رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا كان التدليس السياسي استثناء في المجتمعات الديمقراطية التعددية، فهو أصل وقاعدة في مجتمعات الصوت الواحد.
(١)
في شهر نوفمبر الماضي اختارت قواميس أكسفود مصطلح «ما وراء الحقيقة» الذي هو ترجمة عربية لكلمة post truth ليكون مصطلح سنة ٢٠١٦، نظرا لذيوعه ورمزيته في أحداث العام. وعرفته باعتباره يشير إلى الحالة أو الظروف التي يتضاءل خلالها تأثير الحقائق الموضوعية على صياغة الرأي العام في حين تهيمن عليه العاطفة والمعتقدات الشخصية. الأمر الذي يصنع وعيا كاذبا لدى الجماهير لا صلة له بحقائق الواقع. بكلام آخر فإن المصطلح يعبر عن الحالة التي تطلق فيها الأكاذيب واحدة تلو الأخرى، على نحو يحدث تراكما لدى الجماهير، يحولها بمضي الوقت إلى حقائق ومسلمات يصدقها الناس ويتداولونها فيما بينهم. والنموذج الذي يشار إليه في هذا الصدد يتمثل في انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب الذي جاء تعبيرا عن فاعلية حملة الأكاذيب. عبرت عن ذلك روث ماركوس كاتبة «الواشنطون بوست» التي نشرت مقالا في ٥ / ١٢ كان عنوانه «مرحبا بكم في رئاسة ما وراء الحقيقة»، ذكرت فيه أن الأكاذيب كان لها الفضل في وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وكلما زادت الأكاذيب التي يتفوه بها، زادت المكافآت التي قدمها له الناخبون، الذين رأوا أنه يقول الحقيقة دون تزيين.
أضافت الكاتبة قائلة إننا «الأمريكيين» اقتنعنا بمقولة الرئيس الثاني للولايات المتحدة جون آدامز (عام ١٧٧٠) التي ذكر فيها أنه بغض النظر عن رغباتنا وميولنا أو ما تمليه علينا عواطفنا، ليس بإمكاننا تغيير الحقائق والأدلة». إلا أن تلك المقولة عفا عليها الدهر فيما يبدو بعدما حدث في تجربة الرئيس الخامس والأربعين دونالد ترامب. ذلك «أننا انتخبنا رجلا لا يأبه للحقيقة، ويقف بصلابة في وجه أى جهود للتحقق مما يطلقه من تصريحات». أضافت السيدة ماركوس أن ترامب ليس أول الرؤساء الأمريكيين الكاذبين، ولكنه أكثره كذبا، ونقلت عن السكرتير الصحفي السابق للبيت الأبيض لاري سبيكس قوله «إذا ما كررت القصة خمس مرات تصبح حقيقة». ونقلت عن الفيلسوفة الألمانية حنا ارندت قولها قبل نصف قرن «ثمة عدم تناغم بين قول الحقيقة والسياسة، ولا أحد في حدود علمي سبق أن اعتبر الصدق واحدا من الفضائل السياسية».
(٢)
ما سبق ليس رأيا خاصا عبرت عنه الكاتبة الأمريكية، لأن الصحف الغربية عموما والأمريكية خصوصا حفلت بعديد من الكتابات التي تناولت أكاذيب ترامب وفريقه. فصحيفة نيويورك تايمز نشرت مقالة لبول كروجمان الاقتصادي الأمريكي الكبير الحائز على جائزة نوبل ذكر فيه أن «ترامب أغرانا وخدعنا» وآدم سيرور كتب في «ذي اتلانتيك» منتقدا عالم ترامب الموازى الحافل بالأكاذيب. وقال إنه وفريقه «من طينة أناس يسعهم إعلان أن السماء خضراء من دون أن يرف لهم جفن». وتحدث فيرنر موللر أستاذ النظرية السياسية وتاريخ الأفكار بجامعة برينستون عن شعبوية ترامب وأنصاره الذين يسوقون مختلف الحجج لإلغاء مخالفيهم وادعائهم تمثيل كل الشعب.
أما أستاذ الفلسفة بجامعة كاليفورنيا الفا نومي فقد ذهب إلى أن زمن ما وراء الحقيقة سابق على عهد ترامب، لأن الكذب السياسي له تاريخ طويل في التجربة السياسية.
في هذا السياق قرأت تحليلا لظاهرة ترامب وزمن ما بعد الوقائع كتبه خبير الشؤون الأمريكية الزميل حسن منيمنة في صحيفة الحياة اللندنية (عدد ١١ / ١٢) تحدث فيه عن أن الأكاذيب والأضاليل إذا صارت سمة الهوامش الثقافية فهو أمر مقدر، لكن أن تكون الصفة الغالبة على الحوار السياسي فأمر مقلق. أما أن تصل الظاهرة إلى موقع الرئاسة وأن بالكامل فأمر خطير ذو تداعيات أكيدة. ومما ذكره أن اليمين الجمهوري الذي يحيط بترامب تجتمع فهي نظريات المؤامرة بالغيبيات والعنصرية والصلافة. حيث يصبح خطابه نموذجا لتغييب الوقائع والمعطيات من قبيل الادعاء بأن هيلاري كلينتون ومن معها يديرون شبكة دعارة للأطفال تتعاطى لحوم البشر في إطار طقوس شيطانية ويمسى الاعتراض على هذا التيه بحد ذاته مؤامرة ومسعى إلى منع تقصى الحقيقة وحرية التعبير.
(٣)
الحوار حول بروز ظاهرة «ما وراء الحقيقة» تزامن مع إعلان نتائج دراسة أجراها فريق من الباحثين البريطانيين والكنديين حول «زرع الذاكرة الكاذبة». وقد وقعت على خلاصة تلك الدراسة في تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط (عدد ٩ / ١٢) تبين منها أن كثيرا من الناس يتذكرون أحداثا لم تقع قط، ومع ذلك فإنهم يبدون على ثقة من وقوعها جراء الإلحاح على تزوير أو خلط المعلومات أثناء عرض الأخبار، نتيجة تكرارها على مسامعهم بصياغات مختلفة في العديد من المناسبات. وهو ما يؤدي إلى تكوين ذاكرة جمعية خاطئة. الأمر الذي يؤثر على سلوك الناس ومواقفهم الاجتماعية فضلا عن السياسية. وهو ما دعا الباحثين إلى التشكيك في دقة وصحة أقوال الشهود في استنادهم إلى الذاكرة أثناء التحقيقات الجنائية وداخل قاعات المحاكم.
نشر الدارسون نتائج أعمالهم في ثمانية أبحاث تضمنتها مجلة «ميموري» لدراسات الذاكرة وقد خصصت كلها لجوانب مختلفة لموضوع «زرع الذاكرة الكاذبة». وأشرفت على العملية الدكتورة كمبرلى وايد بجامعة واريك البريطانية وأسهم فيها اثنان من الباحثين الكنديين. وأظهرت دراسة الدكتورة وايد أن الأشخاص الذين تقدم لهم معلومات متخيلة عن أحداث في بداية أعمارهم، ويقومون مرارا وتكرارا بتخيل أن تلك الأحداث وقعت لهم، يتعرض نصفهم إلى التصديق بوجودها فعلا. وظهر أن نصف ما مجموعه ٤٠٠ مشارك في عملية زرع الذاكرة هذه، من الذين عرضت عليهم معلومات كاذبة عن حياتهم، اعتبروها جزءا حقيقيا من تاريخهم. وقال ٣٠٪ منهم إنهم «يتذكرونها» وتحدثوا بالتفصيل عن جوانبها. بينما قال ٢٣٪ آخرون إنهم يعتبرون تلك الأحداث جزءا من تاريخهم.
(٤)
معهم حق الباحثون حين تستنفرهم ظاهرة الكذب السياسي أو زراعة الذاكرة الكاذبة. فتلك ممارسات تشكل استثناء على منظومة القيم السائدة في مجتمعات الديمقراطية. فضلا عن أن أجواء الحرية والتعددية المتاحة لهم تمكنهم من كشف مواضع التدليس وتبصير الناس بالحقائق الخافية. إلا أن المشكلة أكبر بكثير في المجتمعات غير الديمقراطية التي يهيمن عليها الصوت الواحد، التي تضمن ضخ الأكاذيب طول الوقت بما يكفل غسل الأدمغة وتعميم الذاكرة الكاذبة.
الحاصل في سوريا يعد نموذجا صارخا يدلل على ما ندعيه. فالخطاب الرسمي بأبواقه المختلفة يروج للادعاء بأنه تم تحرير حلب من «الإرهابيين»، في حين أن النظام الذي أطلق المقولة مسؤول عن قتل ٤٠٠ ألف سوري وإعاقة ضعفهم وتهجير ونزوح عشرة ملايين آخرين. علما بأن أغلب المنظمات التي تقاتله خرجت من عباءة مقاومة إرهاب النظام الذي أذل السوريين منذ أكثر من ثلاثين عاما. وكانت عناصر تلك المقاومة قد دعت إلى التأثير السلمي منذ ست سنوات، ولكنها قوبلت بالبطش والتنكيل وغير ذلك من الممارسات التي تعد جرائم ضد الإنسانية. مع ذلك يراد لنا أن نصدق أن الإرهابيين هم من قاموا بالاستبداد وأن النظام القائم هو من قاد عملية التحرير (بواسطة الروس والإيرانيين).
في عالمنا العربي قائمة طويلة من العناوين والشعارات الأخرى التي أطلقت خلال السنوات الأخيرة، وشكلت وعيا عاما لم يعرف وجه الحقيقة فيه. ولكن الإلحاح الإعلامي صاحب الصوت الواحد حول العناوين الملتبسة، من خلال الذاكرة التي تم زرعها، إلى حقائق ومسلمات مستقرة. إذ شمل الالتباس مصطلح «الربيع العربي» الذي أصبح يطلق عليه وصف «الخراب العربي» في العديد من منابر الإعلام، وجرى الربط بينه وبين مظاهر الفوضى التي شهدتها بعض الأقطار، والتي حركتها قوى الثورة المضادة حين سعت إلى إفشال الربيع بكل السبل. وهذا التشويه أصاب ثورة ٢٥ يناير في مصر التي صار البعض يشير إليها بحسبانها «مؤامرة» دبرتها قوى أجنبية وليست انتفاضة باهرة للشعب المصري. وبمناسبة المؤامرة فإن ثمة خطابا في مصر دائم الإشارة إلى أن البلد مستهدف وأن الكل يتآمر عليه من جانب «أهل الشر». كما أن الإخوان تحولوا إلى قوة عالمية جندت كبريات الصحف والبرلمانات الغربية واخترقت البيت الأبيض في واشنطون. إلى جانب دورهم في كل جرائم القتل التي استهدفت الشرطة والجيش وصولا إلى دورهم في انسداد بلاعات الإسكندرية ورفع أسعار الدولار.
ولعلى لا أبالغ إذا قلت إن وقائع التاريخ المصري منذ ٢٥ يناير عام ٢٠١١١ وحتى اللحظة الراهنة تمت صياغتها من وجهة نظر واحدة. ولاتزال بحاجة إلى تحقيق وفرز. ذلك أنه صار لدينا تاريخان لثورة ٢٠١١، أحدهما قضائي محايد قامت بتحريره لجنة تقصي الحقائق التي رأسها المستشار عادل قورة، وآخر أمنى نسخ الأول وجرى تصميمه لتبرئة الشرطة من قتل المتظاهرين وتصفية الحسابات السياسية أمام القضاء في وقت لاحق.
ليس الأمر مقصورا على الذاكرة السياسية فحسب، ولكنه شمل أيضا الذاكرة التاريخية. ففي ثنايا الحملة ضد الإرهاب صور البعض التاريخ الإسلامي على أنه رحلة للدم. وبعد تفجير الكنيسة البطرسية جرى انتقاء بعض المعلومات الشاذة في كتب التراث وقدمت باعتبارها «قنابل التكفير». ومنها ما عبر ازدراء أهل الكتاب. ومن شأن كل ذلك أن تظل الحقيقة تائهة وضائعة، بحيث يتم تشكيل المدارك والرأي العام تبعا للأهواء والنزوات السياسية الطارئة.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1015
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
663
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5502
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3066
| 24 سبتمبر 2026