رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أفهم أن يطالب البعض بتكليف الإخوان بتشكيل الحكومة في مصر، لكنى أستغرب أن يأخذ الإخوان الكلام على محمل الجد، فيشمرون عن السواعد ويشاورون ويرشحون ويرتبون. ثم يقول قائلهم بمنتهى الحماس إنهم ليسوا جاهزين من اليوم فقط، ولكنهم جاهزون من أمس أيضًا!
(1)
يثير انتباهنا لأول وهلة، أن بين من يلحون في هذه الدعوة نفر من الكارهين والشامتين والبصاصين الذين كانوا أبواق جهاز أمن الدولة في ظل النظام السابق. وهي ملاحظة أسجلها بسرعة ولا أدعو إلى الوقوف عندها طويلا، ذلك أنني مستعد لافتراض حسن النية لدى الأغلبية، وتفهم الحجة المنطقية التي تقول إن الحزب الحائز على الأغلبية في البرلمان يتعين عليه أن يشكل الحكومة. علما بأنني لست مشغولا كثيرا بما إذا كان يحق لهم تشكيل الحكومة أم لا، لكن سؤالي ينصب على ملاءمة وجدوى الإقدام على هذه الخطوة في الظروف الراهنة لمصر. وإجابتي السريعة أنني أعتقد أن ذلك ليس في مصلحة البلد ولا في مصلحة الإخوان. أما كيف ولماذا، فذلك ما سأحاول شرحه هذه المرة.
(2)
أرجو أن يكون واضحا في الأذهان ابتداء أنني أتحدث عن حالة مصر ولا أطلق حكما عاما، لاقتناعي بأن مصر لها خصوصية لا تتوفر لأقطار أخرى كثيرة. إذ هي بلد مركزي يعد مفتاح العالم العربي وعاصمته، كما قال بحق الدكتور جمال حمدان، إذا عُزَّت استعادت الأمة عزتها وكبرياءها، وإذا هُزمت انكسرت الأمة وذلت. ولا أعرف إن كانت هذه المقولة تحتاج إلى برهان أم لا، لكنك إذا تطلعت إلى حال الأمة بعدما وقعت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل وإذا رصدت أصداء هذه السقطة في أرجاء العالم العربي، فلن تحتاج إلى مزيد برهان.
بكلام آخر فإن خصوصية الموقع أضفت على مصر أهمية أغرت القوى الكبرى على مدى التاريخ بأن تتطلع إليها وتطمع فيها، حتى تحدث الدكتور حمدان في مؤلفه «شخصية مصر» عن جناية الموقع على هذا البلد. ضاعف من أهمية مصر في الاستراتيجيات العالمية أمران، الأول معاهدة السلام مع إسرائيل، والثاني أنها تتصدر عالما عربيا يختزن النفط الذي تعتمد عليه الصناعة الغربية، الأمر الذي جعل ذلك العالم وعاء مهما للمصالح الحيوية الغربية.
لأن الأمر كذلك، ففي النظر الغربي ثمة «سقف» لأي حراك في مصر والعالم العربي، حيث مسموح لأي دولة أن تفعل ما تشاء مادام ذلك لا يمس من قريب أو بعيد السلام مع إسرائيل أو موضوع النفط الذي بات يوصف بأنه مصلحة غربية عليا. وإذا صح ذلك التحليل فإن الدوائر الغربية والإسرائيلية تتوجس من أمرين في العالم العربي أولهما الاستقلال الوطني وثانيهما الديمقراطية الحقيقية. إذ من شأن تحقق أي منهما أو كليهما أن يؤدي في نهاية المطاف إلى اشتباك مع المصالح الغربية والطموحات الإسرائيلية. لسبب جوهري هو أن استمرار تلك المصالح والطموحات يفترض حالة من «الخضوع» للسياسة الغربية، الأمر الذي لابد أن يصطدم مع استحقاقات الاستقلال أو مقتضيات الممارسة الديمقراطية. لذلك فإننا لا نبالغ إذا قلنا إن ترحيب واشنطن أو غيرها من الدول المعنية بالربيع العربي مؤقت ومشروط بألا تتعارض ثماره مع ذلك السقف المفروض.
(3)
إذا يممت وجهك شطر الداخل الذي هو الأهم والأساس فسوف تجد أن الأضواء الحمراء تخطف البصر وتفوق الحصر، ذلك أن مصر التي دمرها وشوه مؤسساتها النظام السابق تحتاج إلى بناء جديد. وذلك هم تنوء بحمله الجبال. إذ لا تحتاج مصر إلى مجرد إصلاح سياسي يتحقق بإصدار دستور جديد أو إجراء انتخابات برلمانية، وإنما المطلوب والمأمول أن تستعيد مصر عافيتها وتتجاوز حالة التقزيم والإعاقة التي فرضت عليها وأخرجتها من مجرى التاريخ حتى أصبحت مجرد حقيقة جغرافية. صحيح أن تقدما كبيرا حدث بعد الثورة في مجال الحريات العامة، لكن قائمة المهام المطلوب إنجازها طويلة، وحلم النهضة والعدل الاجتماعي يستدعي ملفات أخرى كثيرة تشمل التعليم والصحة والإسكان وغير ذلك من مجالات الخدمات، إلى جانب ملفات الإنتاج التي يطل منها كم مقلق من الإشارات الحمراء. ذلك أن ثمة شبه إجماع بين الخبراء على أن الوضع الاقتصادي في مصر سيكون في أسوأ حالاته خلال السنة المقبلة على الأقل. الأمر الذي لا يتفاءل هؤلاء بتأثيراته وتداعياته الاجتماعية وربما السياسية أيضا. ولا تزال ترن في أذني مقولة رددها أمامي واحد من أولئك الخبراء. ادعى فيها أن إدارة شؤون مصر في الفترة المقبلة ستكون أقرب إلى العملية الانتحارية، ما لم يتم التصدي للمسؤولية بأكبر قدر من المهارة وأوسع إطار للمشاركة من جانب الطبقة السياسية والقوى الحية في المجتمع.
(4)
إن التحديات الجسام التي تواجه مصر الثورة في الداخل والخارج لا تحتمل التبسيط أو المغامرة. وهي أكبر من الإخوان ومن أي فصيل بذاته. وأرجو ألا يقارن أحد الوضع في مصر بنظيره في تركيا أو ماليزيا أو كوريا الجنوبية أو سنغافورة لثلاثة أسباب. الأول ما ذكرته توا من أن مصر لها وزن مختلف في الحسابات الإستراتيجية الدولية. الثاني أن وجود حدود مشتركة ومعاهدة سلام بين مصر وإسرائيل له تبعاته التي لا تتوافر لأي بلد آخر. الثالث أن ما أنجزته تلك الدول هو حصيلة تراكم تواصل عبر فترة تراوحت بين 30 و40 سنة. وحالم أو ساذج من يتصور أنه يمكن أن يستنسخ ما بلغوه من إنجاز من خلال «حرق المراحل» ودون أن يتوافر ذلك التراكم.
إننا بحاجة إلى حكومة وحدة وطنية وليس إلى حكومة إخوانية. ولا يقولن أحد إن الأغلبية البرلمانية ينبغي أن تتحمل المسؤولية مادامت قد عرضت نفسها على الناس وتم التصويت لصالحها. أولا لأن هذه الأغلبية تمارس المسؤولية من خلال مجلس الشعب الذي يرأسه أحد القياديين في الإخوان. ثانيا لأن الفوز بالأغلبية لا يعني بالضرورة أن يتحمل الحزب الفائز كامل المسؤولية عن إدارة البلد. وقد وجدنا في تجربة تونس أن حزب الأغلبية تحمل مسؤولية الحكومة في حين كانت رئاسة البرلمان (الجمعية التأسيسية) من حصة حزب آخر، وتولى رئاسة الدولة رئيس حزب ثالث. ثالثا فإنني لا أقول بابتعاد الإخوان تماما عن الحكومة، ولكني أدعو إلى أن يتولى تشكيلها أحد الشخصيات الوطنية الموثوق فيها، على أن تشترك فيها مختلف القوى الوطنية والإخوان والسلفيون من بينهم، ليتحقق بذلك أوسع قدر من التوافق الشعبي.
(5)
قلت قبل قليل إن تشكيل الإخوان للحكومة في الظروف الراهنة ليس في مصلحة البلد، كما أنه ليس في مصلحة الإخوان أو الحركة الإسلامية عموما. هو ليس في مصلحة البلد لأن دولا عدة غربية بل عربية أيضا سوف تحجم عن تقديم أي معونات أو استثمارات لمصر، ولا أستبعد أن يتكرر مع حكومة الإخوان في مصر ما حدث مع حكومة حماس في غزة. وليس سرا أن من مصلحة تلك الدول إثبات عجز تلك الحكومة وفشلها في مهمتها.
من ناحية أخرى، فإن إدارة دولة بحجم وأهمية مصر ــ ناهيك عن أن يستهدف ذلك استعادة مكانتها في مجرى التاريخ ــ تتطلب خبرات لا أتصور أنها متوافرة لدى حركة الإخوان. والسبب في ذلك أن الأنظمة السابقة حرصت على إقصاء عناصرها من مختلف واجهات العمل الوطني. ولست أشك في أن لديهم من الكفاءات من يستطيع أن يشارك في الحكومة، لكن شكي كبير في قدرتهم على تشكيل الحكومة والاستئثار برئاستها وبأغلب وزاراتها، تبعا لنسبتهم في البرلمان.
من ناحية ثالثة، فإنني أخشى أن يتكرر مع حكومة الإخوان ما حدث في تركيا مع نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه حين رأس الحكومة لأول مرة عام 1996. ذلك أن الرجل لكي يستمر في منصبه فإنه اضطر لتوقيع أسوأ الاتفاقات الأمنية مع إسرائيل. الأمر الذي أضر بالبلد كما أضر بسمعة شخصه وحزبه.
حين قلت إن تشكيل الحكومة ضار بالإخوان في أنفسهم فقد كان في ذهني أنهم إذا فعلوها فقد يضطرون إلى الإقدام على تنازلات تهدد رصيدهم التاريخي، وقد تهدد شرعيتهم باعتبارهم فصيلا من الحركة الوطنية المصرية. وستكون العلاقة مع إسرائيل مثلا تحديا واختبارا لهم من اليوم الأول. إذا سلموا وامتثلوا فقد خسروا أنفسهم وشعبيتهم، وإذا تمنعوا أو رفضوا فقد خسروا علاقتهم مع الأمريكان ومع دول الاعتدال العربي. وقد قال لي أحد المخضرمين إنه لن يستبعد في أول أسبوع لحكومة الإخوان أن تختبرها إسرائيل من خلال شن هجوم على غزة، لكي تتعرف على نواياها إزاءها.
ليس سرا أن بعض الذين يدعون إلى تشكيل حكومة الإخوان يريدون توريطها في كمين منصوب لهم. ذلك أن حرج الظرف وصعوبة الموقف الاقتصادي تحديدا، إضافة إلى العقبات والضغوط التي سبقت الإشارة إليها تجعل المراهنة أكبر على إفشال مهمة الحكومة، بما يراد له أن يؤدي إلى قطع الطريق على أي دور للحركة الإسلامية في السلطة لعدة عقود مقبلة، ليس في مصر وحدها ولكن أيضا في العالم العربي بأسره. وليس سرا أيضا أن ثمة أطرافا داخلية وعربية ودولية يهمها للغاية وقف ذلك المد الذي أوصل الإسلاميين إلى مواقع السلطة ودوائر صناعة القرار.
هذا الذي أقوله ليس مجرد استنتاج، ولكنه يعتمد على معلومات محددة، خلاصتها أنه يجري في مصر هذه الأيام الإعداد لتشكيل حزب جديد يكون بديلا مرشحا لتسلم السلطة بعد الفشل المرتجي لحكومة الإخوان. وهذا الحزب يسوقه الآن ويوزع استمارات عضويته بعض ذوي الصلة بالنظام السابق، وهناك كلام مثار حول دعم خارجي له، أسهمت فيه بعض الدول العربية. أكرر: ما أقوله معلومات وليس استنتاجات.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2648
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1057
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
696
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
18021
| 03 نوفمبر 2026
تسعى الدول، بلا استثناء تقريبًا، إلى حجز موقع أفضل على خريطة التجارة الدولية، وبناء مزايا تنافسية تمكنها من زيادة صادراتها والحصول على نصيب أكبر من الأسواق العالمية. ومع التحولات السريعة في هيكل التجارة الدولية، يلاحظ النمو المتزايد للخدمات الرقمية، مثل البرمجيات والحوسبة السحابية والخدمات المالية والاستشارية والبحث والتطوير. ففي عام 2025 تجاوزت قيمة الصادرات العالمية من هذه الخدمات 5.4 تريليون دولار، وأصبحت تمثل نحو 56 % من إجمالي صادرات الخدمات عالميًا. الدخول إلى هذا السوق لا يحتاج إلى موانئ ضخمة أو قاعدة سكانية كبيرة بقدر حاجته إلى بنية رقمية متقدمة، وكفاءات بشرية، وبيئة تنظيمية موثوقة، وقدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. و عند النظر إلى قطر نجد أنها تبدأ من موقع متقدم بالفعل في هذا المجال، فقد سجلت في عام 2026 نحو 98.4 نقطة من أصل 100 في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، محققة سادس أعلى نتيجة بين 159 اقتصادًا. تجربة سنغافورة تستحق التأمل، فرغم ضيق مساحتها ومحدودية سوقها المحلية، أصبح الاقتصاد الرقمي يمثل نحو 18.6 % من ناتجها المحلي الإجمالي في 2024، بعدما كان 14.9 % قبل خمس سنوات. ولم تتحقق هذه النتيجة من خلال شركات التكنولوجيا وحدها، وإنما من خلال انتشار التكنولوجيا داخل التمويل والتجارة والصناعة والخدمات، إلى جانب بناء شركات قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. محدودية السوق الداخلية لا تمنع الدولة من بناء قطاع رقمي كبير إذا نجحت في تحويل العالم نفسه إلى سوق لمنتجاتها وخدماتها. وفي قطر تتوافر بالفعل عناصر تجعل هذا الطموح واقعيًا. البنية الرقمية ورأس المال، والأهم توفر الطاقة. وهذه النقطة تستحق اهتمامًا خاصًا؛ فاقتصاد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء، وإلى استثمارات طويلة الأجل. وهنا يمكن لقطاع الطاقة القطري أن يؤدي دورًا يتجاوز الحصول على عائدات تصدير الغاز، عبر دعم صناعات رقمية جديدة تعتمد على الطاقة كأحد أهم مدخلاتها. وقد بدأت ملامح هذا الاتجاه تظهر بالفعل، فقد وقعت شركة «ميزة» في سبتمبر 2026 عقدًا تتجاوز قيمته مليار ريال، هذه في حقيقتها صفقة تصدير، حتى وإن لم تغادر قطر شحنة مادية واحدة. الخدمة تُنتج في قطر، والعميل العالمي يحصل عليها ويدفع مقابلها. ومع تكرار هذا النوع من العقود، يمكن أن تتوسع قائمة الصادرات القطرية لتشمل القدرة الحاسوبية والخدمات السحابية إلى جانب الصادرات التقليدية. هناك المزيد من الأمثلة على نجاح ذلك النوع من التوجه الاقتصادي، فقد أُطلقت شركة Qai، كما دخلت في شراكة مع Brookfield تستهدف استثمارات بقيمة 20 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل قطر وأسواق دولية مختارة. وفي الوقت نفسه توسعت الحوافز الموجهة لقطاع التكنولوجيا ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني. هذه الخطوات تعطي فرصة حقيقية لانتقال قطر من منتج للطاقة ومستخدم للتكنولوجيا، إلى إنتاج خدمات رقمية يمكن بيعها عالميًا. ولا أعتقد أن الاقتصاد الرقمي ينبغي أن يكون بديلًا لصادرات الغاز. فالغاز مصدر قوة كبير للاقتصاد القطري، وليس عبئًا يجب التخلص منه. الفكرة الأكثر جدوى هي استخدام جزء من القوة التي وفرها هذا القطاع في بناء مصادر دخل إضافية. وتنسجم هذه الفرص مع الأجندة الرقمية 2030، التي تستهدف إضافة نحو 40 مليار ريال إلى الناتج غير الهيدروكربوني، وتوفير نحو 26 ألف فرصة عمل. إن الأهمية الاقتصادية لهذا التوجه لا تقتصر على تنمية القطاع الرقمي داخل قطر، بل تمتد إلى قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية. وهنا سيكون التحدي الحقيقي هو تحويل الاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا إلى خدمات رقمية قابلة للتصدير، بما يفتح أمام الاقتصاد القطري أسواقًا جديدة ومصادر إضافية للدخل. السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ما زال في بداياته، قطر أثبتت خلال العقود الماضية أنها قادرة على بناء مكانة عالمية في سوق الطاقة. والفرصة المتاحة اليوم هي أن تستخدم ما راكمته من رأس مال وطاقة وبنية أساسية في بناء مصدر قوة آخر، بحيث تصبح الخدمات الرقمية والقدرات الحاسوبية جزءًا مما يعرف العالم قطر به ويشتريه منها.
6633
| 06 نوفمبر 2026
ليست كل فرصة تستحق أن نقتنصها، حتى لو بدت مربحة. فقد يجد رائد الأعمال أمامه عقداً كبيراً، أو سوقاً جديداً، أو فرصة للتوسع السريع، وتكون المؤشرات مشجعة، ومع ذلك يصبح قبولها قراراً خاطئاً. فالفرصة الجيدة لا تعني بالضرورة قراراً جيداً؛ إذ قد يكون توقيتها غير مناسب، أو تتطلب التزامات تفوق العائد الذي تبرره، أو تستند إلى افتراضات لم تُختبر بعد. وهنا تكمن إحدى مفارقات ريادة الأعمال: فالجرأة التي تفتح أبواب النجاح قد تقود إلى الفشل إذا تحولت إلى اندفاع لا تحكمه الحسابات. وليس المطلوب أن يخشى رائد الأعمال المخاطرة، فدونها يصعب الابتكار والنمو، وإنما أن يميز بين قرار ينطوي على قدر مقبول من عدم اليقين وآخر يراهن فيه على أن تسير الأمور جميعها كما يتمنى. لقد اعتدنا الاحتفاء برواد الأعمال الذين يتوسعون بسرعة ويدخلون أسواقاً جديدة، لكننا نادراً ما نسأل عن جودة القرارات التي صنعت هذا النمو. فليس كل توسع نجاحاً، وليس كل تراجع فشلاً؛ وقد يكون تأجيل الاستثمار أحياناً أكثر حكمة من التعجل في تنفيذه. فالفرق بين المخاطرة المحسوبة والتهور ليس في الجرأة على اتخاذ القرار، بل في الانضباط الذي يسبقه. وقد طورت الباحثة سارا ساراسفاثي، من جامعة فرجينيا، ضمن أبحاثها في ريادة الأعمال، مبدأ «الخسارة الممكن تحملها» (Affordable Loss). ويقوم على أن رائد الأعمال لا ينبغي أن يعتمد فقط على تقدير الأرباح المتوقعة، بل عليه أن يحدد مسبقاً مقدار الموارد التي يستطيع خسارتها إذا لم تنجح التجربة. وهذا لا يلغي أهمية دراسة الجدوى، وإنما يضيف إليها سؤالاً حاسماً: ما الثمن الذي نقبل دفعه مقابل تجربة قد لا تنجح؟ عندما تصبح الفرصة أكبر من المشروع. لنفترض أن شركة قطرية تعمل في خدمات الصيانة، وتحقق إيرادات سنوية تبلغ أربعة ملايين ريال، عُرض عليها عقد بقيمة 12 مليون ريال. تبدو الفرصة استثنائية، لكنها تتطلب توظيف عمالة إضافية، وشراء معدات، وتقديم ضمانات مصرفية، مع احتمال تأخر تحصيل المستحقات. ورغم جاذبية الأرباح المتوقعة، تكشف الدراسة عن أن شروط العقد تنقل إلى الشركة أعباء مالية وتشغيلية كبيرة، وقد تؤثر في جودة خدماتها لعملائها الحاليين. هنا يتخذ صاحب المشروع قراراً قد يبدو غير متوقع: يرفض التوقيع بالشروط الأصلية، ويقترح تقسيم التنفيذ إلى مراحل وتخفيف الالتزامات المسبقة، حتى لو أدى ذلك إلى انخفاض هامش الربح. وإذا لم يقبل العميل، فإنه ينسحب. هذه حالة افتراضية من بيئة الأعمال القطرية، لكنها توضح درساً مهماً: ليست قيمة العقد هي التي تحدد جودته، بل العائد الذي يحققه مقارنة بالمخاطر والالتزامات المصاحبة له. لا تنخدع بالأرباح المتوقعة قد تبدو الأرقام مشجعة في دراسة الجدوى، لكن التوقعات ليست حقائق مؤكدة. فالأسعار قد تتغير، وتكاليف التشغيل قد ترتفع، والعملاء قد يتأخرون في السداد، والمنافسة قد تكون أشد مما تشير إليه الدراسات الأولية. ولهذا لا يكفي إعداد سيناريو متفائل، بل ينبغي اختبار القرار في ظروف أقل ملاءمة. فماذا يحدث إذا انخفضت المبيعات عن المتوقع؟ أو تأخر تنفيذ المشروع؟ أو ارتفعت تكاليفه بنسبة مؤثرة؟ وتكمن أهمية هذا الاختبار في كشف نقاط الضعف قبل الالتزام، وتحديد ما إذا كان الأفضل تعديل حجم الاستثمار، أو تغيير توقيته، أو إعادة التفاوض على شروطه. فدراسة الجدوى الجيدة لا تكتفي بتوضيح أسباب النجاح المحتمل، بل تكشف أيضاً الظروف التي قد تجعل القرار غير مجدٍ. اختبر الفكرة قبل أن تدفع ثمنها كاملاً من المبادئ المهمة في الإدارة الريادية تحويل الافتراضات إلى اختبارات محدودة قابلة للقياس. فمن يريد إطلاق منتج جديد ليس مضطراً إلى استئجار مصنع أو تكوين مخزون كبير قبل التأكد من وجود طلب حقيقي. يمكنه البدء بنموذج أولي، أو إنتاج كمية محدودة، أو الحصول على طلبات شراء مؤكدة قبل التوسع. والاختبار الجيد لا يهدف إلى تأكيد قناعة صاحب المشروع، بل إلى اكتشاف ما قد يكون خاطئاً فيها بأقل تكلفة ممكنة. فقد تكشف تجربة صغيرة عن ضعف الطلب قبل أن يتحول إلى خسارة كبيرة. المنافسة… ما قد تغفله التوقعات المتفائلة قد ينجح رائد الأعمال في تقدير تكاليف مشروعه، ويتأكد من وجود طلب على منتجه، ثم يفاجأ بأن السوق لا يمنحه الحصة التي توقعها. فوجود الطلب لا يعني بالضرورة أن العملاء سيختارونه، خصوصاً عندما يواجه منافسين يتمتعون بعلاقات راسخة مع العملاء، أو تكاليف أقل، أو قدرة أكبر على خفض الأسعار. وهنا يقع بعض رواد الأعمال في خطأ شائع، حين يبنون توقعاتهم على حجم السوق، دون أن يدرسوا نصيبهم الواقعي منه. فقد يكون السوق كبيراً وينمو بسرعة، لكن ذلك لا يضمن نجاح كل من يدخله. ولهذا لا يكفي أن يسأل رائد الأعمال: هل يوجد طلب على المنتج؟ بل ينبغي أن يسأل أيضاً: لماذا سيشتري العميل مني بدلاً من المنافس؟ وهل أستطيع المحافظة على هذه الميزة إذا خفض المنافسون أسعارهم أو قدموا خدمة أفضل؟ وتزداد المخاطرة عندما يعتمد المشروع على السعر المنخفض وحده لجذب العملاء، دون امتلاك ميزة في الجودة أو الكفاءة أو الخدمة. فقد ينجح هذا الأسلوب مؤقتاً، لكنه قد يتحول إلى منافسة سعرية تستنزف الأرباح. فالفرصة الاستثمارية لا تُقاس بحجم الطلب وحده، بل بقدرة المشروع على الحصول على حصة مربحة منه والمحافظة عليها في مواجهة المنافسين. أربعة معايير تفصل المخاطرة المحسوبة عن التهور يمكن التمييز بين المخاطرة المحسوبة والمغامرة غير المدروسة من خلال أربعة معايير مترابطة. أولها حد الخسارة، أي تحديد حجم الخسارة المحتملة في ظروف سلبية معقولة، ومقارنتها بالموارد التي يمكن تخصيصها للمشروع دون الإضرار بالأنشطة القائمة. وثانيها القدرة على الاستمرار، ويقصد بها توافر الموارد المالية والتشغيلية اللازمة للوفاء بالالتزامات إذا تأخرت النتائج أو تغيرت ظروف السوق. أما المعيار الثالث فهو التحقق من الطلب والميزة التنافسية، فلا يكفي وجود سوق للمنتج أو الخدمة، بل ينبغي التأكد من وجود عملاء مستعدين للشراء، وسبب واضح يجعلهم يفضلون المشروع على منافسيه. ويأتي المعيار الرابع، وهو إمكانية التراجع، ليحدد مدى سهولة تعديل الاستثمار أو تقليصه أو إيقافه إذا لم تتحقق النتائج، والتكاليف المترتبة على ذلك. وتكمن قيمة هذه المعايير في أنها تنقل النقاش من الحماس للفكرة إلى تقييم شروط تنفيذها، وتساعد على الاختيار بين المضي في الاستثمار أو تنفيذه تدريجياً أو إعادة تصميمه. متى يتحول الإصرار إلى خطأ إداري؟ من أصعب القرارات التي يواجهها رائد الأعمال الاعتراف بأن مشروعاً لم يحقق النتائج المتوقعة. فبعد استثمار الوقت والمال والجهد، قد يشعر أن التوقف يعني ضياع كل ما أنفقه. وهنا يظهر ما يعرف في الاقتصاد السلوكي بمغالطة التكاليف الغارقة، عندما تؤثر الأموال التي أُنفقت ولا يمكن استردادها في قرار الاستمرار، رغم أنها لا ينبغي أن تحدد جدوى الإنفاق المستقبلي. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كم أنفقنا حتى الآن؟ بل: هل ما سننفقه من اليوم فصاعداً يبرره العائد المحتمل والمخاطر المتبقية؟ وقد يكون الاستمرار في بعض المشروعات قراراً سليماً إذا ظهرت مؤشرات جديدة تدعم نجاحها، بينما يصبح التوقف في مشروعات أخرى ضرورة اقتصادية. فالقرار الرشيد لا يستند إلى الرغبة في إثبات صحة الاختيار السابق، وإنما إلى مقارنة البدائل المتاحة في الوقت الحاضر. كما أن الاقتراض ليس تهوراً في ذاته، والتوسع السريع ليس خطأً دائماً؛ فكلاهما قد يكون مناسباً إذا استند إلى مبررات اقتصادية واضحة وإدارة فعالة للمخاطر. من ثقافة المغامرة إلى ثقافة القرار تحتاج الاقتصادات الحديثة إلى رواد أعمال مستعدين لتجربة أفكار جديدة، ودخول أسواق غير مألوفة، وتطوير منتجات وخدمات تخلق قيمة اقتصادية حقيقية. لكن تشجيع ريادة الأعمال لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للمغامرة دون تمييز. فالمجتمع الذي يحتفي بسرعة النمو وحدها قد يغفل أهمية المشروعات التي تتطور بتدرج، وتتعلم من تجاربها، وتبني ميزتها التنافسية على أسس متينة. كما أن نجاح قرار محفوف بمخاطر غير مدروسة لا يجعله قراراً سليماً بالضرورة، تماماً كما أن خسارة مشروع مدروس لا تعني أن صاحبه كان متهوراً. فالنتائج تتأثر بعوامل لا يمكن السيطرة عليها بالكامل، أما جودة القرار فتُقاس بالمعلومات والبدائل والتقديرات المتاحة وقت اتخاذه. ولهذا فإن بناء بيئة ريادية ناضجة يتطلب تغيير السؤال الذي نطرحه على أصحاب المشروعات. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن حجم الاستثمارات وعدد الفروع ومعدلات النمو، ينبغي أن نسأل عن جودة القرارات التي أنتجت هذا النمو. فليست كل خسارة فشلاً، لكن الخسارة التي تحرم رائد الأعمال من فرصة المحاولة مجدداً تكشف خللاً في إدارة المخاطرة. والنجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه المشروع في فرصته الأولى وحدها، بل بقدرته على التعلم والتطور واغتنام الفرص التالية.
1263
| 03 نوفمبر 2026