رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة رسالة مهمة وعاجلة نستخلصها مما تم من انتخابات تشريعية في مصر، خلاصتها أننا بتنا في حاجة إلى خارطة طريق جديدة.
(١)
طبقا للتصريحات الرسمية في مصر فإن انتخابات مجلس النواب تعد الاستحقاق الأخير لخارطة الطريق التي أعلنها «الفريق» عبدالفتاح السيسي في الثالث من يوليو عام ٢٠١٣، إذ تضمنت عشر نقاط رسمت الإجراءات الواجب اتباعها في ترتيب أوضاع السلطة في مصر بعد عزل الدكتور محمد مرسي من الرئاسة وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة البلاد لحين الانتهاء من تعديل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية جديدة.
الشق الوحيد الذي لم ينفذ من الخطة والمسكوت عليه سياسيا وإعلاميا هو ذلك الذي يتعلق بتشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية، ذلك أن اللجنة لم تشكل والمصالحة لم تتم، بالتالي فإن الانقسام ظل قائما ومعه الاحتقان، ليس ذلك فحسب ولكن دائرة الانقسام اتسعت كثيرا، ذلك أن الاشتباك في عام ٢٠١٣ كان بين السلطة الجديدة والإخوان وحلفائهم. لكنه تطور بعد ذلك وتجاوز تلك الحدود. إذ إن الممارسات اللاحقة كشفت عن اشتباكات أخرى أبرزها ما كان مع ثورة ٢٥ يناير التي عرضت للتجريح والهجوم الذي أزعم أنه أعمق في دلالته وأخطر من الاشتباك مع الإخوان رغم ما اتسم به الأخير من قسوة وحدة. إلى جانب ذلك حدثت اشتباكات أخرى مع منظمات المجتمع المدنى الحقوقية بوجه أخص، ومع مجموعة ٦ أبريل، والاشتراكيين الثوريين، إضافة إلى الفئات التي عارضت قانون التظاهر ورفضت المحاكمات العسكرية. كما شمل بعض عناصر النخبة التي كانت جزءا من تحالف ٣٠ يونيو الذي انقلب على الإخوان.
رغم أن الأضواء سلطت طول الوقت على الصراع مع الإخوان، إلا أن اتساع الدائرة جراء الممارسات التي تمت والقوانين التي صدرت نقلت الاشتباك إلى مستوى آخر، بحيث أصبح في جانب كبير منه مع تطلعات ثورة ٢٥ يناير ومع الكيانات والنشطاء الذين أعلنوا انحيازهم إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
حين أصبح المجتمع طرفا في الاشتباك. فإن مسألة المصالحة الوطنية أصبحت أكثر تعقيدا وصعوبة. ذلك أنها بطبيعتها تتطلب إرادة سياسية مستعدة لإجراء مراجعات جوهرية للسياسات والقوانين التي أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. ولأن طبيعة التركيبة الراهنة للسلطة ليست مهيأة لذلك، لم يكن هناك مفر من تأجيل ملف المصالحة حتى إشعار آخر. وكان ذلك في حقيقته تأجيلات للسياسة لصالح استمرار المسار الأمني.
(٢)
لم يكن سارا ولا مطمئنا أن يقدم خبر الانتخابات التشريعية تحت عنوان «مصر تنتخب برلمانا بلا معارضة». وهو العنوان الذي أبرزته صحيفة «الحياة» اللندنية على صفحتها الأولى يوم السبت الماضي ١٧/١٠. في الخبر تفاصيل تؤيد العنوان، تحدثت عن القوائم الثلاث أو الأربع التي شاركت في السياق، منطلقة من موقف الموالاة والتنافس على تأييد الرئيس، في المقدمة منها القائمة الأكثر ارتباطا بالمؤسسة الأمنية، التي تولى ترتيبها ضابط سابق في المخابرات العامة، وضمت خليطا من العسكريين والأمنيين السابقين، إضافة إلى محسوبين على نظام مبارك على حد تعبير مراسل الجريدة بالقاهرة.
رغم أن ذلك التقدير يعد استباقا طالما أن النتائج النهائية لم تعلن، إلا أنه يظل ترجيحا أيده أغلب المحللين والخبراء. إذ لم يعد سرا أن المعارضة بكافة أشكالها أصبحت موضعا للاتهام والتجريح وسببا قويا للاقصاء، حتى جرى ضمها إلى حروب الجيل الرابع. ولا ينسى في هذا الصدد أن مؤسس حزب المصريين الأحرار، المهندس نجيب ساويرس قال في اجتماع لحزبه في ٣٠ سبتمبر الماضي إن مصر لا تتحمل معارضة سياسية في ظروفها الراهنة، لانها تعرقل عمل الرئيس وتعرض البلاد لهزات لا تحتملها. صحيح أن مرشحي القوائم ١٢٠ شخصا يمثلون ٢٠٪ فقط من أعضاء مجلس النواب، وأن نواب المقاعد الفردية (٤٤٨) يشكلون أغلبية الأعضاء، إلا أننا لن نجانب الصواب إذا قلنا إن «ماكينة» المجلس ــ إذا جاز التعبير ــ سيتولاها خلال السنوات الخمس المقبلة نواب القوائم الذين لهم أجندتهم التي لم تكن الأجهزة الأمنية بعيدة عنها.
إذا صح ذلك التحليل فهو يعيد إلى أذهاننا برلمان ٢٠١٠ الذي جرى تصميمه على نحو أعطى الحزب الوطني أغلبية كاسحة، بحيث خلا من المعارضة غالبا لكي يمهد الطريق لتوريث السلطة في عهد مبارك. صحيح أن الأساليب اختلفت «فطبخة» ٢٠١٠ تمت بالتزوير الفاضح، أما الطبخة الراهنة فقد خلت من التزوير، وتكفل حُسن الترتيب والتدبير باللازم.
في ظل ما جرى من ترتيب وتدبير بدا منطقيا أن تغيب المنافسة السياسية بين المرشحين، في حين تبقى المنافسات العائلية والقبلية والجهوية. وإزاء انفراط عقد تحالف ٣٠ يونيو واختفاء رموزه السياسية على الأقل، فقد ساد اقتناع بأنه برلمان اللون الواحد القادم من خارج السياسة، وإن دوره سيظل محصورا في الموافقة والتأييد. من ثَمَّ سيكون معبرا عن السلطة وليس معبرا عن المجتمع. وربما كان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى ضعف الإقبال على التصويت، رغم الجهد الإعلامي الكبير الذي بذل لحث الناس ودفعهم إلى المشاركة، وتوظيف المشاعر الدينية لأجل ذلك. وهو ما دعا عضو مجمع البحوث الإسلامية ومدير جامعة الأزهر الأسبق إلى القول بأن المؤتمرات التي تعقدها قائمة المؤسسة الأمنية تحفها الملائكة بل إن عضوا آخر في مجمع البحوث أفتى بأن دعاة مقاطعة التصويت مفسدون في الأرض. وإن المشاركة واجب شرعي كوجوب الصلاة، التي هي من أركان الإسلام ومن تركها عامدا يخرج من الملة ويعد كافرا.
(٣)
ما حدث (في اليوم الأول للانتخابات من تراجع) للجنيه في مواجهة الدولار، ولصناديق الاقتراع في مواجهة الناخبين، يستحق «المانشيت» الذي خرجت به بعض الصحف في ٢٦ يناير ٢٠١١ (إنذار) ــ والمشكلة أن حسني مبارك وقتذاك لم يقرأ المانشيت جيدا. كان ذلك تعليق الدكتور حازم حسني أستاذ العلوم السياسية المرموق. الذي أورده في تغريدة بثها مساء الأحد ١٨/١٠. والرجل معروف عنه رفضه للإخوان ومعارضته لهم، ولذلك يتعذر تصنيفه في معسكر «الضد». لكنه ضمن نخبة الصف الوطني الذين شاركوا في ثورة ٢٥ يناير وأيدوا غضبة ٣٠ يونيو. وما ذكره الرجل بمثابة قطرة في بحر التعليقات التي كانت مواقع التواصل الاجتماعى ساحتها الوحيدة، لأن وسائل الإعلام المعتمدة دفنت رؤوسها في الرمال وواصلت دورها التعبوي بأشكال مختلفة. وجدنا ذلك في عناوين جريدة الجمهورية التي صدرت أمس (٢٠/١٠) التي ذكرت أن مصر تبهر العالم من جديد ــ الشعب يتحدى الإرهاب. وجدنا.. ذلك أيضا في أصوات بعض مقدمي البرامج التلفزيونية الذين لجأ أحدهم إلى تخويف الناس قائلا إن استمرار المقاطعة سوف يسفر عن انتخاب مجلس لنواب قندهار (في إشارة إلى أن ذلك سيخلي الساحة للسلفيين) ومنهم من لجأ إلى تحذيرهم وتقريعهم قائلا إنكم إذا لم تسارعوا إلى التصويت فليس لكم أن تطالبوا الحكومة بشيء على الإطلاق. أما أغرب تلك التعليقات فكان قول أحد الإعلاميين إن الناس لم يقبلوا على التصويت خوفا على الرئيس السيسي من انتخاب برلمان يقيد حركته ويحد من سلطاته.
في مقابل ذلك قال أحد الظرفاء إنه توقع من رئيس لجنة الانتخابات أن يعلن عبر التلفزيون عن شكره للمصوِّتين ويذكر أسماءهم واحدا واحدا. وقال آخر إنه تطوع بدعوة المصِوِّتين إلى العشاء في مطعم للفول المدمس ووعد بأن يحجز لهم طاولة خاصة في مكان منعزل. وقال ثالث إنه تابع إحدى القنوات الكوميدية فوجدها ثقيلة الظل، لكنه حين تابع قنوات متابعة الانتخابات فإنه لم يتوقف عن الضحك. ونقل رابع حوارا بين اثنين قال فيه أحدهما إنه قرر أن يذهب في اليوم التالي إلى لجنة التصويت للانتخابات، وحين سئل عن السبب كان رده أنه يشعر بالضيق ويريد أن يجلس وحيدا بعض الوقت..إلخ.
أصحاب هذه التعليقات الأخيرة لا علاقة لهم بالإخوان. فأسماؤهم معروفة ومواقفهم معلنة على صفحات الفيس بوك. ولأننى أعرف أغلبهم فبوسعي أن أقول إنهم وطنيون غيورون على بلدهم ومستقبله، وعند الحد الأدنى فهم أكثر وطنية وأشد إخلاصا من المهللين الذين يدفنون رؤوسهم في الرمال ويشغلهم إرضاء السلطة بأكثر مما يشغلهم مصير الوطن.
(٤)
لا نريد تشاؤما ولا إحباطا أو يأسا. وسوف ننجو من كل ذلك إذا فتحنا أعيننا على الحقيقة وصارحنا أنفسنا بمفرداتها. إذ حين يمنح المجتمع المدني في تونس جائزة نوبل لنجاحه في إحداث التوافق الوطني الذي أجلناه، وحين يتزامن إجراء الانتخابات المصرية مع حملتين داخليتين إحداهما لوقف الاختفاء القسري والثانية للتنديد بالإهمال الطبي في السجون، فينبغي أن يدعونا ذلك إلى المقارنة والمراجعة. ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بالمكاشفة والمصارحة قبل فوات الأوان.
إن ما تأجل ليس فقط وعد المصالحة والتوافق الوطني، لكن الذي تأجل في الحقيقة كان حلم الدولة المدنية والديمقراطية، لا نبالغ إذا قلنا بأن خارطة الطريق التي أعلنت في الثالث من يوليو ٢٠١٣ كانت لترتيب الانتقال من حكم الإخوان إلى الوضع المستجد الذي توافقت عليه القوات المسلحة مع بعض الرموز الوطنية المصرية. ومنذ ذلك الحين وحتى إجراء أول انتخابات برلمانية في ظل الدستور الجديد في التاسع عشر من شهر أكتوبر الحالي، قطعنا شوطا أصبنا فيه وأخطأنا وتلقينا دروسا وتعلمنا. وجاءت الانتخابات لتعلن لنا أن المجتمع أو قطاعات عريضة منه ليس راضيا عن مجمل الأداء الذي تم في ظل خارطة ٢٠١٣. وهو تحليل إذا صح فهو يدعونا إلى محاولة التوافق على خارطة طريق جديدة بأسلوب مختلف وعناوين مغايرة، ذلك أننا لا ينبغي أن نتوقع نتائج إيجابية مغايرة إذا اتبعنا نفس الأساليب التي استخدمت منذ عام ٢٠١٣ وحتى الآن.
إن صوت المجتمع بحاجة لأن يسمع والنخبة المعبرة عنه وحدها المؤهلة لوضع خارطة الطريق الجديدة. ومع كل الاحترام للنخبة التي أدارت الفترة من يوليو ٢٠١٣ وحتى أواخر أكتوبر ٢٠١٥، أي طوال ٢٨ شهرا، فينبغي أن نعتبر أن ضعف التصويت في الانتخابات بمثابة شهادة على تراجع رصيدها من الثقة، ودعوة إلى تفكير جديد وخارطة جديدة. تضعها عقول ورموز جديدة.
ليس هذا أوان التعبير عن المشاعر المريضة المتمثلة في البغض والشماتة. لكنها لحظة التعلق بالأمل والسعي إلى المراجعة والتصويب وشحذ الهمة لتحقيق الأحلام المؤجلة ــ وذلك منطلق ينبغي أن نتوافق عليه قبل أن ننتقل للإجابة عبر السؤالين: من؟ وكيف؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
672
| 14 أكتوبر 2026