رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لن نستطيع أن نثبت حضورًا في التاريخ إلا إذا استعدنا أسباب القوة وتخلصنا من إدمان البكائيات والعنتريات.
(١)
عشية سفر الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نيويورك، صدر حكم محكمة جنايات القاهرة بتأييد مصادرة أموال مجموعة من أهم النشطاء المصريين المدافعين عن الحقوق والحريات. وهو الخبر الذي عمته منظمة العفو الدولية وانتقده وأدانه الاتحاد الأوروبي، في اليوم ذاته تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي نتائج دراسة مؤشر الديمقراطية التي أجريت في جامعة كلاجنفورت النمساوية على ١١٣ دولة في العالم، جاءت مصر في ذيلها، إذ احتلت الترتيب ١٠٨، متقدمة قليلًا على سوريا (١١٢) واليمن في آخر القائمة (١1٣). أما في العالم العربي فقد جاءت تونس في المركز الأول، في حين احتلت مصر المركز السادس (بعد الكويت ولبنان والمغرب والبحرين).
الأزمة الاقتصادية تكمل صورة المشهد المصري، ومن أبرز ملامحها اللغط المثار حول جدوى ومخاطر اقتراض عدة مليارات من صندوق النقد الدولي، والإشارات إلى ودائع قادمة من بعض دول الخليج، (جريدة «الشروق» تحدثت في عدد ١٨/٩ عن بنوك حكومية مصرية تتفاوض مع مؤسسات عالمية وخليجية للحصول على قروض دولارية. وأبرزت «المصري اليوم» في ١٧/٩ أن «ملف القروض» على أجندة السيسي في نيويورك).
بشكل موازٍ سلطت بعض صحف القاهرة في يوم سفر الرئيس الأضواء على وجه آخر للمشهد ظهرت فيه مصر في دور «الضحية»، التي تستهدفها حملات التآمر والحصار الخارجي، ذلك أن جريدة «الأهرام» نشرت تقريرًا على الصفحة الأولى تحدث عن تفاصيل خطة فرض حصار على مصر. وورد فيه النص التالي: اشتدت في الأيام الأخيرة معدلات التقارير الدولية التي تتناول الشأن المصري في عدد من الصحف والمجلات المعروفة في الغرب، وجاءت في معظمها تحمل لغة عنيفة، وتنقل عن مصادر تناصب السلطة في مصر العداء، بهدف تشويه صدره الحكم وإشغال الحكومة المصرية بملاحقة الشائعات لتحقيق أهداف أخرى.
هذا الذي أجملته الأهرام يوم ١٨/٩ فصلت فيه جريدة «الوطن» قبل ذلك بثلاثة أيام. إذ نشرت تقريرًا ورد فيه ما نصه: وجهت ٦ صحف ووسائل إعلام عالمية، خلال يومين متتاليين هجومًا متزامنًا على نظام الحكم في مصر، وزعمت أنه تسبب في تدهور حالة الاقتصاد والوضع السياسي في البلاد، وقالت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، إن الحكومة لجأت خلال الأعوام الثلاثة الماضية إلى بناء عشرات السجون لاستيعاب كميات كبيرة من المعتقلين فيما قالت صحيفة «إندبندنت» البريطانية: إن «الرئيس السيسي أعلن أن عام ٢٠١٦ هو عام الشباب، فتحول إلى عام سجن واعتقال الشباب».
وقالت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية في تحليل كتبه زافي بارئيل: «عند البحث عن أسباب الأزمة الاقتصادية في مصر فلا يمكن إغفال وجود وحش عملاق ومخيف يتحكم في مقاليد الاقتصاد، وهو الجيش الذي بات يتحكم في الاقتصاد»، وادعت صحيفة «هافينجتون بوست» في نسختها البريطانية، أن «بريطانيا وضعت نفسها في موقف مقلق بسبب علاقاتها الوثيقة مع النظام العسكري في مصر»، كما انتقدت شبكة «ايه بي سي نيوز» الأسترالية دعوة رئيس الوزراء الأسترالي مالكوم ترنبول، الرئيس السيسي إلى زيارة «سيدني» بسبب ما وصفته بانتهاك الحريات.
(٢)
ما سبق يمكن قراءته من زوايا عدة، أهمها في السياق الذي نحن بصدده ما يتعلق بسمعة مصر في الخارج، وصورتها التي سبقت زيارة الرئيس لنيويورك. وهو ما ينعكس على وزنها وما تملكه من أوراق في مخاطبة المجتمع الدولي. ومصر في هذه الحالة لا تمثل نفسها فقط لكنها تعد أيضًا واجهة للعالم العربي، على الأقل بحكم ثقلها التاريخي ووضعها الجغرافي وحجمها السكاني، علما بأن الأوزان لا تحددها الخطب الرنانة ولا عبارات التمجيد والنفخ في الذات، لكنها تقاس بمعايير قوتها على أرض الواقع، على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية. ونفوذ أي دولة وحضورها في مجرى التاريخ المعاصر مرهون بقدر نصيبها من تلك المعايير.
لسنا نبالغ إذا قلنا إن الوضع المصري المتأزم سياسيًا واقتصاديًا يعكس بدرجة أو أخرى حال الأمة العربية، الذي يشبه في تدهوره الراهن حال الإمبراطورية العثمانية في بداية القرن العشرين، حين تهاوت أركانها وتحللت حتى طمع فيها الطامعون من كل حدب، البريطانيون والفرنسيون والإيطاليون واليونانيون والأمريكان.
الفرق الأساسي بين ملابسات تفسخ الإمبراطورية العثمانية وانهيار النظام العربي، أن العثمانيين ظلوا طوال ستة قرون مصدر قلق لأوروبا، ولذلك تكالب عليهم الطامعون حين حل بها الضعف فمزقوا أطرافها، ووصلوا بقواتهم إلى الأستانة ذاتها، ولولا تدخل الجيش التركي وصموده لاختفت الدولة ذاتها. أما في العالم العربي فإنه لم يعد يهدد أحدًا أو يزعجه في الوقت الراهن، بل إن إسرائيل التي تعد أعدى أعدائه لم تعد قلقة من دول المنطقة (الحاخام تيربن ارتسي أحد الحاخامات الشرقيين البارزين ألقى موعظة في كنيسة بالقدس المحتلة يوم السبت ١٧/٩ دعا فيها بطول العمر لبعض الزعماء العرب. وزميله الحاخام يوئيل بن نون نشر مقالة في صحيفة «ميكور ريشون» في ٣/٩ وصف فيها التغير الذي حدث في مصر بأنه «أهم معجزة حدثت لإسرائيل»). وإذا كان بعض المتطرفين العرب يزعجون أوروبا، فمعروف أنهم يمثلون أنفسهم وليس دولهم.
في أعقاب الحرب العالمية الأولى اقتسم الأوروبيون تركة «الرجل المريض» في اتفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦، أما العالم العربي في الوقت الراهن فإن تحلله الداخلي لم يكن بفعل قوى الخارج، لأن الوهن الذي أصاب الأمة كان نتيجة للتفاعلات المحلية والتدخلات الإقليمية، الأمر الذي وفر على القوى الكبرى عناء تدخلها. وإذا كان تقسيم الإمبراطورية قد تم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، فإن تمزق العالم العربي وانفراط عقده حدث بعد خروج مصر من الصف العربي وتوقيعها اتفاقية الصلح مع إسرائيل في عام ١٩٧٩. فمصر تراجعت أسهمها على النحو الذي رأيت. والسودان صار بلدين وفلسطين غرقت في وحل التنسيق الأمني مع إسرائيل والعراق دمر وكذلك سوريا وليبيا واليمن. وانتهى الأمر بأن صار مستقبل العالم العربي بيد القوى الأخرى، أمريكا وروسيا وإيران وإسرائيل، يشهد بذلك الاتفاق الأخير بين موسكو وواشنطن حول سوريا، والدور الذي يقوم به المبعوثون الدوليون في اليمن وليبيا. في الوقت ذاته وجدنا نفرًا من الخبراء والسياسيين الأجانب يتسلون بإعادة رسم الخرائط الجديدة للعالم العربي. فسمعنا عن مشروع الشرق الأوسط الجديد ومشروع الفوضى الخلاقة، وصولًا إلى الخرائط التي أعدها البعض ونشرتها الصحف الغربية (نيويورك تايمز) التي رشحت ٥ دول عربية للتقسيم بحيث تصبح ١٤ دويلة صغيرة.
(٣)
الخلاصة أن العالم العربي -ومصر على رأسه- فقد أهميته الإستراتيجية، ليس فقط بسبب تمزقه وضعفه السياسي واستقواء أنظمته على شعوبها، ولكن أيضًا لأن العالم الغربي أصبح متجهًا مع باراك أوباما باتجاه الشرق الأقصى، حيث النمو الاقتصادي الهائل والسيولة النقدية الكبيرة. علما بأن العرب بما فيهم دول الثراء النفطي لا يمثلون أكثر من نسبة تتراوح بين واحد و٢ في المائة من الاقتصاد العالمي. ويبقى أن كل ما يريده العالم الغربي من العالم العربي ثلاثة أمور هي: مكافحة الإرهاب ومسايرة إسرائيل واستمرار تدفق النفط. وهو ما يسهل تحقيقه دون مؤامرات ولا مغامرات إعادة ترسيم حدود قد تكلف الكثير.
الفقرة السابقة اقتبستها من مقالة للكاتب السوري ناصر الرباط نشرتها صحيفة «الحياة اللندنية» في ١٦/٩ الحالي. وقد نوه فيها إلى أننا «مازلنا نعيش عصر لعبة الأمم، رغم أن العالم تجاوزها، ورغم أننا بدأنا نفقد الكثير من مقوماتنا كأمم لتلعب لعبتهم (وها نحن) نرى الأمم الأخرى في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية قد نفضت عن نفسها الشعور بالغبن التاريخي ونمطية صورة الضحية، والاحتكام إلى نظرية المؤامرة في تفسير أخطائها ومطباتها ومشكلاتها وهزائمها. وأخذت واقعها وسياساتها ومصالحها واقتصاداتها ومخططاتها المستقبلية بيدها. أما العالم العربي فلا يزال مكبلًا بكل تلك القيود المؤامراتية الصحيح منها والمتخيل، ومحبطين نفسيًا وسياسيًا واجتماعيًا. لذلك لا مفر من الاعتراف بأنه بصورته تلك أصبح مفتقدًا لشروط النهضة والانخراط في التاريخ.
(٤)
أقرأ في مصر هذه الأيام كتابات تتوزع بين البكائيات والعنتريات. الأولى لا تكف عن النواح والتنديد بالمؤامرات التي تحاك ضد نظامها في الخارج، وهي التي تتركز بالدرجة الأولى على أنشطة المعارضين المصريين. وفي المقدمة منهم التنظيم الدولي للإخوان، الذي يصور باعتباره قوة أخطبوطية عظمى تحرك سياسيين وإعلاميين ومؤسسات في أوروبا وأمريكا، وتؤلبهم على مصر. وقد رأينا نماذج من التقارير التي يوزعها الإعلام الأمني تروج لذلك الادعاء، معتبرة كل من انتقد شيئًا في مصر كارها ومتآمرًا ومستهدفًا كرامة الجيش وإسقاط الدولة. أما العنتريات فهي تحلق في الماضي متحدثة عن دور مصر القيادي في الإقليم (الذي تخلت عنه)، وعن قدرتها الكامنة التي تمكنها من تقديم المبادرات التي تعيد الانطلاق في الداخل والاستقرار والأمان إلى ربوع الأمة العربية، من فلسطين إلى سوريا مرورًا باليمن وليبيا. والطرفان، مروجو البكائيات والعنتريات، يسوفون الأوهام ويوزعون المخدرات السياسية التي تغيب العقل تارة وتضلله وتصرفه عن التفكير في السعي لامتلاك أسباب القوة تارة أخرى.
أثارت انتباهي في هذا الصدد فقرة وردت في ختام التقرير الأمني الذي سبقت الإشارة إليه ونشرته جريدة الأهرام عن خطة حصار مصر، إذ جاء فيها ما نصه: إن القوى الخارجية لها مخاوفها من تثبيت القيادة السياسية المصرية مكانتها في منطقة الشرق الأوسط، (ذلك أن) تلك القوى تخشى من عودة الحالة الناصرية إلى الساحة العربية ممثلة في القيادة المصرية الراهنة. وهي فقرة أسجلها بلا تعليق، لأن حصيلتي من اللغة الفصحى لا تمكن من أن توفيها حقها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2565
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2340
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1101
| 14 أكتوبر 2026