رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
احتل الإرهاب على مدى الثلاثة عقود الماضية مساحات كبيرة ومعتبرة في الصحف والمجلات والقنوات الفضائية والسؤال هنا هو كيف تعاملت وسائل الإعلام مع ظاهرة الإرهاب؟ هل عكست الواقع بطريقة آلية دون الغوص في أعماق الظاهرة وأسبابها أم أنها اهتمت بالإثارة والتضخيم على حساب التحليل والتطرق للأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة الخطيرة التي أصبحت تهدد دول العالم قاطبة من دون استثناء، حيث أصبح الجميع أغنياء وفقراء شمالا أو جنوبا يعانون من هذا الخطر الجديد الذي أصبح يهدد أمن واستقرار الشعوب والدول. أفرزت ظاهرة الإرهاب في الأوساط الإعلامية والعلمية والفكرية والأكاديمية تناقضات خطيرة من أهمها الكيل بمكيالين وربط الإرهاب بالإسلام والعرب والمسلمين. وذهب البعض منهم ينّظر لصراع الحضارات والديانات، ورأى البعض الآخر أن الخطر قادم من الشرق الذي لا يؤمن بالحوار ولا يؤمن بمن يختلف معه في الدين والعقيدة والمبادئ. فأطروحات الإسلام الراديكالي أو المسلح و "الفاشية الإسلامية" و "صراع الحضارات" زادت من تلويث العقول والأفكار وزرعت ثقافة الخوف والحقد والكراهية في عقول الشعوب. هذا ما أدى بالبعض ليتهم الصحافة أو وسائل الإعلام بصفة عامة بالفشل الذريع في تغطية الإرهاب بطريقة حرة، مسؤولة ونزيهة بعيدة عن الابتزاز والاستغلال وبعيدة عن الإثارة ونزوة التجارة والربح وزيادة المبيعات وعدد المشاهدين وبذلك زيادة مساحة وأسعار الإعلانات.
بالنسبة لمعظم وسائل الإعلام خاصة تلك التي تركز على الإثارة وعلى بيع الغرابة والعنف والجريمة فإن الإرهاب يُعتبر مادة دسمة مربحة تساعد المؤسسة على زيادة المبيعات وجني أرباح طائلة. فالإرهاب أصبح لغة القرن الحادي والعشرين وظاهرة انتشرت في جميع أنحاء العالم، وتركز وسائل الإعلام بدرجة كبيرة على ما يحدث في الدول النامية والدول الإسلامية مستغلة الإثارة والجريمة لتكريس أفكار محددة للمحافظة ولدعم الوضع الراهن الذي فرضته القوى الفاعلة في النظام الدولي. ومع ظهور الإسلاموفوبيا أصبحت وسائل الإعلام الغربية تتفنن في إيجاد علاقة وطيدة ما بين الإسلام والإرهاب وما بين كل من يخرج عن طاعة أمريكا والغرب والإرهاب. وانطلاقا من الصور النمطية والأفكار المسبقة والمشوهة تقوم وسائل الإعلام بتقديم أخبارا ملونة الهدف منها النيل من العرب والمسلمين وربط الإرهاب بالإسلام. كما تستغل بعض وسائل الإعلام الإرهاب لترسيخ صورا نمطية معينة وتعمل على تأكيد تفوق الحضارة الغربية وتخلف باقي الحضارات. ويبقى الصراع مستمرا ودائما بين الغرب الذي يريد بكل الوسائل والطرق إقصاء الآخر وفرض ثقافته وأفكاره وقيمه على العالم بأسره.
ورغم التلاعب والتزييف والتشويه والتنميط والقولبة التي تمارسها الآلة الإعلامية على عقول البشر في جميع أنحاء المعمورة، ما زال العالم بخير وما زالت عامة الناس ترى أن المشكلات التي تعاني منها دول ليست بسبب الإسلام ولا بسبب صراع الحضارات وإنما جذور هذه المشكلات تعود لأسباب سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى وهذا ما أكده استطلاع للرأي العام أجري على 28 ألف شخص من 27 دولة حول العالم، حيث رأت غالبية المبحوثين أن الصراع بين الإسلام والغرب ليس حتمي وأن التوترات والمشكلات الحالية تعود بالدرجة الأولى إلى المصالح السياسية وعدم التسامح. وهذا يعني أن ما تنقله وسائل الإعلام لا يعكس بالضرورة الواقع والحقيقة. فكيف تتطرق الصحافة العالمية للإرهاب دون أن تفرق بين العمل العسكري المشروع للدفاع عن النفس ولتحرير الأرض من المستعمر، وما بين الإرهاب الذي يتمثل في العمل الإجرامي الوحشي. وكيف تستعرض وسائل الإعلام ظاهرة الإرهاب وتربطها بشعب معين وديانة معينة وتتغاضى عن إرهاب الدولة الذي تمارسه بعض الدول في العالم. ما يحدث في العراق هذه الأيام هو كذلك وسيلة أخرى لإفراز الإرهاب والتشجيع على انتشاره.
كأي ظاهرة اجتماعية يعتبر الإرهاب نتيجة لعدة أسباب منها الفقر والجهل والظلم وانعدام العدالة الاجتماعية وغياب الحريات الفردية وحرية الفكر والرأي والصحافة والتهميش والعنصرية...الخ. فالحرمان والاستبداد من الأسباب التي تؤدي إلى استعمال العنف والجريمة للتعبير عن الاستياء أو لمحاولة تخويف السلطة والقوى الفاعلة في المجتمع للتنازل عن بعض امتيازاتها لصالح الفئات المحرومة. يقوم الإرهابيون عادة بالجرائم وأعمال القتل والتخريب وحجز الرهائن الأبرياء للضغط على الحكومات للاستجابة لمطالبهم وأهدافهم، وحتى يصلوا إلى الرأي العام فإنهم يعتمدون على وسائل الإعلام التي تباشر في التهافت على نقل الوقائع والأحداث الإرهابية والتفنن في تضخيمها. وفي نهاية الأمر نلاحظ أن العملية كلها دعاية وتدويل لرسالة الإرهابيين الذين كانوا يعملون جاهدين على إيصال مطالبهم ورسالتهم للمسؤولين والساسة وصناع القرار وقادة الرأي العام محليا ودوليا. ونلاحظ هنا أن الإرهابيين يقصدون من خلال أعمالهم استغلال وسيلة إستراتيجية تتمثل في وسائل الإعلام ويستعملونها كوسيلة للتواصل والتعبير عن مطالبهم وأهدافهم. والإشكالية التي تواجهها وسائل الإعلام تتمثل في ما العمل وما هو الموقف الذي يجب اتخاذه؟ هل يجب القيام بالتغطية وعرض المطالب ولأهداف أم مقاطعة التغطية تماما وتجاهل الأعمال الإرهابية، وإذا قامت الوسائل المحلية بالمقاطعة هل ستتبعها وسائل الإعلام الأجنبية؟ وإذا لم تقم وسائل الإعلام بالتغطية من يضمن عدم تسرب الأخبار وانتشار الإشاعة. أسئلة كثيرة ومتشعبة تمس جوانب تنظيمية وأمنية وأخلاقية يجب أن تطرح بجدية وتدرس بتأن لتجنب مشكلات قد تكون انعكاساتها وخيمة على المجتمع بكامله. ومن أهم الانتقادات التي وُجهت لوسائل الإعلام في تعاملها مع الإرهاب أنها أصبحت طرفا هاما في أزمات وعمليات الإرهاب وأصبحت طرفا يُستغل لخدمة مصالح وأهداف قد تتعارض تماما مع الرسالة النبيلة للإعلام في المجتمع. فبقوتها وإمكاناتها الاتصالية الهائلة تعطي وسائل الإعلام فرصة ذهبية للإرهابيين للوصول إلى ملايين البشر محليا ودوليا للتعبير عن ما يريدونه. فالقنوات الفضائية تصّعد الأزمات وتضخمها وتزيد من هلعها وخوفها وقوة آثارها وهذا من شأنه أن يخدم قضية الإرهابيين ويضع ضغوطا كبيرة وقوية على الحكومة للتنازل والتفاوض من مركز ضعف، حيث أنه بعد التدويل والإثارة والتضخيم يجد صاحب القرار نفسه ضعيفا أمام تأثيرات الرأي العام على الصعيد الداخلي والدولي. والوصول إلى الرأي العام الدولي يعتبر من أهم أهداف الإرهابيين حيث محاولة الوصول إلى المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية. وهذه المعادلة الاستغلالية تعتبر من الممارسات السلبية التي تقوم بها وسائل الإعلام خاصة عندما لا تقوم بمهمة الاستقصاء والبحث في جذور وأسباب ظاهرة الإرهاب. وبالمقابل نلاحظ أن هذه المؤسسات الإعلامية ترى أنها تقدم خدمة كبيرة للرأي العام وأنها تقوم بمسؤوليتها الاجتماعية على أحسن وجه. والحقيقة هي أنها في نهاية المطاف تخدم قضايا بعيدة كل البعد عن المصلحة العامة ومصلحة المجتمع بأسره. القرار هنا أخلاقي ومن واجب وسائل الإعلام أن تتخلص من أي اعتبار تجاري ربحي أو أي اعتبار تنافسي لأن الموضوع أهم من ذلك بكثير حيث إنه يتعلق بأمن الدولة وسلامتها وسلامة سكانها، بل بدول وشعوب عدة.
الجزائر ... من أحداث 5 أكتوبر 1988 إلى حراك 2019
بعد مرور أكثر من 7 شهور على الحراك يتساءل المواطن الجزائري عن مصير الانتخابات الرئاسية التي تأجلت مرتين... اقرأ المزيد
2826
| 12 أكتوبر 2019
إعلام "الشو بيز" وأفول الفضاء العام
يمثل الفضاء العام حركة إدماج وتمجيد الحريات الفردية والتعبير عن الآراء وتمكين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والدينيين والثقافيين من... اقرأ المزيد
2126
| 28 سبتمبر 2019
الصراعات والأزمات وصناعة الواقع
يتساءل الكثيرون عن واقعية وموضوعية مخرجات الوسائل الإعلامية وإلى أي مدى تعكس هذه الرسائل الواقع كما هو أم... اقرأ المزيد
1350
| 29 يونيو 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3303
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1272
| 28 سبتمبر 2026