رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اليوم تحقق الحلم وأصبح الوعد واقعاً، حيث توافدت المنتخبات العالمية المشاركة في مونديال قطر 2022 لتنطلق صافرة الحكم الإيطالي دانييلي أورساتو الذي اختير لقيادة المباراة الافتتاحية التاريخية لكأس العالم بين قطر المضيفة والإكوادور، لتتوالى الإثارة التي يشارك فيها 32 منتخباً هي الأقوى في العالم. ومنذ أن أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا فوز قطر بتنظيم المونديال في عام 2010 خفقت قلوب الملايين من القطريين والعرب وهم يعانقون التاريخ وماتت قلوب أخرى غيظاً بسبب فوز قطر بشرف الاستضافة التاريخية لهذا الحدث العالمي الكبير.
واجهت قطر خلال عشر سنوات سيلاً من الاتهامات والافتراءات والأكاذيب دون أي مبرر سوى سعيها لتحقيق نصر للأمة العربية والمنطقة، وقد ظلت منذ انطلاق هذه البطولة والشعوب العربية في مقاعد المتفرجين لكنها اليوم أصبحت في قلب الحدث صانعة للمجد وللتاريخ وأتت شعوب العالم إلى الأرض العربية للاستمتاع بأجواء بطولة استثنائية واستضافة لم يشهد لها العالم مثيلاً. فهي المرة الأولى التي يتمتع بها الزوار بأجواء احتفالية مثالية في جو رفيع من الترفيه والخدمات المتكاملة بما في ذلك شبكة اتصالات دولية متاحة للجميع وشبكة قطاعات مترو مكيفة الهواء مجانية لكل ضيوف المونديال وشعارات للتشجيع حاضرة في كل التجمعات وترحيب دافئ من أهل قطر جميعهم يلمسه الجميع في كل التجمعات الرياضية ومناطق استضافة المشجعين.
لقد استضافت قطر المونديال لتؤكد للعالم أن المنطقة غنية بتراثها ولها حضارتها وقدراتها على صناعة الحدث وأنها قادرة على استقبال هذه التجمعات الكبيرة من الجماهير وتوفير احتياجاتها وكامل خدماتها. لقد كان قدر الشعوب العربية لسنوات طويلة أن تبقى في مقاعد المتفرجين وانتقلت اليوم إلى مقعد المنظمين وسيتاح للعرب قريبا المنافسة على الكأس الغالية والوصول إلى المباراة النهائية.
لم تهتم قطر للافتراءات وحملات التضليل والتشويه لأنها كانت تدرك مآل هذه الحملات ومصيرها فالحقيقة دوما ستهزم الأكاذيب وها هي جماهير العالم تصل إلى الدوحة ولم تجد إلا الاستعداد الاستثنائي وكرم الضيافة العربي الأصيل ووجدت العمال وهم يسبقون الجميع للمشاركة في المهرجانات الاحتفالية والأجواء الرياضية العالمية يعبرون عن انتمائهم إلى البلدان التي يحبونها ويبادلهم الجميع ذات الود والمحبة والانتماء إلى الشعار.
المشروعات التي أنجزتها قطر لم يكن هدفها المونديال فقط، فهي جزء من رؤية قطر الوطنية 2030 ومشروعات البنية التحتية المخطط لها تزامنت مع هذا الحدث فآتت أكلها مرتين ليستفيد منها زوار قطر من كل شعوب العالم قبل أهل قطر من مواطنين ومقيمين وهذا هو الأصل في الأعمال العظيمة التي يتجاوز أثرها صانعها ليستفيد منها الجميع.
والفائدة التي تحققت من هذه الاستضافة هي تسريع الاستفادة من مشروعات البنية التحتية الكبرى، فكانت الطرق والجسور والأنفاق والطرق السريعة هي حديث كل من زار قطر لتقدم قطر نموذجا في الإرادة والرغبة في العمل والتخطيط السليم لمواكبة متطلبات النمو والتطور وصناعة المستقبل المزدهر.
والفائدة الثانية أن المونديال استنهض همم الشباب والمواطنين في الابتكار والريادة وإطلاق المشروعات التجارية والاستثمارية والخدمية لاستقبال زوار وضيوف قطر وتوفير الخدمات المختلفة لهم وبأعلى معايير الإنجاز والمواصفات. لقد ركزت القيادة الحكيمة على الاستثمار في الإنسان باعتباره الهدف الرئيس للتنمية والتطور والرفاهية وبناء الأوطان. وقد كسب أهل قطر الرهان فقد شارك الكل في صنع الإنجاز وعلى كافة المستويات ولم يتخلف حتى الصغار عن التطوع في خدمة المونديال.
والفائدة التي تحققت من هذا المونديال تمثلت في الدهشة التي لمسها الناس في وجوه زوار قطر وهم يقفون على واقع الاستعدادات الكبيرة وكل أهل قطر أمامهم في فتح الطرقات وتقديم الإرشاد وتوفير كل ما يحتاجونه من متطلبات الضيافة وعلى كافة المستويات. ولأن الحقيقة هي أقوى رسالة يتلقاها الإنسان فسوف تتغير صورة المنطقة في أذهان الكثيرين، خاصة أولئك الذين خدعتهم حملات التضليل والكذب بادعاء أن قطر تسيء معاملة العمال أو تنتهك حقوق الإنسان، ليجدوا أنفسهم أمام بحر من السماحة العربية والكرم القطري الأصيل والمعاملة الإنسانية التي تفرضها علينا تعاليم ديننا الإسلامي ومجتمعنا العربي قبل مواثيق المنظمات الدولية ولجان الحقوق العامة وتقارير وسائل الإعلام.
إن الشعار المرفوع في كل شوارع قطر وميادينها الفسيحة هو مرحب بكم في بلدكم وأنتم بين أهلكم وقطعا سيذهل كثير من الجماهير، التي سمعت لكل الأكاذيب، أمام هذه الروح الرياضية الرفيعة وهذا التقدير العالي للإنسان وكرامته. نعم قطر ترحب بالجميع ودون شروط، لكنها في ذات الوقت تتوقع من الجميع احترام ثقافتها وقوانينها وتقاليد شعوبها المضيافة.
والفائدة الأخرى من فوائد تنظيم المونديال في بلد عربي وفي المنطقة العربية أن المنتخبات العربية ستجد الدعم الجماهيري الكامل لأول مرة، لتلعب بين شعوبها وتحظى بالتشجيع الكافي في كل المباريات التي تخوضها.
إن استضافة قطر للمونديال كسرت قواعد لعبة كرة القدم في شكلها القديم الذي جعل الشعوب العربية دوما ضيفا على هذه البطولة العالمية الكبرى لتصبح الشعوب العربية اليوم في قلب الحدث وفي صناعة الحدث وأصبحت مضيفا مضيافا بعد أن كانت مجرد ضيف وزائر خفيف الإقامة لا تتعدى مشاركته المراحل الأولية للمنافسة على الكأس الغالية.
والدروس المستفادة من هذا الحدث هي التأكيد على أن قطر وكذا بقية الدول العربية لديها ما تقدمه وأنها قادرة على صناعة الحدث وتنظيم مثل هذه البطولات وتوفير المتطلبات الإدارية الدقيقة لها مثل فنون إدارة الجماهير والقدرة على إدارة الفعاليات الكبرى وتوفير المستشفيات والملاعب المناسبة، كل هذه المهام الجسيمة لم تعد مثل الغول والعنقاء والخل الوفي، بل أصبحت قدرات حقيقية نملكها نحن العرب ونستطيع من خلالها التصدي لما هو أصعب وأهم من تنظيم بطولة كأس العالم.
وهؤلاء الذين كانوا يطالبون بعدم خلط السياسة بالرياضة هم من فعلوا ذلك، والذين كانوا ينادون بحرية الإعلام والدفاع عن الحقيقة والالتزام بالموضوعية، وجدناهم قد سقطوا في اختبار المهنية. نعم سقطوا وهم يطلقون الأكاذيب ضد المونديال وليس ضد قطر لأن المونديال لقطر ولكل عربي ولكل دول المنطقة.
سقطوا في اختبار المهنية عندما تجاهلوا الإصلاحات الكبرى التي أنجزتها دولة قطر في ملف العمالة. وسقطوا في اختبار إخفاء الحقيقة وقطر توفر كل متطلبات الاستضافة الاستثنائية ليدّعوا أن آلاف العمال ماتوا في تشييد الملاعب والغريب أن الملاعب اكتملت قبل ما يقارب عامين من إطلاق حملاتهم المسعورة. وسكتت وسائل الإعلام المأجورة عن الحديث عن الخدمات المتكاملة التي توفرت لجماهير المونديال وللفرق المتنافسة مثل ملاعب التدريب والمستشفيات والخدمات الطبية الرفيعة.
ولأن النصر دوما حليف للحقيقة ولمن يعمل، فقد تحول زوار قطر ومشجعو المونديال إلى صحفيين وإعلاميين نقلت كاميرات هواتفهم الذكية الدهشة والجمال والبنية التحتية الرائعة والملاعب المدهشة وأماكن الإقامة الراقية والطرق النظيفة وابتسامة الضيافة التي تشع من وجوه أهل قطر في وجه ضيوف المونديال. تلك الرسائل الإعلامية التي تدفقت على شبكات التواصل الاجتماعي، وهي تحمل ملايين الرسائل الصادقة من أرض الحدث جرفت معها كل رسائل الزيف والتضليل والأكاذيب وأعطتهم درسا مفاده أن العمل والإنجاز لا يُهزَم وأن ضوء الشمس لا يُحجَب بغربال.
هنيئاً لكل أهل قطر، وهنيئاً لكل زوار قطر، وهنيئاً لكل المشجعين، ومبروك لقطر فوزها الساحق في مباراة الاستضافة والضيافة والتنظيم، ونتمنى للعنابي إكمال لوحة الجمال بانتصار عريض في كل مبارياته. والتحية لكل من ساهم في هذا الإنجاز الكبير.
رئيس التحرير
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4530
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
3138
| 29 يونيو 2026
في القطاعات التي تتحرك بسرعة، لا يكون التأخر مجرد بطء إداري، بل قد يتحول إلى خسارة في الكفاءات والفرص والاستثمارات. وقطاع التدريب والتطوير المهني من أكثر القطاعات التي لا تحتمل الانتظار، لأنه يتعامل مباشرة مع الإنسان، ومع جاهزيته لسوق العمل، وقدرته على مواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية. ومع ذلك، ما زلنا أحيانًا ندير التدريب بمنطق يراقب الإجراء أكثر مما يقيس الأثر، ويهتم بمن يقدّم البرنامج أكثر من اهتمامه بما أحدثه البرنامج في أداء المتدرب. هل وُجد التنظيم لحماية جودة التدريب، أم أصبح التدريب مطالبًا بحماية نفسه من تعقيدات التنظيم؟ لا أحد يعترض على وجود ضوابط تحمي المجتمع من البرامج الضعيفة والممارسات غير المهنية والادعاءات المضللة، بل إن القطاع يحتاج إلى حوكمة جادة ورقابة عادلة. لكن الإشكال يبدأ عندما لا تكون حدود الاختصاص واضحة، وعندما تتعدد الموافقات والتفسيرات، وتُفرض متطلبات لا يعرف المستثمر أو المدرب أساسها التنظيمي أو القانوني، فالتنظيم الذي لا يستطيع المعنيون فهمه، أو معرفة مرجعيته، أو التنبؤ بقراراته، لا يبني الثقة في السوق مهما كانت النوايا جيدة. التدريب ليس نشاطًا جانبيًا، ولا ساعات تُستكمل للحصول على شهادة، إنه جزء من بناء رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية، ورفع جاهزية الشباب والموظفين. التعليم يمنح الإنسان أساس المعرفة، أما التدريب فيحوّل المعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى أداء، والأداء إلى نتيجة، ولهذا لا يمكن إدارة التدريب بعقلية التعليم التقليدي، فالتدريب يقوم على المرونة، وسرعة الاستجابة، والارتباط المباشر باحتياجات المؤسسات وسوق العمل. وحين نحمّله إجراءات لا تتناسب مع طبيعته، فإننا لا نرفع جودته، بل نفقد أهم ما يميزه: السرعة والابتكار. من يملك حق الحكم على المدرب؟ من القضايا التي تحتاج إلى مراجعة جادة قضية تصنيف المدربين، فالمدرب لا يصبح مؤهلًا لمجرد إدراج اسمه في قائمة، كما أنه لا يفقد كفاءته لعدم وجوده فيها. الكفاءة التدريبية لا تُقاس بعنصر واحد، بل بمنظومة تشمل التخصص، والخبرة، والقدرة على تصميم المحتوى، وإدارة القاعة، ونقل المعرفة، وسجل الإنجاز، والأثر الفعلي للبرامج. وإذا تقرر إنشاء تصنيف مهني للمدربين، فيجب أن يقوم على معايير معلنة، ومستويات واضحة، ولجان متخصصة، وآلية عادلة للاعتراض والمراجعة. أما أن تتحول بعض المبادرات أو الإجراءات الداخلية تدريجيًا إلى متطلبات ملزمة على السوق من دون توضيح سندها واختصاص الجهة التي فرضتها، فإن ذلك يستحق الوقوف عنده. فالمبادرة تظل مبادرة، ولا تتحول إلى تشريع بمجرد تكرار تطبيقها. المستثمر ليس خصمًا للجهة المنظمة كما أن مركز التدريب المرخص ليس خصمًا للجهة المنظمة، بل شريك في تنمية المهارات الوطنية، فهو يستثمر في المقرات والتقنيات والكوادر وتطوير البرامج، ويوفر فرصًا للمدربين والمتخصصين. والمستثمر الجاد لا يطلب العمل بلا رقابة، بل يطلب أن تكون الرقابة واضحة ومتوازنة، وأن يعرف مسبقًا ما له وما عليه. لا يمكن أن نتحدث عن دعم القطاع الخاص، ثم نضع أمامه متطلبات متغيرة أو إجراءات يصعب التنبؤ بها. ولا يمكن أن نطالبه بالابتكار، ثم نحاصر كل فكرة جديدة بسلسلة طويلة من الموافقات. الرقابة الذكية لا تعطل السوق، بل تميز بين الملتزم وغير الملتزم، ولا تعاقب الجميع بسبب أخطاء البعض. ولا تقيس جودة التدريب من أوراقه فقط، بل من أثره ونتائجه. ما الذي يحتاجه القطاع؟ ما يحتاجه القطاع اليوم ليس مزيدًا من التعقيد، بل مزيدًا من الوضوح، من خلال تحديد الجهة المختصة بتنظيم التدريب، والفصل بين التعليم الأكاديمي والتطوير المهني، ونشر المعايير والاشتراطات، وعدم تحويل المبادرات الاختيارية إلى متطلبات ملزمة إلا بسند معلن، وإشراك المراكز والمدربين في تطوير السياسات المنظمة للقطاع. إلى صانع القرار إن مراجعة منظومة التدريب ليست مطلبًا لفئة محدودة، بل استثمار في قدرة الدولة على تنمية رأس مالها البشري. فكل إجراء غير واضح قد يؤخر برنامجًا يحتاجه موظفون، وكل اشتراط غير مدروس قد يدفع كفاءة متميزة إلى مغادرة القطاع، وكل تداخل في الصلاحيات قد يربك مستثمرًا ويضعف الثقة ويحد من الابتكار. الدول التي تتقدم في الاقتصاد المعرفي لا تنظر إلى التدريب باعتباره ملف تصاريح، بل باعتباره بنية أساسية للتنمية. هل منظومتنا التنظيمية الحالية قادرة على صناعة قطاع تدريب يواكب طموحات الدولة، أم أنها ما زالت تدير قطاع المستقبل بأدوات الماضي؟ هذا السؤال ليس انتقادًا لجهة، بل دعوة إلى مراجعة وطنية مسؤولة. لأن مستقبل التدريب لا يخص المدربين والمراكز وحدهم، بل يخص كل شاب يستعد لسوق العمل، وكل موظف يحتاج إلى التطور، وكل مؤسسة تسعى إلى رفع إنتاجيتها، وكل دولة تراهن على الإنسان بوصفه أعظم استثماراتها.
2124
| 28 يونيو 2026