رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
السلام العظيم الذي لوح به الرئيس الأمريكي بمثابة نكبة ثانية للعرب.
(١)
صحيح أننا مازلنا نعيش في ظل تداعيات النكبة الأولى التي وقعت عام ١٩٤٨، إلا أن أخبار التجهيز للنكبة الثانية تلقيناها في الأسبوع الماضي أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو للولايات المتحدة واجتماعه مع الرئيس دونالد ترامب. وهى الأخبار التي قرأنا عناوينها في التقارير التي خرجت من واشنطن بخصوص القضية الفلسطينية. في حين نشرت تفاصيلها وسائل الإعلام الإسرائيلية، حاصل جمع العناوين مع التفاصيل برسم صورة معالمها كالتالي:
< طويت صفحة حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، ولا مجال لفكرة الدولة الواحدة، والباب مفتوح أمام الفلسطينيين لكي يبحثوا عن بدائل أخرى لهم.
< الأولوية الآن للبحث عن حل إقليمي يتمثل في تحالف إسرائيلي مع بعض الدول العربية يفتح الباب لاحقا لإمكانية «التفاهم» حول الملف الفلسطيني. وهو ما وصفته صحيفة هاآرتس (فى ١٦/٢) بمبادرة الانطلاق من الخارج للوصول إلى الداخل. بمعنى البدء بالعالم العربي للوصول إلى الساحة الفلسطينية. الأمر الذي يقلب مفهوم المبادرة العربية التي دعت إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في عام ١٩٦٧، كشرط للتطبيع مع جميع الدول العربية.
(٢)
هذا الكلام الصادم لا يفاجئنا تماما، إذ رغم أنه يعبر عن توافق أمريكي إسرائيلي إلا أنه لم يصدر أي تعليق عربي رسمي عليه، خصوصا أن ثمة قمة عربية يفترض أن تنعقد في العاصمة الأردنية عمان في أواخر شهر مارس المقبل، مع ذلك لدينا قرائن وإشارات تدل على أن هناك شيئا ما يتحرك في العالم العربي يجعلنا لا نستبعد السيناريو الذي طالعناه في واشنطن. بالمناسبة فإن نتنياهو سئل أثناء حوار له فى واشنطن مع تليفزيون قناة (إم إس إن بي سي) عن الدول العربية التي تقيم تحالفا مع إسرائيل، فإنه ابتسم وقال: من ليس كذلك؟
من القرائن التي أعنيها ما يلى:
< تقرير الرباعية العربية الذي ذاع أمره في شهر سبتمبر من العام الماضي (٢٠١٦)ومن المصادفات ذات الدلالة في هذا الصدد أن الدول الأربع المشاركة فى تلك اللجنة هى ذاتها المرشحة للدخول فى التحالف المراد إقامته بالمشاركة مع إسرائيل. ذلك أن التقرير دعا إلى وحدة الصف الفلسطيني، ومعالجة الانقسام الحاصل داخل حركة فتح (لإعادة القيادي المفصول محمد دحلان إلى الحركة)، وقد ورد في التقرير ما نصه: «في حال عدم قيام الفلسطينيين بما عليهم واستمروا في الانقسام على أنفسهم، ستضطر بعض الدول العربية لدراسة بدائلها الخاصة في التعاطي مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي» ــ وهذا النص إذا تأكدت صحته، فإن الجملة الأخيرة منه يمكن أن تمهد لتنفيذ الحل الإقليمي الذي تحدث عنه ترامب ونتنياهو، باعتباره من «البدائل الخاصة» المرشحة أمام بعض الدول العربية للتفاعل مع الملف الفلسطيني.
< كتابات لآحاد الأكاديميين المصريين المرتبطين بالأجهزة الأمنية ذات الصلة بالموضوع، خصوصا تلك التي نشرتها جريدة «الشروق» لنفر منهم دعوا إلى الانتقال في التعامل مع إسرائيل من التطبيع إلى التحالف، كما تحدثت تلك الكتابات عن أهمية «خروج مصر للعالم بخطاب سياسي جديد فى ضوء مراجعات سياسية شاملة». وألمحت إلى أن مصر قادرة على أن تطرح «مبادرة منفردة» لإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط (٣/٩/٢٠١٦)، وفى طور لاحق (فى ١٦/١/٢٠١٧) نشرت «الشروق» مقالة حبذت خيار «قيام مصر بتنمية علاقاتها مع الولايات المتحدة من منطلق استراتيجي بالتنسيق مع إسرائيل من جانب والأردن من جانب آخر، في إطار مخطط أمريكي لبناء شراكة على أسس جديدة تضم مصر والأردن وإسرائيل». وهذا النص الأخير يكاد يتطابق مع معلومات التقرير الذي نشرته عن فكرة التحالف المنتظر صحيفة «وول ستريت»، بعد شهر تقريبا من نشره بجريدة «الشروق».
(٣)
السلام العظيم أو الرائع الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي، والذي اعتبره نتنياهو فرصة تاريخية لم يبق على شيء من عناصر القضية وخياراتها التي طرحت طوال العقود الماضية. ذلك أنه أسقط ليس فقط حل الدولتين، كما لم يدع مجالا للحديث عن حدود عام ١٩٦٧، أو اتفاقية أوسلو، أو القرارات الدولية المتعلقة بالاستيطان أو التي تحدثت عن حقوق الشعب الفلسطيني. ببساطة لأن الفلسطينيين هم المعتدون والظلمة الذين انتقدهم الرئيس ترامب ودعاهم إلى الكف عن كراهية الإسرائيليين (حيث لم يجد مبررا لذلك؟!)، وحسب تصريح السيد ياسر عبدربه عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، فإن نتنياهو أقنع ترامب بضرورة بقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على المساحة الممتدة من البحر المتوسط حتى الأردن، بحيث لا يبقى للفلسطينيين سوى إقامة كيان خاص بهم على المناطق الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية حاليا، المسماة مناطق «أ» و«ب»، التي تساوى أقل من نصف مساحة الضفة الغربية. بمعنى أن يتحول الوجود الفلسطيني بمثابة محمية تحت الوصاية الأمنية الإسرائيلية. وعلى حد تعبيره فإن ذلك يعد أخطر حل يقدم للقضية منذ وعد بلفور (١٩١٧) بل إنه يصبح استكمالا لما لم ينجزه ذلك الوعد في مناسبة مرور مائة عام على صدوره.
في هذا المعنى نشرت صحيفة «يسرائيل اليوم» تعليقا كتبه يوعز بسموت قال فيه إن تصريحات ترامب حولت سنوات أوباما الثمانى وعهد كلينتون بالحلول التي تبنياها ــ فكرة الدولتين مثلا ــ إلى تاريخ قديم، كما حولت أوسلو ومبادرات السلام لعلماء الآثار».
في ظل الحل الكارثة والسلام الذي يمحى فيه كل ما كان مطروحا من خيارات ومبادرات في السابق تنكشف الخدعة الإسرائيلية الكبرى، التي لا تقبل بأكثر من مجرد كانتونات فلسطينية تقوم فيها السلطة في رام الله وحماس في غزة بدور البلديات التي تقدم الخدمات الرئيسية للجمهور. كما يتاح لها أن تمارس النشاطات الجماهيرية التي لم يكن مسموحا القيام بها تحت الاحتلال المباشر. كان ذلك تعليق الصحفية الإسرائيلية اليسارية عميرة هاس في مقال لها نشرته صحيفة «هاآرتس»، مضيفة أن ذلك لم يمنع الرئيس الأمريكي من أن يوفد رئيس المخابرات الأمريكية (سي آى إيه) للاجتماع مع محمود عباس لإبلاغه رسالة تطمئنه إلى استمرار وجود «السلطة الفلسطينية»، لأن ذلك مهم بالنسبة للولايات المتحدة التي تعرف أن صيانة الكانتونات تضمن نوعا من الاستقرار النسبى، فضلا عن أنهم يريدون وجود السلطة للإبقاء على تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق «أ» و«ب»، كي يتسنى لإسرائيل أن تضم مناطق «ج» التي تشمل أقل عدد من السكان الفلسطينيين وأكبر مساحة من الأرض. (يوجد فيها الآن ٢٠٠ ألف مستوطن مقابل ١٠٠ ألف فلسطيني).
(٤)
ما سبق ليس قدرا بطبيعة الحال، لكنها مجرد «سيناريوهات» للمستقبل تبنتها الإدارة الأمريكية الجديدة بالتوافق مع الإسرائيليين. وليس ذلك جديدا تماما لأن انحياز الولايات المتحدة لإسرائيل لا يفاجئنا. وكل ما حدث أنه بدا فجا وفاحشا الأمر الذي يجعله تطورا في الدرجة، من وجهة نظرنا. لكن الأمر يختلف حين يقال إن هناك تفاهما مع بعض الدول العربية «المعتدلة» بخصوصه، إذ إنه يصدمنا ويفجعنا لأنه يغدو تغيرا في النوع وليس في الدرجة. ذلك أنه ينقلنا من مشهد «القضية المركزية»، إلى مستنقع اللاقضية. ومن ثم يفرض علينا نكبة ثانية تستهدف الإجهاز على القضية.
كنت أحد الذين أثاروا الموضوع، حين تساءلت في مقالي المنشور في ٧ فبراير عن أبعاد صفقة ترامب مع العالم العربي. وضمنت المقال تساؤلات وشكوكا حول الثمن الذي سيدفعه العرب إلى الرئيس الأمريكي، إذا ما قرر أن يتفاعل مع طلباتهم خصوصا ما تعلق منها بمواجهة التمدد الإيرانى أو اعتبار الإخوان جماعة إرهابية. وقبل ذلك (فى ٢٤ يناير) عبرت عن القلق من احتمال أن تصبح فلسطين ضحية أمريكا الجديدة (كان ذلك عنوان المقال). إلا أن لقاء ترامب ونتنياهو أعفانا من التساؤل والشك، بعدما أصبح اللعب على المكشوف، ولم يعد هناك غموض في حقيقة «السلام العظيم» الذي نحن مقبلون عليه.
إزاء ذلك لم يعد لدينا ما نسأله عن جوهر ما يخطط له الإسرائيليون والأمريكيون، وإنما لدينا عديد من الأسئلة حول رد الفعل الفلسطيني والعربي، ولست أشك في أن الموضوع سوف يثار في مؤتمر القمة العربية الذي سيعقد في الأردن قبل نهاية شهر مارس المقبل، وليس ذلك كل شيء، لأننا إذا سمعنا صوت الأنظمة العربية، فإن صوت الشعوب العربية لابد أن يسمع أيضا. وإذا كان الصوت الأول مفهوما وستكون مشكلته في «الإخراج» وكيفية تمرير النقلة المطلوبة من جانب البعض، فإن حدود وتجليات الصوت الثاني مفتوحة الآفاق على كل الاحتمالات.
لا أكاد أجد حوارا مسموعا حول الموضوع بشقيه في وسائل الإعلام العربي على الأقل، لكن بعض الكتابات الإسرائيلية انتقدت جهل الرئيس الأمريكي وعقم فريقه، وحذرت من عواقب عدم درايتهم بتعقيدات الموضوع وخرائط المنطقة، وهناك كتابات أخرى توقعت أن يشهد العالم العربي انفجارات متتالية بسبب ذلك «السلام العظيم»، وهو أمر مخجل ومهين حقا أن نحاول قراءة مستقبلنا في كف خصومنا، إلا أن ذلك يظل أحد تجليات الوضع البائس الذي صرنا إليه، الأمر الذي يدفعنا إلى اليأس مما نراه والمراهنة على ما لا نراه.
لدى سؤال عبثي أخير هو: إذا قدر للناتو العربي الجديد أن يتشكل بتحالف إسرائيل مع بعض الدول العربية، وحدثت انتفاضة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ففى أى جانب ستقف الدول العربية الشريكة فى التحالف؟!
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
645
| 12 أكتوبر 2026