رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ عرفت بلادنا الثورات المتتالية في مصر والعراق وسوريا وكلها تقول إنها جاءت لقضية فلسطين، فقد رأينا هذه الثورات تدخلنا في هزائم كحرب يونيو وغيرها وهزائم في كل شيء. ورأينا أن الفلسطينيين يعانون فقد ضربوا على يد الثورات في تل الزعتر وضويقت المخيمات ولم يستطع الفلسطينيون أن يحصلوا على أي إنجاز، فمازالت المخيمات التي تؤلم القلب والتي هي عار في حق الأمة العربية ووصمة. وللأسف فإن الدول قسمت الفلسطينيين لفصائل من منظمة التحرير إلى انشقاقات فتح إلى انشقاقات الجبهة الشعبية إلى جبهة التحرير العربية إلى حماس الداخل والخارج والجهاد.. إلخ. ودخلت إيران على الخط وظلت الثورات تتنازع هذه المنظمات وتقف ضد المصالحة والتقارب وتشغل هذه المنظمات بصراعات داخلية وضاعت قضية فلسطين في صراعات الدول العربية والمشاريع المتناقضة ودخول المنظمات في هذه المشاكل.
يرى الإنسان العربي أن قضية فلسطين أصبحت شماعة ودعاية للعرب. ولذا نجد الفلسطينيين يواجهون ظروفا صعبة في جوازاتهم ووثائق سفرهم، ويا ليت نرى ما يجري في المخيمات، وتنازل العرب ومعهم عدد من القيادات الفلسطينية خوفا أو إحباطا نتيجة التقارب مع أمريكا والغرب للحصول على مساعدات ودعم على حساب الشعب الفلسطيني، وجاءت المصالحة ومبادرات السلام التي لم تصل إلى حل وإنما مراوغات إسرائيلية وصمت عربي. وظهرت حرب الخليج وما سببته من أضرار على القضية وخسارة كبيرة وتغير في المواقف وأصبحت القضية ثانوية، وكانت أحداث غزة وغيرها وآثارها، كل هذا من انقسام فلسطيني وصراعات الدول العربية ودخول الفصائل الفلسطينية في ذلك، وتغير الصراع بدلا من اليسار وفتح إلى الإسلاميين والمنظمة وظهور أطراف عديدة، وبعدها يتم تسميم عرفات وكأنه المعوق أمام إسرائيل نتيجة جريمة حقد شارون وصمت العرب وكأن الرجل لا يمثل الشعب، وبغض النظر عن أخطائه، إلا أنه جزء من التاريخ الفلسطيني وضحية الصراعات السياسية العربية.
والآن وبعد ظهور ثورات الربيع تفاءل الفلسطينيون خيراً، ولكن الأمور سارت في اتجاه آخر فقد انشغل الناس بصراعاتهم الداخلية إضافة للغزو الفكري عبر شبكات التواصل ودور الإعلام في تجاهل القضية الفلسطينية جعل الناس يضعون القضية الفلسطينية في الثلاجة، وخسرت المنظمات حلفاءها، فخسرت منظمة التحرير حليفها المصري وخسرت حماس حليفها السوري، ولكن ماذا حصل. لقد احتار الفلسطينيون ماذا يصنعون فكل مشغول بهمه، وظلت الأوضاع في المعابر بنفس الوضع ولم يتغير الوضع ولم تتحقق للفلسطينيين أحلامهم التي بنوها على الثورات واستمرت المستوطنات وتهويد القدس، ولم تتوقف إسرائيل بل زادت من جهودها ومخططاتها، ولا تجد من يقول أي كلمة، واستطاعت إسرائيل أن تحقق أحلامها بالصراع السوري الذي لا تريده أن ينتهي حتى تستنزف سوريا وجيشها وقوتها لتصبح أضعف من إسرائيل بعشرات المرات لتأمن جانب سوريا بعد أن أمنت جانب العراق وخروجه من دور المواجهة مع إسرائيل وبقي الدور على مصر في إدخالها في صراع يؤدي لحرب أهلية تجعل الجيش المصري والقوى تتصارع وتستنزف الاقتصاد وتضعف التسليح وتشغل الناس بحروب داخلية وتدمر البلاد لحساب المصالح الوطنية وانشغال هؤلاء بالصراع على السلطة دون الالتفات للعدو في الجانب الآخر، كل هذا والناس نيام وتحدث يومياً قضايا وأحداث بفلسطين لا تصل إلى أسماع العرب المنشغلين بصراعات داخلية تضر بالمصلحة العربية ولم يعد العرب يفكرون بقضاياهم القومية لأن هناك دعوات للطائفية والعرقية والتجزئة، فاليمن يراد أن يكون يمنين والعراق مجزأ وسوريا مأساة بشعبه وليبيا مشغولة بهمها والعرب كل عنده أجندة مختلفة وقضية فلسطين لا تشكل أولوية واهتمام للأسف، وأصبح العرب متصارعين يرون أن مخالفيهم من أبناء جلدتهم أشد من إسرائيل.
إذ هناك خطر كبير يهدد القدس التي أصبحت قوانينها تهدد هويتها وحتى الرئيس الأمريكي لأول مرة يطالب بالاعتراف بالدولة اليهودية، ولم نسمع أي رد فعل من أي طرف سوى من الدول والجامعة العربية، وحتى أصحاب الربيع العربي، ومرت هذه دون أي تعليق، الحقيقة أن هناك خطرا كبيرا في المنطقة، زيادة المستوطنات، استمرار قضية الأسرى وزيادتها، إهمال المخيمات لأن هناك ما هو أم منها في حروب سوريا وغيرها ولاجئي سوريا مثل لاجئي العراق ضحايا هذه التغيرات.
وغير المنظمات الدولية لا نجد من يتحدث من العرب، والقدس أولى القبلتين تسير نحو التهويد ومسخ هويتها وإسرائيل تنفرد بكل ذلك لأن العرب يذكرونا بدخول التتار إلى بغداد والشام، والعرب مشغولون، وتذكرنا بأيام الأندلس.
وللأسف إن القيادات الفلسطينية لم تستوعب الدرس وتتحمل مسؤولية شعبها، فالمصالحة مازالت واقفة في خلافات لا أساس لها ولا يمكن للأجيال الفلسطينية والأيتام والشيوخ والأرامل أن تغفر للقيادات التي نسيت ذلك ولم تقدم تنازلات لصالح شعب فلسطين، فهي مستعدة لتقديم تنازلات لإسرائيل ولإيران، وليست مستعدة للتنازل لصالح الوحدة وعدم المراهنة على ما يجري، فإنه يجب أخذ العبر والدروس مما يجري.
فعلى المنظمة أن تدرك أنها الأم والبيت للشعب الفلسطيني جميعاً وتتحاور من خلال عناصر وطنية جادة وتتجنب الشروط المتشددة وتعترف بوجود الفصائل الأخرى وتتعامل بواقعية مع المستجدات، وعلى حماس أن تستفيد من الدروس في سوريا ولا تراهن على الجانب الإيراني الذي يريد استخدامها كوبري كورقة، وهو لن يقدم شيئاً لفلسطين، وما يجري في سوريا ولبنان واليمن يكفي رسالة لقادة حماس ألا يسبحوا ضد التيار بعد أن انكشفت أهداف ومواقف قادة إيران وألا تراهن على إدخال مصر التي هي على كف عفريت وكذلك بقية الفصائل.
وكذلك المنظمة وقيادة فتح يجب أن تفكر بنظرة المستقبل وتعيد ثقة الأمة بها وألا سبيل للجميع إلا بالوحدة والحوار وإجراء انتخابات وتأجيل المسائل الخلافية وقيام حكومة انتقالية والعمل جميعا في المجلس الوطني وفق المعايير التي يتم الاتفاق عليها بوساطة عربية ليعلم الجميع ألا حل إلا بالحوار الجاد وليس بتمييع وإفراغ الحوار من محتواه والمطالب التعجيزية.
شعب فلسطين يريد من قياداته التي ضحى عدد منها بدمائها وأرواحها أن تضحي بشروطها التعجيزية لصالح الشهداء والأسرى والمضطهدين والقدس الشريف، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما العرب وثوراتهم منذ خمسين سنة فعليهم أن يصلوا عليهم صلاة الغائب.
مصالح الصراعات والنفوذ الدولي
تمر المنطقة اليوم بأصعب مراحلها وظروفها ومن ذلك عودة النفوذ الأجنبي في قرارات المنطقة. أصبحت العراق اليوم وهي... اقرأ المزيد
853
| 01 مايو 2017
الربيع والثمرات المرة
يوم قام الربيع كان هناك حماس واندفاع، وكانت وسائل الإعلام تصّور ذلك أن الأمـة قد وصلت إلى ما... اقرأ المزيد
723
| 22 مارس 2017
محنة الأمة والإعلام العربي
أمتنا اليوم تمر بمحنة كبيرة وهي بإذن الله عابرة وليست خالدة لأن التاريخ لا يقف عند مرحلة معينة،... اقرأ المزيد
1096
| 07 مارس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3816
| 30 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
3732
| 03 نوفمبر 2026