رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حتى نعرف ماذا يريد الذين قسموا العراق أو يسعون في تقسيمه بدأب لابد أن نحددهم ثم نتعرف على الدوافع التي حركتهم لإنجاز هذا الهدف الإستراتيجي عبر مراحل عدة وما هي الأدوات المستخدمة لتنفيذ هذا التقسيم . القرائن والأدلة تتوجه بالاتهام إلى قوتين أو دولتين ووكلائهما في العراق والمنطقة وهما إيران والولايات المتحدة الأمريكية فالعراق ظل عبر آلاف السنين متعايشا بكل مكوناته لا ينحو إلى التفتيت مستعصيا على التمزيق فأجزاؤه يكمل بعضها بعضا وأهله على اختلاف مذاهبهم وأعراقهم ظل حب العراق جامعا لهم منذ آلاف السنين.
الولايات المتحدة الأمريكية اعترفت على لسان رئيسها بأنها غزت العراق وسلمته إلى إيران كي تفعل به الأفاعيل وأنها كرست فيه الطائفية وأن الحكمة قد جانبتها وأنها وإيران كانا سببا في تدشين تنظيم الدولة الإسلامية ليكون فزاعة المنطقة وأداة التقسيم . لجنة التحقيق البرلمانية العراقية ألقت بالمسؤولية على نوري المالكي الذي كان رئيسا للوزراء وقائدا عاما للجيش والرجل الأول في البلاد، وزعيم الحزب الحاكم واتهمته بالتقصير والإهمال في الدفاع عن الموصل وأحالته وثلاثين آخرين إلى القضاء لفرارهم وتركهم الجنود في ساحات المعارك دون توجيه . نوري المالكي الذي يفترض أنه قد عزل من منصبه وجرد من الحصانه موجود في طهران لحضور مؤتمر فقهي وللقاء المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامئني ومنها أكد أنه لا قيمة لتقرير لجنة التحقيق زاعما أن الخلافات السياسية سيطرت على اللجنة وأخرجتها عن موضوعيتها وأن الأمر كله دبر في أنقرة ثم في أربيل . تبعية وعمالة نوري المالكي لإيران باتت لا تحتاج إلى دليل فقد كان لها فضل تعيينه وتثبيته في حكم العراق لثماني سنوات مما يؤكد تواطؤه معها في تسليم الموصل لداعش إذ فرت 5 فرق مجهزة بأحدث الأسلحة بعد فرار قادتها الكبار تاركة وراءها 200 دبابة وعدد لا يحصى من أسلحة النخبة و مدافع ودبابات ومدرعات ومنصات قتالية بل حتى طائرات وصواريخ وبنوك بها أموال طائلة ومنشآت حيوية ومطار ومبنى محافظة نينوى وشعب أعزل بدون حماية فكيف تمكن مئات من هذا التنظيم من إلحاق الهزيمة بثلاثين ألف مقاتل !؟ كانت إيران والولايات المتحدة كلتاهما تراقبان الوضع عن كثب وغضتا الطرف ولم تقدما أية مساعدة للحكومة العراقية واستخدمت داعش من الدولتين كسبب للتدخل في الشأن العراقي على نحو يكرس الطائفية والفساد وإضعاف العراق وتحويله إلى دولة فاشلة. ومما يدل على تواطؤ إيران اتهام القائد السابق للقوات البرية العراقية علي غيدان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بأنه هو من أصدر الأمر بالانسحاب من مدينة الموصل قبل عام ونيف في حين قال أسامة النجيفي نائب رئيس الجمهورية إن انسحاب القوات الحكومية من مدينة الرمادي غربي بغداد مؤخرا تم وفق أوامر لا يعرف رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي مصدرها. وهو ما يدل على أن لإيران مجاميع تعمل تحت إمرتها متجاوزة القيادة الرسمية.
أما الولايات المتحدة التي تربطها مع العراق الاتفاقية الإستراتيجية العراقية الأمريكية لعام 2011 فقد امتنعت عن تقديم يد العون للحكومة العراقية في الموصل وبعدها في محافظة صلاح الدين بينما قدمته فيما بعد عندما استهدف تنظيم الدولة الأكراد في الشمال. هيلاري كلينتون اعترفت في كتابها hard choices بأن الولايات المتحدة هي من أنشأ داعش بهدف التحكم في المنطقة وفي الطاقة والمنافذ البحرية وفي حديث سابق لها اعترفت كذلك أن الولايات المتحدة تقف وراء تنظيم القاعدة وتعتبره ضروريا لكي تنفذ الولايات المتحدة سياساتها في الإقليم قالت هيلاري "أعتقد أن الولايات المتحدة التي تمتلك أكبر جهاز استخباراتي في العالم السي آي أيه تدرك هذا المعطى وليست بغافلة عنه. لكن يبدو أن القاعدة تبرر سلوكيات أمريكا باسم مكافحة الإرهاب فواشنطن احتلت العراق بذريعة القضاء على القاعدة التي يدعمها نظام صدام حسين. إذن واشنطن تحتاج إلى بقاء القاعدة لكي تحافظ على سوسيولوجيا الخوف التي تحرك بها العالم. "ومثلما أبقت الولايات المتحدة القاعدة للحفاظ على سوسيولوجيا الخوف في الشرق الأوسط والعالم أوجدت داعش لنفس السبب لتستخدمها كغول تخوف به الدول وليتسنى لها تقسيم العراق وفرض هذا التقسيم كأمر واقع لا مفر منه وهذا الكلام فضلا عن وروده في كثير من التقارير الغربية إلا أن كبار الساسة الأمريكان كانوا يلوكونه بألسنتهم منذ زمن بعيد ومن هؤلاء جوزيف بايدن الذي قدم اقتراحا بتقسيم العراق للكونجرس في 2006 كما أن الكونجرس صوت لصالح تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات في 29/7/2007 كشرط لإنسحاب القوات الأمريكية من العراق وقد كان دستور بريمر وحلفائه من العراقيين، قد أقرّ الفيديرالية التي تشمل الدويلات الثلاث على أسسٍ طائفية: شيعية في الجنوب، سنية في الوسط، كردية في الشمال، وفي اجتماع ضم الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني مع برايمر نوه الطالباني لبرايمر بأهمية كركوك للأكراد وبأنها قدس الأكراد فرد عليه بريمر قائلا " يكفينا قـُدْس واحدة " وتوالت تصريحات المسؤولين الأمريكيون من جو بايدن إلى آشتون وصولا إلى رئيس الأركان الأمريكي راي أوديرنو الذي اعتبر تقسيم العراق حلا وحيدا ممكنا ومتاحا كما تضمنت أعمال مجلسي الكونجرس والنواب نقاشات في نفس الموضوع .
الأمريكان شأنهم شأن الإيرانيين والأحزاب العراقية المتصارعة التي استبدلت رابطة المذهب برابطة الوطن ومنذ عهد بريمر وبعده أوجدوا البيئة الحاضنة للتقسيم وخلقوا واقعا قد يدفع الناس الذين ضاق بهم الحال وألم بهم الخوف إلى القبول بالتقسيم فآلة القتل والإرهاب المنبثقة عن هذا الواقع المعقد لا تتوقف عن سفك الدماء وإزهاق الأرواح البريئة وبث الأحقاد والضغائن بين مكونات الشعب العراقي ولكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هو: لماذا يريدون تقسيم العراق !؟
الأطماع الفارسية في العراق كانت ولا تزال واقعا ففي عهد الخلافة العباسية احتل البويهيون العراق مرتين ودخل الصفويون بغداد عام 1508 ونكلوا بأهلها ولم ينقذ العراق إلا السلطان سليم الأول الذي أوقع هزيمة نكراء بالشاه إسماعيل الصفوي في موقعة جالديران 1514 ودخل عاصمته تبريز ولم تعترف حكومة الشاه في القرن الماضي باستقلال العراق إلا بعد 8 سنوات وساندت حركة البرزاني الكردية بل وشاركت قوات الشاه معها في قتال العراقيين فقضى عشرات الآلاف من العراقيين واضطر العراق إلى القبول بإعادة ترسيم حدوده مع إيران وتوقيع اتفاقية الجزائر 1975 وفي عهد الخميني واصلت إيران دعم التمرد الكردي مما دفع العراق إلى إلغاء اتفاقية الجزائر والدخول في حرب طويلة مع إيران وثمة من الإيرانيين من يعتبر جنوب العراق جزءا لا يتجزأ من إيران وتؤكد تصريحات المسؤولين الإيرانيين على أطماعهم في العراق والخليج وهم يصرون على تسمية الخليج بالخليج الفارسي ويرفضون أي تفاوض بصدد الجزر العربية المحتلة بل ويعتبر البرلمان الإيراني البحرين جزءا لا يتجزأ من إيران ويتداول الشباب في إيران اليوم أغنية مطرب الراب بهزاد بكس التي تدعو إلى قتل العرب وهو مالم توقفه وزارة الإرشاد الإيرانية .
وكما أورد الدكتور محمد صالح المسفر (جريدة الشرق 11/8) فقد أفتى آية الله عبدالله جوادي آملي، بإعلان الجهاد الأكبر ضد السعودية. ودعا خطيب جمعة طهران آية الله محمد علي موحدي كرماني، في خطبته الرسمية، إلى تحرير مكة والمدينة من الحكم السعودي " واعتبرت إيران الحوثيين أبناء ثورتها وهكذا فإن إطماع إيران في العراق والمنطقة في الماضي كما في الحاضر واضحة للعيان مما يؤكد مشاركتها في تفتيت العراق وإنهاكه من خلال حزب الدعوة الإسلامية وزعيمه الدموي السلطوي الذي نهب العراق وأذل أهلها في انتقام غير مسبوق من حاكم مسئول ضد شعبه لا يبزه في ذلك إلا السفاح بشار الأسد.
أما الولايات المتحدة فإن تقسيمها للعراق يرجع إلى كون العراق حجر الزاوية في أمن المشرق العربي وأن تحطيمه يؤمن وجود اسرائيل ومصالح الولايات المتحدة لذلك كان الغزو الأمريكي للعراق ليس بحثا عن أسلحة دمار شامل ولا مقاومة لإرهاب مزعوم وإنما جاء تدميرا لكل شيء فيه فالعراق القوي الذي يتواجد تحت ترابه أكبر احتياطي نفطي في العالم 400 مليار برميل يشكل خطرا حقيقيا على إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة كما ترجع فكرة التقسيم إلى إيمان المحافظين الجدد بالمسيحية الصهيونية ولذلك فقد تبنوا وثيقة اللوبي اليهودي بخصوص تقسيم العالم العربي وفي طليعته العراق وتطالب هذه الوثيقة التي طرحت في نشرة كيفونيم في شباط من عام 1982 التي تصدر في القدس المحتلة عن المنظمة اليهودية العالمية تحت عنوان خطط إسرائيل الإستراتيجية بتفتيت كل الدول المجاورة لإسرائيل من النيل إلى الفرات وتقول بشأن العراق "العراق ذلك البلد الغني بموارده النفطية، والذي تتنازعهُ صراعات داخلية، فهو على خط المواجهة مع إسرائيل ويعد تفكيكه أمراً مهماً بالنسبة الى إسرائيل " ويعتقد المحافظون الجدد أن تمكين إسرائيل شرط للمجيء الثاني للمسيح ليقيم مملكتة لألف سنة تقوم بعدها القيامة.
إذن هم يتنازعون أمرهم بينهم و يريدون تقسيم العراق لتحقيق مآربهم وأهدافهم فماذا نحن فاعلون في مواجهة ذلك !؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8925
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4149
| 23 سبتمبر 2026