رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
احتشد آلاف الشباب العربي يوم 15 مايو الماضي – في ذكرى قيام دولة الكيان الصهيوني عام 1948- وحاولت التسلل إلى داخل الأراضي الفلسطينية، ولو رمزيا، وذلك بالتظاهر بالقرب من الحدود الفلسطينية في لبنان وسوريا والأردن، وأمام السفارة الصهيونية بالقاهرة.
هذا الوضع كان له صداه في الإعلام الصهيوني، فتحت عنوان (هذه مجرد البداية.... مئات الآلاف سيقتحمون حدودنا) كتب الصحفي الصهيوني أليكس فيشمان في صحيفة يديعوت أحرونوت في اليوم التالي مباشرة للأحداث يوم 16 /5/2011 يقول: حين وقع الحدث المخجل أمس في هضبة الجولان، كان قادة جهاز الأمن منشغلين باحتفال آخر تماما: الاحتفال على شرف تسلم رئيس المخابرات الجديد. من لم يكن هناك: رئيس الأركان، والمفتش العام للشرطة، ورئيسا المخابرات المنصرف والوافد، ووزير الدفاع، ووزراء، ورئيس الوزراء. وقد كانوا على أي حال واثقين من أن الجيش جاهز، متحفز ومستعد لكل التطورات وأن أحداث يوم النكبة باتت محسومة في جيبهم الصغيرة وأنه يمكن مواصلة الأعمال كالمعتاد.
لم يتصور أحد تأجيل هذا الاحتفال إلى موعد قريب آخر، ليبعده عن يوم النكبة الذي هو موعد حساس ومؤهل للاضطرابات، يا لها من ثقة. في ليلة أخرى بقي رئيس الأركان لينام في بيته، فيما أن رئيس قسم العمليات، الذي نام في مقر القيادة العسكرية بمناسبة الحدث، حدد لنفسه لقاءات في السادسة صباحا، إذ كان واضحا جدا بأن السيطرة على السفينة ستكون لعبة أطفال.
المرة تلو الأخرى تتكرر الفجوة الهائلة التي بين إعداد الخطط، وتقويمات الوضع، والإعلان عن التأهب العالي ونثر الوعود للجمهور بأن كل شيء تحت السيطرة وبين ما يحصل في الواقع. يبدو أن القيادة الأمنية تعاني من نوع ما من التضليل الذاتي حول القدرات المهنية للجيش في المجال الأكثر إشكالية للتصدي للمدنيين.
وتحت عنوان جانبي (خلل عملياتي) يوجه الكاتب الصهيوني اللوم لأجهزة الأمن الداخلي فيقول:
من يدعي بأن مظاهرة الجماهير الفلسطينية في ذلك الصياح كانت بمثابة مفاجأة للاستخبارات لا يقول كل الحقيقة. معلومات عن المظاهرات وعن بؤر الاحتكاك في أرجاء الجولان نقلت إلى القوات، وعليه فقد زودت القوات بوسائل لتفريق المظاهرات. فضلا عن ذلك، في ساعات الصباح ظهرت في قاطع مجدل شمس حركة نحو تسعين باصا، والآلاف الذين نزلوا منها احتشدوا في نطاق أعد مسبقا في القاطع في صالح المظاهرة أمام السياج. في أثناء تقويم الوضع عرض الجيش على القيادة السياسية سلسلة نقاط احتكاك محتملة في يوم النكبة. القيادة السياسية، من جهتها، وجهت الجيش بكلمات واضحة: كل خرق للسيادة هو خطر على الحياة، وعليه فإن كل اقتحام للجدار الحدودي سيستقبل بالنار بداية بنار انتقائية نحو الأقدام، وإذا لم يجدِ ذلك فتطلق النار لغرض القتل. استخدام تعبير ' خطر الحياة' نبع من الاعتبار بأن كل اختراق للجدار الحدودي من شأنه أن ينتهي بتسلل مواطني دول معادية إلى البلدات، إلى المستوطنات، إلى استحكامات الجيش وما شابه. وعليه فتطلق النار. أوامر النار هذه مقبولة، كما يبدو، من رجال القانون في الجيش.
حيال غزة ولبنان نفذ الجيش تعليمات القيادة السياسية نصا وروحا، وقد نجح هذا. هذا نجح في غزة، حين حاول الفلسطينيون اقتحام حاجز ايرز، وهذا نجح في لبنان، حيث شارك أيضاً الجيش اللبناني بالنار على المتظاهرين الذين اقتربوا بشكل مهدد نحو الجدار الحدودي مع إسرائيل. ولكن في تلة الصياح، في هضبة الجولان، لم ينجح شيء.
في اختبار النتيجة: كان هناك قصور. الجيش لم ينفذ قرارات الحكومة، لم يستعد كما ينبغي، ومن المعقول الافتراض بأن الشروحات للجنود أيضاً لم تكن جيدة بما فيه الكفاية. كانت هناك جلبة كبيرة بدت للحظة بأن الجيش في هذا القاطع ببساطة أضاع بنطاله. وهذا خلل مهني، عملياتي، موضوع في ساحة قيادة المنطقة الشمالية، أحد ما هناك يتعين عليه أن يقدم التفسيرات، الميل عندنا هو دوما أن نلقي بالتهمة على الإيرانيين الذين ينبشون وعلى السوريين الذين غيروا قواعد اللعب دون أن يبلغونا مسبقا هو ميل صبياني وليس مهنيا.
إذ لا يدور الحديث عن خلل عملياتي في اشتباك مفاجئ مع مخربين على الحدود، يدور الحديث هنا عن حدث تم الاستعداد له على مدى أشهر طويلة ويمكن أن تكون له آثار شديدة على جودة ردع الجيش الإسرائيلي في المستقبل، يحتمل أنه بسبب هذا الخلل سيتعين، ابتداء من اليوم فلاحقا، التصرف في الحدود مع سوريا بشكل مغاير تماما. نجاح أمس يمكن أن يخلق محاولات أخرى لمسيرات جماهيرية إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، وليس فقط من جهة سوريا. هذا قد يحصل في يونيو بالتوازي مع الأسطول إلى غزة، وقد يحصل في سبتمبر حول الإعلان عن دولة فلسطينية.
ماذا سنوقف في وجههم؟
وفي هذه النقطة توجد لدولة إسرائيل مشكلة منظوماتية. باستثناء الردع، ليس في أيديها وسائل لمنع اقتحام حدودها من عشرات ومئات وآلاف الفلسطينيين الذين ينجحون في تنظيم أنفسهم وتحقيق حلم عودتهم بأقدامهم.
أمس تلقينا تحذيرا: فالفلسطينيون ساروا نحو حدود إسرائيل من ثلاثة اتجاهات: غزة ولبنان وسوريا. الأردن، ومصر والسلطة الفلسطينية ستوقف مسيرات من ثلاثة اتجاهات محتملة أخرى. ولكن ليس هناك ما هو مضمون تماما. كلما جرى الحديث أكثر عن تسوية سياسية أو عن إقامة دولة فلسطينية، سيصبح حق العودة علم الكفاح الفلسطيني. هكذا بحيث إن المسيرات والأساطيل لتحقيق حق العودة ستنال المزيد فالمزيد من الزخم، ما الذي سنوقفه في وجههم؟ قناصة؟ ربما بنادق ألوان، مثلما في مرمرة.
وفي الصحيفة نفسها وفي اليوم نفسه كتب الكاتب الصحفي الصهيوني ناحوم برنياع تحت عنوان (لن تعودوا إلى فلسطين) يقول:
يسيرون الآن في مسيرات إلى الجدار الحدودي: في مجدل شمس ومارون الرأس وايرز وقلندية. يرفعون أعلام فلسطين ويطلبون العودة إلى القرى التي خسرها آباء آبائهم في 1948. قال الساسة إن هذا ما سيكون، ووعدهم الوعاظ بعون الله. وقدم رعاة أجانب أعلاما وحافلات. خرجوا للمهمة واثقين بأن المشروع الصهيوني ـ كما يسميه إسماعيل هنية ـ حكمه واحد هو أن ينهار، فما هي إلا دفعة صغيرة حتى تصبح أرض إسرائيل كلها من الأردن إلى البحر فلسطين.
ويوجه الكاتب الصهيوني الساخر كلامه للفلسطينيين مهددا ساخرا يقول:
عندي أنباء لكم يا أبناء عمومتنا الأعزاء: لن يحدث هذا في أيامكم. لن تعودوا إلى إسرائيل داخل الخط الأخضر. انقضت 63 سنة منذ تلك الحرب. وآن أوان الأخذ بأحلام أخرى.
أعلم أن لا أحد من متظاهري يوم النكبة سيقرأ هذه السطور. لكن في غرفة صغيرة في المقاطعة في رام الله يجلس عدة فلسطينيين نشطاء مخلصين لعملهم ويترجمون لأبو مازن ووزرائه كل كلمة ذات صلة تنشر في الصحف العبرية وكلامي موجه إليهم.
أبو مازن هو السياسي الأكثر إنسانية والأكثر وداً في الحكومات الثلاث التي تتولى الأمور الآن في أرض إسرائيل، وهو مصغ مثل كل سياسي إلى أهواء جمهوره، تكون الكلمات التي تخرج من فمه أحيانا أقوى منه فهو ينساق.
وعد شعبه عشية أحداث النكبة بألا يقوم زعيم فلسطيني يتخلى عن حق العودة. قال: 'ليست العودة شعارا. فلسطين لنا'.
أما سؤال أين وكيف سيتحقق الحق، هل بتعويض مالي أو بعودة مادية، هل بدولة فلسطينية تنشأ أم في إسرائيل أيضا، فقد امتنع عن إيضاحه، كان كل واحد يستطيع أن يسمع في كلامه ما أراد سماعه.
في أحاديث خاصة يقول مسؤولو السلطة الفلسطينية الكبار منذ سنين إنهم يعلمون ألا سبيل لإعادة العجل إلى الوراء.
سيُقترح على اللاجئين بناء حياتهم في مساقط رؤوسهم أو في الدولة الفلسطينية أو الحصول على تعويض مالي.
لكنهم يتحدثون إلى شعبهم بلغة أخرى، فهم غير قادرين على تبشير مئات آلاف الفلسطينيين ممن لا جنسية لهم ويعيشون في مخيمات لاجئين في سوريا ولبنان ببشرى عدم العودة. بدل ذلك يُنمون عندهم أحلاما باطلة بعودة لن تأتي.
دُفع أبو مازن نفسه قبل بضعة أشهر إلى ضيق كبير عندما نشر موقع 'ويكيليكس' كلاما قاله في حديث خاص لدبلوماسي أمريكي في عدم جدوى الإصرار على حق العودة. وقد سارع إلى الإنكار بطبيعة الأمر.
عندما يُسأل ساسة فلسطينيون لماذا يمتنعون عن قول الحقيقة لشعبهم يُجيبون بأن حق العودة هي ورقة مساومة فهم سيتخلون عنها فقط مقابل تخلٍ مواز من قبل إسرائيل في شأن شرقي القدس مثلا.
في موقفهم في ظاهر الأمر منطق: فالسوق في الشرق الأوسط لا تحترم سوى من يُصر على المساومة. لكن الأوهام لها قوة خاصة بها. إن الأمل الباطل الذي يذيعونه في جمهورهم قد يصبح عنفا يسوق المنطقة كلها. إنهم يركبون ظهر نمر.
يجب قول الحقيقة في قضية حق العودة لا للفلسطينيين وحدهم بل للإسرائيليين أيضا. إن رفض العودة إلى إسرائيل هو الخط الأحمر الذي لن يجتازه الإسرائيليون الذين يؤيدون حل الدولتين، في اليمين كثيرون لا يهمهم فهم يسعون إلى إنشاء دولة واحدة ـ دولة تمييز عنصري؛ وفي اليسار أيضاً هناك من لا يهمهم: فهناك أيضاً يوجد من يسعون إلى إنشاء دولة واحدة هي دولة النكبة.
من أراد أن يحيا في دولة إسرائيل السيادية والصهيونية والديمقراطية فلا مناص له سوى أن يكرر القول لأبناء عمومتنا: مع كل الاحترام، ما كان كان ولن يعود أبدا.
قُضي علينا بأن نتقاسم: فنحن سنعيد مستوطنينا إلينا وأنتم ستستوعبون لاجئيكم عندكم. ولن تعودون إلى إسرائيل.
لكن كل هذه السخرية لا تنفي أن لدى الصهاينة خوفا حقيقيا من احتمالية تكرار هذا الزحف مستقبلا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3630
| 04 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3564
| 01 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1521
| 02 يوليو 2026