رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
السيناتور الأمريكي "كارل ليفن" صرح قبل أيام لمجلة أخبار الأسبوع الأمريكية بأن قوة الرئيس المصري ظهرت في دعمه لقطاع غزة دون النظر إلى الضغط الأمريكي عليه ما جعل أمريكا ودولة "صهيون" تتسولان وساطته لوقف إطلاق النار.. " وقال السيناتور " ليفن ": ولهذا تدعم الإدارة الأمريكية المعارضة المصرية في الآونة الأخيرة لإسقاط أو لإضعاف الرئيس "مرسي" فهي لا تريد زعيما عربيا قويا يقف ضد مصالحها ولن تهدأ حتى تسقطه أو تضعفه بمعارضة تعمل لصالح الغرب".
وأقول: بالتأكيد لا يمكن اتهام السيناتور "ليفن" بمحاباة الرئيس مرسي فهو ليس من وزرائه ولا هو من السلفيين ولا ممن بايعوا مرشد الإخوان المسلمين على السمع والطاعة، وتصريحه ليس بدعا من الفهم ولا النقل فقد وافق كل المنصفين الذين نظروا الحالة الاعتراضية في مصر ووصفوها وشخّصوها ؛ لكنه إن أضاف فقد أضاف معلومة مهمة كانت مجرد تحليل توقعي لعلاقة المعارضة بأمريكا ومخابراتها وغاياتها في المنطقة.. ولعلاقة ما يقومون به من مشاكسات لا متناهية ضد الرئيس بموقفه من العدوان على غزة.. لقد أجاب على سؤال تردد في ذهني كثيرا هو: لماذا كانت دائما ما تنزلق ألسن هؤلاء المعارضين للحديث عن غزة وعن الأنفاق بينها وبين سيناء حتى لو كانوا يتحدثون عن سعر كيلو الطماطم في الصعيد؟ وأجاب على سؤال آخر هو: لماذا أدخلوا الهولوكوست اليهودي المزعوم في أزمة الدستور؟ حقا لقد فكك السيناتور " ليفن " بهذا التصريح ألغازا لا لغزا واحدا وأبان سبب وماهية وهوية هذه المعارضة ووضع النقاط على الحروف..
العجيب أن هؤلاء الذين رضوا أن ينسقوا مع أمريكا وأن يتسخروا في غاياتها الإستراتيجية هم الذين طالما صدّعوا رؤوسنا باتهام الإسلاميين بالعمالة للأجنبي والارتباط بالخارج، والعجيب أن هؤلاء المعارضين لكل شيء وبغير حجة ويسيرون إلى المجهول ويجمدون على مقولات لمجرد القول وعلى معارضات لمجرد المعارضة.. هم الذين كانوا دائما ينعتون الإسلاميين بالظلامية والحجرية والجمود والتخلف والغباء السياسي والتوهان الوطني!
خاب فألهم وانتكس طالعهم وبار ولله الحمد مكرهم وكيدهم.. ثم ها هي الشعوب الواعية تسقطهم، وها هي تختار الإسلاميين عنهم، تختار الإسلاميين اليوم فتجدهم كما صبروا من قبل على ظلم ذوي القربى وتحريض ذوي البعدى، وكما واجهوا كل ذلك بمزيد من الصمود والشموخ والاستمرار في البذل والحكمة.. تجدهم وقد تمكنوا من الحكم ووصلوا إلى الشرعية يصبرون على الإساءات ويكشفون ببراعة ووعي وحكمة المؤامرات ويقدمون سلامة الوطن على سلامة ذواتهم وأحزابهم ومقراتهم.. فيما تسقط أقنعة الآخرين فيلوذون بالفوضى ويلجأون للعبث ويتحالفون مع الجريمة، ويبيعون الوطن بأموال الارتزاق، ويستدعون الاستعمار الأجنبي، ويستنجدون بالعسكر، ويرفضون الاحتكام لصناديق الاقتراع.. ولسان حالهم نارك يا حسني وجهنمك يا إسرائيل أهون من حكم الإسلاميين.
لقد انكشف الغطاء وثبتت الحجة وبانت المحجة؛ انكشف قضاة يفترض أن ميزتهم وأهليتهم ومهنتهم الأساسية هي حماية القانون والتظلل بالدستور فكانوا أول من يكسر القانون وأكثر من يحتقر الدستور وأوقح من يتمرد على الشرعية.. لا يتحرجون من التحالف مع البلطجية والفاسدين والمجرمين وأصحاب السوابق ويستبدلون أقدس معاني العدالة بأوسخ أشكال المناورات والمؤامرات والارتزاق.. وانكشف إعلاميون يفترض أنهم الناقلون الحقيقة.. انكشفوا إذ "يفبركون" الأخبار ويصنعون الأكاذيب ويدلسون على الرأي العام وينتهكون خصوصيات المخالفين كما يفعل السوقة والوضعاء والجهلة والمنحرفون! وانكشف ليبراليون يفترض أن أيديولوجيتهم ونحلتهم تقوم - كما يزعمون- على الديمقراطية والحرية؛ انكشفوا إذ يرفضون التحاكم لصندوق الاقتراع، وإذ يحتقرون الشعب ويجاهرون بالمطالبة بمنع عامة الناس من حق الانتخاب (لأنهم جهلة) حسب رأيهم!!
ولنا أن نسأل هؤلاء - المنتسبين للمعارضات- في مصر أو في غيرها.. ونخص مصر لأنها حلبة الصراع اليوم ولأنها أظهر نماذج القياس والتقصي؛ نسألهم وعلى فرض أن ما يأتون به من طامّات سياسية ومن موبقات وطنية هو مجرد أخطاء غير مقصودة واجتهادات غير محسوبة.. نسألهم: ألا يفكرون في غد؟ وإذا كان الناس قد أسقطوهم وهم جزء من الثورة وقبل أن يتودكوا بكل هذه الافتضاحات فهل سينتخبونهم بعد ذلك؟ وبمنطق الربح والخسارة نسألهم: ألا يفكرون في كسب ود الناس ورضاهم؟ أم يظنون أنهم مستغنون عن الرأي العام فيسيئون إليه كل هذه الإساءات؟
فإن كانوا يراهنون على أن الثورة انقسمت وأن هذا سيشجع الجيش على انقلاب عسكري يوصلهم أو يعيدهم إلى الحكم، أو يراهنون على تدخل غربي وأمريكي وعلى (إسرائيل) فلا ينبغي أن ينسوا أن الانقسام كان قائما منذ الثورة، وأن الجيش كان معهم دائما، ولكنه مع ذلك تنازل عن الحكم بعد أن كان في سدته! وفشل في الاستيلاء على الثورة بعد أن كان يرسم لنفسه البقاء في الحكم وكان يتخذ من الإعلانات الدستورية والصور الإعلامية ما يبقيه فيه! وعليهم أن يتذكروا أن المشير والفريق سكتا عندما أقيلا ولو استطاعا لتكلما وهما من هما في السطوة والسلطة وكان من ورائهما من العسكر والقوات الضاربة من ورائهما؟
وأما التدخل الأجنبي فلو كان ينفع أحدا يقف في وجه الثورة لنفع ولي نعمتهم حسني مبارك الذي كان معه سوى الغرب أكثر من مليون ونصف المليون بين عسكري أمن وعسكري جيش، ولأنقذ نظام الساقط ومنع أن تهان كرامته ثم يحاكم ويجرّم ويسجن هو وأبناؤه وتصادر أموالهم وهم الكنز الإستراتيجي له؟!
آخر القول: فليتركوا الوهم، وليعودوا إلى حقائق الواقع! وليعملوا على كسب ود شعبهم، ولينهجوا العدالة والوطنية، وليسعوا للممكن بالممكن وليسعدوا به تحت القانون وفي إطار الدستور، وليفكروا بطريقة منطقية محترمة وواعية قبل أن يخرجوا من التاريخ وقبل أن تتجاوزهم الأحداث وقبل أن تقلبهم التغييرات.. وعلى كل من لا يزالون يراهنون على الخارج أو الفوضى أو الانقلاب في وجه الإسلاميين أن يقفوا وأن يفكروا وأن يستعيدوا توازنهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
2523
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1215
| 01 أكتوبر 2026