقية على كامل أراضيها ــ وهي مسألة محورية في الموضوع ــ لم تنل ما تستحقه من الذكر في الجدل الدائر حول الحدث. كأنما شغل الجميع بالتفاصيل الراهنة عن الرؤية الإستراتيجية المتمثلة في تلك الحقيقة الجوهرية التي تجنب كثيرون الخوض فيها. وأغلب الظن أن السكوت على مصدر البلاء وأصل الداء راجع إلى التخوف من إثارة الموضوع الذي لا بد له أن يفتح الأبواب للحديث عن اتفاقية السلام الموقعة مع إسرائيل. وما أسفرت عنه من أوضاع تحتاج إلى مراجعة من نظام ما بعد الثورة المصرية، وربما تصور هؤلاء أن فتح الملف له تداعياته التي يفضلون السكوت عليها ويؤثرون تجاهلها. مع العلم بأنه لا حل لمسألة التعامل الجاد مع الأوضاع المضطربة في سيناء إلا بعودة السيادة المصرية كاملة على أراضيها. ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بإعادة النظر في اتفاقية السلام بما يجعلها لصالح الأمن المصري وليس الأمن الإسرائيلي وحده.
< أننا في اللحظة الراهنة أحوج ما نكون إلى أمرين أساسيين هما: إرادة سياسية شجاعة تتعامل بحزم مع مظاهر العدوان على هيبة الدولة وكرامتها، وتصارح الناس بما يجب فعله إزاء ما يجري وبحقيقة الظروف التي تكبل يد السلطة وتحول دون تمكينها من الدفاع كما يجب عن المصلحة الوطنية العليا. الأمر الثاني يتمثل في حاجتنا إلى معارضة وطنية واعية ومسؤولة ترتفع فوق مراراتها وحساباتها لتعلي من شأن المصلحة الوطنية العليا، منحازة في ذلك إلى فكرة المعارضة البناءة والإيجابية، وليس المعارضة الانقلابية التي يشغلها هاجس واحد يتمثل في إسقاط النظام بأقل الحلول مكانه، حتى إذا تم ذلك بأسلوب غير ديمقراطي.
< أخيرا فإنني أحذر من التعويل على الحل العسكري والأمني وإهمال الحل السياسي. وأرجو أن نكون قد تعلمنا شيئا من دروس التعويل على الحل الأول وإهمال السياسة في الموضوع، لأنه يخلف مرارات وتارات وضغائن تعقد المشكلة ولا تحلها، رغم أنه يبدو للوهلة الأولى أسهل وأجدى في الحسم. ومشكلة الحل السياسي أنه يتطلب سياسة وحكمة وبعد نظر، وأخشى في ظل الأوضاع الضاغطة الراهنة أن نتغاضى عن كل ذلك، بحيث نتبنى شعار القمع هو الحل. وأرجو أن يظل واضحا في أذهان أصحاب القرار أن آخر الدواء هو الكي. وأخشى في ظل الانفعال والتعبئة التي نشهدها أن نبدأ بما يجب أن ننتهي به.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2648
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1057
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
696
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
14166
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3891
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026