رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لو أن الجهد الذي يبذل للشيطنة أنفق في الفرز والبناء لكسبت مصر من وراء ذلك الكثير.
(1)
يوم الأحد الماضي 18/5 أبرزت جريدة «الأهرام» على صفحتها الأولى خبرا كان عنوانه: حذف قيادي إخواني من قائمة الإرهابيين الأمريكية. الخبر مصدره موقع إلكتروني يرمز إليه بالحروف الثلاثة دبليو. إن. دي، وخلاصته أن عضوا بمجلس الشيوخ اسمه تشارلز جريسلي طلب التحقيق في معلومات أفادت بأن وزارة الأمن الداخلي الأمريكي حذفت سجلات متعلقة بقائمة إرهابيين تحتفظ بها من بينهم القيادي الإخوان جمال بدوي العضو المصري في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية، والمعروف بعلاقاته الوطيدة مع حركة حماس وحزب الله وتنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني. وهو يقيم في كندا وعضو الجمعية الإسلامية في أمريكا الشمالية، ومؤسس الجمعية الأمريكية الإسلامية.
الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) ذكرت الرجل في سياق آخر، مختلف تماما. قالت إنه مصري يعمل أستاذا بأقسام الدراسات الدينية والإدارة في جامعة القديسة ماري في مدينة هاليفكس بكندا. درس الدكتوراه في جامعة إنديانا. وهو مؤلف لكتب ورسائل عديدة عن الإسلام، وقدم العديد من البرامج التلفزيونية عبر القنوات المحلية التي تبث في كندا والولايات المتحدة. وأشرطته وتسجيلاته منتشرة في مختلف من البلدان الغربية. ومشاركاته دائمة في المحاضرات والمناظرات والحلقات الدراسية التي تتم في الولايات المتحدة ومختلف أنحاء العالم. وهو متحدث ممتاز ودارس متعمق في الفقه وتاريخ الأديان، ويقوم بنشر المفاهيم الصحيحة عن الإسلام والمسلمين في العالم الغربي. وله نحو 350 حلقة عن الإسلام كل واحدة منها نصف ساعة، تلقى رواجا كبيرا في أوساط الدارسين وأتباع الديانات في أنحاء العالم.
الصورة التي قدمها خبر الأهرام عن الرجل أنه قيادي في جماعة إرهابية وله علاقته الوطيدة مع المنظمات المعادية في إسرائيل، أما الموسوعة الحرة فقد قدمته بحسبانه داعية نذر نفسه للدفاع عن الإسلام والمسلمين وله انتشاره واحترامه في الغرب.
(2)
القصة تستدعي ملاحظتين. الأولى أن مصدر الخبر (موقع دبليو. إن. دي) يعد ضمن المنابر المعبرة عن المحافظين في الولايات المتحدة، وهو موال للإسرائيليين ومعاد للعرب والمسلمين. كما أن السيناتور المذكور الذي أغضبه أن وزارة الأمن الداخلي الأمريكية برأت ساحة الدكتور جمال بدوي ورفعت اسمه من قائمة الإرهابيين لم يجد تهمة يرميه بها سوى أنه ينتمي لمنظمة «إرهابية» حسب التصنيف المصري، وله علاقات وطيدة مع المنظمات المعادية لإسرائيل. الملاحظة الثانية دلالتها أسوأ وهي أن الأهرام غض الطرف عن طبيعة الموقع وموقف السناتور جريسلي، مقابل أن يوظف الخبر في شيطنة الرجل إسهاما منه في تصفية الحسابات الداخلية.
هذا «المطب» ذاته وقعت فيه وسائل الإعلام المصرية حين نقلت في شهر مايو الماضي قصة «جيش مصر الحر» في ليبيا، وادعت أنه مدعوم من أوباما وتركيا وقطر، وهي التي أطلقتها صحيفة إلكترونية تدعى «وورلد تريبيون». وقد فضحت الدكتورة منار الشوربجي الصحيفة حين تتبعتها واكتشفت أنها يمينية ولها ارتباطاتها بصحف المافيا، وأنها تقوم بدور مشبوه في تعبيرها عن اليمين الأمريكي المحافظ، الذي يعادي أوباما لمجرد أنه صاحب بشرة سوداء، ويتهمه بكراهية أمريكا وبتجنيد المسلمين سرا في الخارجية الأمريكية، ولا تتردد في وصفه بأنه إخواني وشيوعي واشتراكي في ذات الوقت (المصري اليوم 23/4/2014).
رغم أن المشهد بهذه الصورة يستدعي العديد من الأسئلة، فإنه يهمني منها في اللحظة الراهنة الشق الخاص بالجهد الذي يبذل لشيطنة الآخر والاستعداد للتعاون مع «الشيطان»، لتحقيق الهدف، حتى إذا كان ذلك الشيطان ضد العرب والمسلمين جميعا. صحيح أن الدكتور جمال بدوي حسن الحظ لأنه يقيم منذ أكثر من ثلاثين عاما في كندا، حيث يحترم القانون وتصان كرامات الناس، ولو كان موجودا في مصر لكان مكانه سجن العقرب متهما في خمس عشرة قضية كل واحدة منها كفيلة بإعدامه.
السؤال الذي تثيره القصة هو: كم واحدا يا ترى لم تكن له علاقة لا بالعنف أو الإرهاب، ولقي المصير البائس الذي أفلت منه الداعية الكبير؟. طبقا لتقرير موقع ويكي ثورة المستقل فإن عدد المعتقلين في مصر يتجاوز 22 ألف شخص، والمصادر الإخوانية تتحدث عن نحو أربعة آلاف منهم وجهت إليهم تهم يفترض أن يحاكموا بسببها أمام محاكم الجنايات (أغلبهم من الصعيد). وهناك حوالي عشرة آلاف سيقدمون إلى محاكم الجنح وأغلب هؤلاء من المتهمين بمخالفة قانون التظاهر. وإذا صحت تلك التقديرات فمعناها أن أخبار المحاكمات ستظل جزءا من المشهد السياسي إلى نهاية العام وحتى العام المقبل. ومعناها أيضا أن هناك ثمانية آلاف شخص ليس معروفا مصيرهم وهؤلاء يجدد حبسهم حينا بعد حين طبقا لمقتضيات الأجواء السياسية. ومادام الملف مفتوحا فإن حملة الشيطنة سوف تستمر، باعتبار أنها تمثل الغطاء الذي يبرر استمرار المحاكمات وتغليظ الأحكام، وتجديد الحبس الذي لا تكف المنظمات الحقوقية المستقلة عن نشر التقارير والشهادات التي تتحدث عن معاناة وتعاسة الخاضعين له.
(3)
حملة الشيطنة أوسع نطاقا مما نظن. ذلك أننا إذا وضعنا هذه الخلفية في الاعتبار، وضممنا إليها الحكم الذي صدر بحظر نشاط حركة 6 أبريل التي تضم شرائح غير قليلة من شباب الثورة، ثم أضفنا إلى ذلك التوتر الحاصل مع آخرين من شباب الثورة الذي تعددت أسبابه. إذ تراوحت بين الغمز والطعن في الانتفاضة الشعبية العارمة التي أسقطت نظام مبارك في عام 2011 أو جراء محاولة طمس معالم ذلك الحدث الكبير لصالح ما سمي بثورة 30 يونيو، أو نتيجة لصدور قانون منع التظاهر الذي أريد به إسكات صوت المخالفين وقمعهم. وقد رفع من وتيرة الغضب أمران آخران، أولهما عودة رموز نظام مبارك إلى الظهور في المجال العام، الأمر الذي تزامن مع تشديد قبضة وقمع الأجهزة الأمنية في إعلان عن عودة سياسة ذلك النظام. الأمر الثاني هو تلك الحملة الإعلامية التي استهدفت تشويه صورة شباب الثورة ورموزها، وذلك من خلال التسريبات التي قامت بها الأجهزة الأمنية، وزودت بها بعض منابر الثورة المضادة التي قامت بتعميمها في مسعى استهدف فضح أولئك الرموز واغتيالهم معنويا.
هذه الصورة المتتابعة ترسم مشهد الشيطنة متسما بالتوتر ومسكونا بالخوف والغضب في الوقت ذاته. ذلك أن الصدام الحاصل لم يعد بين السلطة والإخوان والجماعات المتحالفة معها، ولكن دائرته اتسعت بحيث شملت مجموعات شباب الثورة والأصوات التي ارتفعت معلنة التضامن مع المحبوسين والمظلومين منهم. وانضمت إلى هؤلاء المنظمات الحقوقية المستقلة التي أصدرت أكثر من بيان استهجن ما يجري وأدان الاعتقال العشوائي والتعذيب وتلفيق القضايا للأبرياء، وقد وقع هذه البيانات 16 منظمة ومركزا حقوقيا.
لابد أن يثير انتباهنا أنه إزاء ذلك الجهد الذي يبذل لشيطنة الآخر وقمعه، فإننا لا نكاد نجد جهدا يذكر للملمة شتات الجماعة الوطنية والتفاعل معها بأي صورة، بل إن ذلك الجهد لم يكن له أثر على صعيد الفصل بين قوى المعارضة الوطنية وبين جماعات العنف، من خلال فرزهم والتمييز بين العناصر المتطرفة والمعتدلة، وهو التمييز الضروري للاحتشاد الوطني اللازم للانطلاق نحو المستقبل بثقة واطمئنان.
(4)
صار ممجوجا وغير مقنع الادعاء بأن الشعب قرر كذا قبولا أو رفضا. لأن ذلك يعني في حقيقة الأمر اختزال الشعب واستغفاله. لأن الذي قرر في حقيقة الأمر هو المؤسسة الأمنية التي حولت المنابر الإعلامية إلى منصات أطلقت منها ما شاءت من قذائف سممت الأجواء ودغدغت المشاعر وقلبت الأمور رأسا على عقب. وبلغ الاستغفال حدا سوغ الإقصاء وشجع الإبادة السياسية، ورحب بمصادرة الرأي وتكميم الأفواه. وبعد تبرئة رجال الشرطة والمؤسسة الأمنية من قتل المتظاهرين. فإن القمع تضاعف وانضاف الإرهاب الفكري إلى الإرهاب الأهلي والمجتمعي، وصار صاحب الرأي الآخر إخوانيا ومتآمرا وعميلا وطابورا خامسا ممولا من الخارج. واستغلت الأخطاء التي وقعت في السابق وأحداث العنف والجرائم التي ارتكبتها أطراف عدة في ترويع المجتمع، الأمر الذي أدى إلى إغلاق باب السياسة واعتبار الإرهاب أولوية قصوى تتقدم كل ما عداها. الأمر الذي أعادنا إلى وضع قريب من أحداث الثورة الفرنسية، التي تولت خلالها لجنة الأمن العام إدارة السياسة الداخلية للبلاد، وأصدرت بيانا في شهر سبتمبر عام 1793 أعلنت فيه أن «الوقت قد حان أن تصبح العدالة فوق كل الرؤوس، كما حان الوقت لإرهاب وترويع كل المتآمرين. ولذا كان طبيعيا أن يتم التعامل مع الإرهاب بحسبانه أولوية قصوى» ثم ختم البيان بالعبارة التالية: دعونا نَكُنْ في ثورة دائمة، لأن الثورة المضادة تحاك في كل مكان من قبل أعدائنا. يجب أن يحوم نصل القانون فوق رؤوس كل المذنبين».. وكان ذلك الإعلان بمثابة إطلاق لحملة المحاكمات التي تمسحت في القانون والعدالة، وقادت كثيرين إلى المشانق والسجون.
(5)
إن كل الاهتمام منصب على الاقتصاد في الوقت الراهن. وهو أمر مهم لا ريب رغم أن معالم الرؤية الاقتصادية غير واضحة، والواضح منها محل جدل ونقد من جانب المختصين. وفي غمرة الانشغال بالاقتصاد تظل يد المؤسسة الأمنية مطلقة في مصير العباد، ويظل باب السياسة مغلقا إلا على الموالين والمصفقين. علما بأن كفاءة السياسة تقاس بمقدار انفتاحها على المعارضين واحتوائهم، في حين يظل التعويل على الموالين دون غيرهم هو الخطوة الأولى على طريق الاستبداد.
حين سئل المشير السيسي عن موقفه من رجال النظام السابق ومن رجال الأعمال الذين تضغط شبكة مصالحهم على السياسة، كان رده أنه يريد أن يستخلص من كل طرف أفضل ما فيه ولا يريد أن ينفر أحدا أو يقصيه، وهو كلام عاقل ورصين، ولا يعيبه سوى شيء واحد هو أنه مقصور على الاقتصاد دون السياسة. وهو منطق يستدعي معادلة صعبة للغاية يراد لها أن تمزج بين الازدهار الاقتصادي والانغلاق السياسي. معتبرا أن الخير كامن في أهل الاقتصاد بينما الشرور كلها في المخالفين من أهل السياسية. وطرح المعادلة بهذه الصيغة يعني أن الثورة لا يزال أمامها وقت طويل وأشواط أخرى لكي تحقق أهدافها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11586
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8097
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026