رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن أحد من بين صحابة رسول الله، عليه الصلاة والسلام، في مثل مهارة سعد بن أبي وقاص، في الرمي بالسهام، ولا في مثل منزلته من الفضل الذي أحرزه كرامٍ، وسُجّل له في كتاب التاريخ، في باب الجهاد، سعد الذي أسلم مبكرا، وهو ابن سبع عشرة سنة، مع الأوائل السابقين إلى الدخول في الإسلام، برفقة أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، رضي الله عنهم جميعا، سعد الذي عُرف بلقب في الإسلام، امتاز به واشتهر ونال به الشرف العظيم، وهو أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله، حتى كان هو نفسُه يذكر ذلك تحدثا بنعمة الله عليه، وشكرا له بها، فيقول مفتخرا بحق وصدق: (والله، إني لأول رجل من العرب، رمى بسهم في سبيل الله)، ونقول ما ذلك اللقب بقليل، وحُق لصحابه نيل المكانة السامية، والدرجة العالية عند الله والناس. فلنبين متى وكيف حدث ذلك لسعد بن أبي وقاص.
في السنة الأولى للهجرة النبوية إلى المدينة، بعث رسول الله، أول سرية لمهمة استطلاع أخبار وشؤون المشركين في مكة، وعَقَدَ الراية فيها لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وجعله أميرا على ستين رجلا من المهاجرين، ليس فيهم أحد من الأنصار، كان من بينهم سعد، فمضت السرية في طريقها لتحقيق ما أُمرت به، فبينما هم في مسير طريقهم ذلك، إذ رأوا عددا غير قليل يفوق عددهم من كفار قريش، تحت إمرة أبي سفيان بن حرب، ولأنّ رسول الله كان بعثهم سرية استطلاعية لا قتالية، لم يبادر أحد من المسلمين بمهاجمة المشركين، فلم يقع بين الفريقين قتال، إلا أن سعدا البطل المقدام، أبى إلا أن يصيب منهم بيديه القويتين في الحق، الماهرتين في الرمي، فأطلق على المشركين عددا من سهام كنانته، أصاب بها بعض رجالهم ودوابهم، فكان بذلك أول من رمى بسهم في سبيل الله، نصرة للإسلام، ودفاعا عن المسلمين.
بعد ذلك اليوم الأغر في حياة سعد بن أبي وقاص، شهد مع رسول الله المشاهد كلها، وكان المشهد الأعظم والأروع، بالنسبة إليه في يوم أحد، إذ تجلت فيه شجاعته في أبهى مظاهرها، ذلك اليوم الذي لقي فيه المسلمون شدة عظيمة، حين كرَّ عليهم المشركون وقد انكشف عنهم جبل أحد بنزول من كان عليه من الرماة، فتفرق المسلمون في ساحة القتال، وتولوا ولم يبق منهم حول رسول الله، غير نفر قليل ومن بين أولئك سعد، الذي وقف في ثبات وتحدٍّ، يذود ويدافع عن رسول الله بتفانٍ وفداء وتضحية، فأخذ يرشق المشركين بنباله حتى أمطرهم بوابل منها، ولما فرغت جعبته من السهام، نَثَلَ النبي كنانته بين يدي سعد قائلا: (ارمِ سعد، فداك أبي وأمي، ارمِ سعد فداك أبي وأمي)، فجعل سعد يرمي ويرمي، وهو يدعو: (اللهم سهمك، فارمِ به عدوك)، فدعا له الرسول: (اللهم سدد رميته، وأجب دعوته).
هكذا أثبت سعد بطولته في هذه المعركة، وخرج منها ظافرا، بدعاء النبي له، الذي استجابه الله، فظل سعد مجاب الدعوة طول حياته، وظافرا أيضا بثنائه له الذي حُفظ في ذلك اليوم، فها هو علي بن أبي طالب يقول بإعجاب شديد:(ما سمعت رسول الله يفدي أحداً بأبويه إلا سعدا).
بعد معركة أحد حظي سعد عند الرسول حُظوة عظيمة، حتى بلغ من شدة حب الرسول له أنه كان يفتخر به ويباهي، فيقول إذا رآه: (هذا خالي، فليرني امرؤ خاله). بخٍ بخٍ يا سعد، وهنيئا لك هذه المنزلة الكريمة. وذلك أن سعد قُرَشيّ من بني زُهرة، وبنو زهرة هم قوم أم رسول الله، السيدة آمنة. سبحان ربي! ما هذا الأدب الجم، ولطف النفس، ولين الخلق، وكرم الطبع، في معاملة النبي لأصحابه، إنه يقول لسعد: هذا خالي. مع أنه يكبره بنيّفٍ وعشرين سنة، ولكن لا عجب في ذلك، فرسول الله يزن أقدار الرجال، ويعرف الفضل لصاحبه، فيعطي كل ذي حق حقه، وفق ما له من منقبة ومزية، ويعامل الناس جميعا بخلق حسن، فهو الذي قال الله فيه:(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك).
استمر سعد في دفاعه عن الإسلام في حياة الرسول وبعد مماته عليه الصلاة والسلام، ولم ينِ ولم يكلَّ بل ازداد دفاعا، وتألق ضياء، في ميادين المعارك، وساحات القتال، ففي خلافة عمر بن الخطاب، لما تصعب الأمر وتأزم على المسلمين في العراق، من جراء ما تشنه قوات الفرس من هجمات، مثلت خطورة بالغة على وجود المسلمين هناك، بما للفرس من تفوق في العتاد وعدد الرجال، جمع عمر المسلمين، وحثهم على الجهاد، ورأى أن يرسل جيشا إلى العراق لمواجهة خطر الفرس، وأن يكون هو نفسه قائدا له، غير أن كبار الصحابة من أصحاب الرأي راجعوه في ذلك، وأشاروا عليه بالبقاء في المدينة، لكونه رأس دولة الإسلام، وهو حاكمها، الذي تصدر عن أمره، وترجع إليه في حكمه، وأن ينتدب لذلك قائدا من القواد، ثم وقع الاختيار بعد الرأي والتفكير، على سعد بن أبي وقاص، واتفقوا عليه قائلين: إنه الأسد عاديا. ليسيرَ بجيش المسلمين ويكون البطل القائد لمعركة القادسية العظيمة، التي عز الله فيها جنده، ونصر دينه، فبقيت خالدة في التاريخ لا تنسى.
من بعد نصر القادسية، سار سعد بالجيش ليعبروا دجلة ويفتحوا المدائن عاصمة الفرس، ويدخلوا إيوان كسرى، الذي حين دخله سعد، صلى فيه ركعتين، قرأ فيهما قول الله تعالى:(كم تركوا من جناتٍ وعيون. وزروعٍ ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين).
بعد أن تم النصر التام للمسلمين على الفرس في العراق، ولّى عمر سعدا إمارة العراق، فاختط سعد هناك مدينة الكوفة، وشرع في بنيانها وتعميرها حتى أصبحت آهلة بالناس، حافلة بالعمران، ثم شاءت المقادير، أن تحدث لسعد حادثة عجيبة غريبة، وهي أن بعض أهل الكوفة شكا سعدا إلى عمر بن الخطاب، فقالوا: ( إن سعدا لا يحسن الصلاة!!).
انظروا إلى هذا القول، بل هذا الكذب والزور والبهتان، إنْ تعجبْ فعجبٌ قولهم ذاك، أسعدٌ لا يحسن الصلاة؟! أستغفر الله، تبا لهذا القول، وتبا لمن افتراه.
يا للرجالِ ذوي الألباب من نفرٍ لا يَبْرحُ السفهُ المُرديُّ لهم دينا
وكذلك هم السفهاء في كل زمان ومكان، لا يسلم الكرام من سفاهاتهم وجهالاتهم وافتراءاتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال سعد مدافعا عن نفسه:( والله إني لأصلي بهم صلاة رسول الله، أرْكُد — أطيل — في الركعتين الأُوليين، وأخفف في الأُخريين)، فقال عمر:( ذلك الظن بك أبا إسحاق)، ولكن عمر أحب أن يستوثق من الأمر ليسكتَ المتخرصين الكاذبين، فبعث رجالا يسألون عنه في مساجد الكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدا من مساجدها إلا أثنوا عليه خيرا، وقالوا معروفا، حتى أتوا مسجدا من المساجد فقال رجل يقال له أبو مسعدة:(اللهم إنه كان لا يسير بالسرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية)، فقال سعد:(أمَا والله لأدعونّ بثلاث، اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره، وأطل فقره، وعرِّضه للفتن).
فرُئي الرجل من بعدُ وقد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، يتعرض للنساء في الطرق، وذلك جزاء الباغين الآثمين، وكان يقول إذا سئل عن سبب بلائه: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.
ثم إن عمر أراد من سعد أن يبقى واليا له على الكوفة، ولكن سعدا أجابه في أسفٍ وأسى:(أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة)، وآثر البعد عن الولاية، وأقام في داره بالعقيق، معتزلا صَخَب الحياة، مبتعدا عن ضوضائها، حتى وافته المنية وهو شيخ كبير له من العمر بضعٌ وثمانون سنة،
آخر من توفي من المهاجرين
كان سعد ابن أبى وقاص قد أوصى أهله أن يكفن في جُبة كان يرتديها يوم بدر، قائلا: (كفنوني بها، فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر وهي علي، وإنما خبأتها لهذا اليوم)، ثم حُمل جثمانه إلى المدينة المنورة، وصلى عليه المسلمون في مسجد رسول الله، ودفن بالبقيع، وكان آخر من توفي من المهاجرين، فووري في التراب، وروحه محلّقة في السماء، خال رسول الله، المفدى، وبطل القادسية، رضي الله عنك يا أبا إسحاق.
حَبْر الأمة وتَرجمان القرآن عبد الله بن عباس
قبل الهجرة النبوية بنحو ثلاث سنين، جاء العباس بن عبد المطلب، يسعى إلى رسول الله، عليه الصلاة والسلام،... اقرأ المزيد
22777
| 03 يوليو 2016
الزاهد الصادق.. أبو ذر الغِفاري
قرعت الأنباء أُذني أبي ذر الغفاري، بظهور رجل بمكة، يزعم أنه نبي، ويدعو إلى عبادة الله وحدَه، وعدم... اقرأ المزيد
7064
| 02 يوليو 2016
امرأة من طراز فريد قصة «أم سُليم»
لو كان النساء كأم سليم بنت ملحان الأنصارية، لفضلت النساء على الرجال، إي وربي إن هذا لحق، سنعلم... اقرأ المزيد
50241
| 01 يوليو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3435
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3237
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1044
| 04 أكتوبر 2026