رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على شاكلة اختراع "الشعب اليهودي" وفقاً للكاتب اليهودي شلومو ساند في مؤلفه الذي يحمل ذات الاسم، ووفقاً للمفاهيم الخداعية الزائفة "شعب الله المختار" و"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" و"الحق التاريخي لليهود في أرض فلسطين" واختراع "أرض إسرائيل"، والتي وصفها المفكر الفرنسي روجيه غارودي بــ"الأساطير المضللة للسياسات الإسرائيلية"، ووفقاً لاختراع "صناعة الهولوكوست" للكاتب اليهودي نورمان فلنكشتاين، طلعت علينا إسرائيل والحركة الصهيونية بمصطلح جديد هو: "اللاجئون اليهود"، فقد عقد مؤتمر في القدس المحتلة (2-3 سبتمبر الحالي) نظمته وزارة الخارجية الإسرائيلية والمؤتمر اليهودي العالمي بدعم من الحكومة الإسرائيلية الحالية بزعامة نتنياهو، بهدف اختلاق قضية ما يسمى بــ"اللاجئين اليهود من الدول العربية" لتكون هذه القضية موازية لقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم المشروع في العودة إلى مدنهم وقراهم.
المؤتمر المذكور عقد تحت شعار "العدالة للاجئين اليهود من الدول العربية". معروف أن هذه القضية تتفاعل في الأوساط الإسرائيلية منذ سنوات عديدة إلا أن حكومة نتنياهو في منتصف عام 2009 بدأت في طرحها رسمياً. لقد أورد نتنياهو هذه القضية وركزّ عليها في كتابه "مكان تحت الشمس"، لذا فإن طرح هذه القضية من قبل حكومته الحالية لم يكن مفاجأة. بعد المؤتمر تبنى مجلس الأمن القومي التابع للحكومة الحالية وضع وثيقة سياسية جديدة حول هذا الأمر. توصي الحكومة القائمة والحكومات القادمة بطرح قضية "اللاجئين اليهود" على المستويين الداخلي والخارجي، داخلياً بإثارة هذه القضية بشكل دائم، وقد تم إعطاء الأوامر للسفارات الإسرائيلية في الخارج لطرحها في البلدان التي تتواجد فيها هذه السفارات. خارجياً بعهد أسبوعين من الآن ستعقد الجهتان اللتان نظمتا المؤتمر ندوة أخرى عالمية في نيويورك على هامش أعمال الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف لفت نظر الرأي العام العالمي لهذه القضية.
الوثيقة الرسمية الإسرائيلية تعتبر أن اليهود في البلدان العربية هجرّوا قسراً من بلدانهم، ولم يسمح لهم بأخذ ممتلكاتهم أو بيعها، ويقدّر عددهم بـ856 ألفاً منهم 600 ألف هاجروا إلى فلسطين، والباقون انتشروا في أمريكا وكندا وأوروبا. من وجهة نظر مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، فإن اللاجئين اليهود امتلكوا آنذاك 700 مليون دولار تقدّر حالياً بــ6 مليارات دولار. المجلس يعتبر أن عدد اللاجئين الفلسطينيين هو 600-700 ألف، أملاكهم قدرت آنذاك بــ450 مليون دولار، أي ما يوازي الآن 4 مليارات دولار. لذلك فإن التعويض على الطرفين، يجب أن يتم وفقاً لنسبة 3:2 لصالح اليهود من قبل صندوق دولي للتعويض يجري إنشاؤه. كل ذلك على قاعدة رفض إسرائيل المطلق لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم. أيضاً على قاعدة قانون يتوجب أن تتبناه الأمم المتحدة، بعد أن سنّه الكونجرس الأمريكي ويطلب من الأونروا تقديم تقرير سنوي عن الأحياء من اللاجئين الفلسطينيين من الذين هاجروا طوعاً من فلسطين في عام 1948(فالوثيقة لا تعترف مطلقاً بأنه جرى تهجير قسري لهم)، دون الأبناء والأحفاد لأولئك، فهؤلاء من وجهة نظر إسرائيل والكونجرس لا تنطبق عليهم شروط اللاجئين. الكونجرس ربط تقديم المساعدة الأمريكية للأونروا بإعداد التقرير!
تصوروا الخطة الهادفة إلى تبديد حقوق اللاجئين الفلسطينيين الذين هجرّتهم إسرائيل قسراً وبعد مذابح عديدة، ارتكبتها بحقهم من مدنهم وقراهم في فلسطين، ولم تعترف بقرار الأمم المتحدة الذي أتاح لهم حق العودة، والذي ربط الاعتراف الدولي بإسرائيل في الأمم المتحدة بقبولها للقرار. الخطة الإسرائيلية تهدف إلى إثارة قضية ما يسمى بـــ"اللاجئين اليهود " دولياً وبمساعدة الولايات المتحدة والدول الحليفة لها قادرة على إثارتها دولياً وتبنيها في الأمم المتحدة، مع العلم أن الموساد الإسرائيلي قام بتفجيرات في الكنس والأحياء اليهودية في المدن العربية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من أجل حث اليهود على الهجرة إلى إسرائيل. كذلك عقدت إسرائيل اتفاقيات سرية مع بعض النظم العربية آنذاك مثلاً: نوري السعيد في العراق ومؤخرا النميري في السودان (قبل بضع سنوات) للعمل على تهجير اليهود الفالاشا إلى إسرائيل. كمثل على التفجيرات نورد: (حادث تفجير الكنيس مسعودة في العراق عام 1950، التفجيرات في مصر). هذا ما لا نقوله نحن فقط. بل مصادر وكتابات إسرائيلية منها إسرائيل شاحاك. لجنة يهود العراق في إسرائيل رفضت الربط الإسرائيلي بين قضية اللاجئين الفلسطينيين وقضيتهم، وأصدرت بياناً (شكرت) فيه إسرائيل على اعترافها بهم كلاجئين بعد 60 عاماً – أي في هذه المرحلة-شريطة أن يتم الاعتراف بالاشكنار أيضاً كلاجئين "لكي لا ترسل إسرائيل لهم وحدهم فِرًقْ عوز المختصة بمطاردة اللاجئين". إنها مسرحية إسرائيلية في غاية الهزلية، لكنها ربما بعد سنوات عديدة تنقلب إلى قضية يتبناها المجتمع الدولي!
وثيقة مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تزعم أيضاً أن قرار التقسيم الصادر في عام 1947 طلب إحصاء أعداد اللاجئين. إسرائيل فقط (تصوروا!) انتهت من هذا الإحصاء عملياً في عام 1968. بالطبع لم تكن قضية "اللاجئين اليهود" مطروحة لا في الأمم المتحدة ولا في إسرائيل في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات ولا الستينيات. باختصار جرت صياغة مفهوم "اللاجئين اليهود" أولا وابتدأت الحركة الصهيونية وإسرائيل واللوبي الصهيوني في أمريكا والمؤتمر اليهودي العالمي في التفكير بطريقة يتم التخلص فيها من قضية اللاجئين الفلسطينيين. وحقهم في العودة المثبت في قرار الأمم المتحدة رقم 181 الذي نص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم وديارهم. لم يذكر القرار قضية ما يسمى بــ"اللاجئين اليهود" لا من قريب أو من بعيد، لأن هذه القضية ليست موجودة في الأساس. بعد التفكير تمخضت عقول تلك الأطراف عن ولادة قضية "اللاجئين اليهود".
الوثيقة الإسرائيلية تقترح أيضاً أن تقوم إسرائيل بإلقاء المسؤولية في قضية "اللجوء المزدوج" على الجامعة العربية والدول العربية أيضاً، فهذه مسؤولة مباشرة عن اللجوء اليهودي. زعماؤها شجعوا ولم يمنعوا العنف ضد اليهود ودفعوا نحو طردهم وهم لم يسمحوا لليهود بالخروج مع أملاكهم، وأجبروهم على الهجرة من دون حمل شيء، "وهكذا تسببت الدول العربية بخراب جاليات عريقة تعود إلى 2500 سنة". بالطبع إسرائيل اعتمدت على تزوير كل الحقائق التي تدّعيها، تختلق حقائق جديدة وتزورها بطريقة شايلويكية ابتزازية.
نتمنى لو أن الدول العربية تقطع الطريق على إسرائيل، وتصدر قراراً بعودة اليهود الذين كانوا فيها إليها، شريطة تخليهم عن جنسياتهم الإسرائيلية. في الوقت نفسه تطالب المجتمع الدولي وإسرائيل بتطبيق ذات القرار بالنسبة لعودة اللاجئين الفلسطينيين. إسرائيل تخترع هذه القضية أيضاً في ذات الوقت الذي سيثار فيه موضوع: قبول فلسطين في الأمم المتحدة كدولة غير عضو (مراقبة) وبذلك ستقوم بالتشويش المقصود على هذه القضية. نتمنى على الجامعة العربية والمنظمات الحقوقية والقانونية العربية وكل من هو معني فلسطينياً وعربياً وإنسانياً ودولياً: بإثارة زيف شعار"اللاجئين اليهود"، وبذل الجهود لتوضيح استحالة الربط بين قضية موجودة فعلياً وإنسانياً وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين العادلة والمعترف بها من الأمم المتحدة، وبين قضية مختلقة جملة وتفصيلاً وهي قضية "اللاجئين اليهود" المزعومة. من خلال النشاطات السياسية.
أوباما..نتنياهو: لقاء المصالح
أعلن البيت الأبيض رسميا. أن أوباما سيلتقي نتنياهو في نيويورك. على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد... اقرأ المزيد
527
| 23 سبتمبر 2016
الاحتيال والجرائم على الانترنت
يحمل التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال الاجتماعي. وجهين: الإيجابي. الذي يستغله المجموع. والآخر السلبي. الذي يستغله المجرمون واللصوص... اقرأ المزيد
517
| 15 سبتمبر 2016
أوهام ليبرمان وكيانه
كَسر إرادة الشعب الفلسطيني في المقاومة. كما نشر ثقافة الهزيمة في أوساطه! هذا ما حاوله ويحاوله القادة الصهاينة.... اقرأ المزيد
542
| 08 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
15135
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3903
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026