رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يحكى أنه في زمن ما كانت هناك بلدة كبيرة،، تعرف "بأم المقابر" وقد اشتهرت بهذا الاسم لأن بها عددا هائلا من المقابر الراقية، المتطورة، فهي تتباهى بالطرز المعمارية الحديثة واستخدام آخر ما توصل إليه المعماريون في هندسة وتشكيل المقابر والقبور، وتوظف أحدث ما توصل إليه العلم في التكنولوجيا والتقنيات الحديثة ونظم المعلومات في تصنيف الموتى وتجهيز القبور، وتعتبر هذه المقابر الحديثة معالم بارزة وفريدة تُميز البلدة، ورغم ذلك، فعندما تدخل هذه البلدة فإنك تتعجب من الهدوء الذي يسيج أجواءها، فبالكاد تسمع أصوات الطيور، وبالكاد تشعر بهفهفات النسيم، السكون يخيم على المدينة، الجميع يتحرك في صمت، الوجوه يعلوها البؤس، والأجساد يعتريها قيح الكآبة وصديد البلاء، ولا عجب، فجميع أهل البلدة يعيشون في رعب الانتظار، وفي ذعر الترقب.
كان حارس المقابر مزهواً بنفسه، وبمكانته التي آلت إليه بعد أن رحل حارس المقابر السابق، الذي نهب وظلم، وطغى وتجبر، ولكن لم يستطع أحد أن يثبت عليه شيئاً، لأنه كان من ذوي السطوة والنفوذ، وكان يمثل واجهة لمجموعة أشد خطراً وفتكاً، تحيك الدسائس، وتنتهك الحرمات، وتقترف أنواع الظلم والاضطهاد والعنصرية، كانت وظيفته مقتصرة على تحقيق رغباتهم الجائرة، وإبداء الموافقة الرسمية على كل ما يحدث منهم، بصورة مبطنة لا تكشف حقيقة نواياهم، فلو نظرت إلى أياديهم الناعمة خدعت بها، ولو قلبتها لوجدتها مضجرة بالقسوة وبشاعة الأوزار، وهكذا كان عهد حارس المقابر السابق، وعندما رحل أخذ معه بطانته التي راحت تعيث فساداً في مكان آخر.
كانت الطبقة العاملة في المقابر والتي تنقسم إلى أقسام متعددة، تتنافس فيما بينها، لتنال رضا وقبول حارسها الجديد، الذي لا يختلف كثيراً عن سابقه، فكان يُقرّب منه كل من تجمعه بهم المصالح، والصداقات، وصلة القرابة، أما فئة المغضوب عليهم، وهم بقية المتنافسين الطامحين، العاملين بجد وإخلاص في خدمة المقابر، فهم يتسابقون على فتات القاع، بعد أن وعدهم بالتغيير والتجديد وإحقاق الحق، ورد المظالم، ولكن فعلياً لم يتغير شيء في عهده، فهو يسير على خطى سابقه، والعذر في ذلك حاضر دائماً، كأعذار غيره الرثة، فالتغيير يحتاج إلى مزيد من الوقت لحصد نتائجه، حجة بالية أخرى يتحجج بها الضعفاء، وهكذا يمضي الوقت يجر الوقت إلى حيث لا طريق!
ولا يخفى أن الحارس القوي يتمتع بفكر نير، ومستقبل ورؤية، يضعها في مخططات متسلسلة ومتلاحقة، مرتبطة بالوقت، وتعتمد آليات واضحة، وخريطة للطريق مفهومة لدى الجميع، فهي ليست خرائط سرية، يطلع عليها البعض وتُخبأ عمداً عن البعض الآخر - فالكل يستقل ذات المركب، والكل حريص على نجاته - كما يشارك فيها كل إدارات وفرق المقابر، فكل فرد منهم له دور لا غنى عنه، حتى لا تنعم بعض الإدارات المحظية، بالعمل والسمعة الطيبة والمكافآت، وتُغيب إدارات أخرى عن المشهد، ويوارى جثمانها التراب، وتُقرأ على أرواح عامليها الفاتحة!! كما أن القوي لا يخشى الآخرين الذين قد يفوقونه ذكاءً وإبداعاً، لأنه حتماً سوف يستثمر جهودهم لصالح العمل في تحسين الجودة، ورفع كفاءة العمل في المقابر الراقية !! ولكن من الواقع المر أن لا يحرس هذه المقابر من كان كفئاً لها، وأن يكون دائما الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب، حيث إن التعيين دائماً لا يكون على أساس الأنسب والأكفأ، وإنما تتدخل فيه عوامل أخرى، قد نعلم معظمها وقد نجهل البعض.
ومما يثير الدهشة، وجود فئة من العاملين الذين ساقهم القدر للعمل في هذه المقابر قد حكم عليهم بالموت وهم أحياء، فتجدهم يتظللون تحت الأشجار المتفرقة هنا وهناك، يتحدثون إلى الموتى، علهم يستمعون إلى شكواهم، أو يخففون عنهم ألم شعورهم بأن لا جدوى من بقائهم أحياء، بعد ما سلبت منهم طاقتهم وشبابهم ومهاراتهم الفكرية والجسمانية، ويئسوا من أن تستجاب مطالبهم، فهم معلقون ليسوا مع الأحياء ولا تحت التراب مع أموات المقابر.
وفي يوم من الأيام انتقل إلى المقبرة عامل جديد مليء بالحيوية والنشاط والطموح، لديه من الخبرة والعلم الكثير، فكان يحاول أن يبعث الأمل في قلوب الآخرين، بينما كانوا ينظرون له في شفقة على علمه وخبرته، التي سيواريها التراب بعد أن يتيقن من حقيقة ما يجري في مقابرهم، وعندما أدرك هذه الحقيقة المؤلمة، وبأن المطاف سينتهي به إلى محادثة الموتى، وانتظار الموت، طلب مقابلة حارس المقابر، فلم يسمح له، لأن سعادته ليس لديه الوقت ليقابل عاملا بسيطا يعمل تحت إمرته، فما كان من العامل إلا أن ينتظره في لحظة خروجه، وعندما خرج حارس المقابر، محاطاً بزبانيته، صرخ العامل بأعلى صوته منادياً: يا خادم المقابر! يا خادم المقابر ! فالتفت حارس المقابر نحو الصوت متعجباً، فاستطرد العامل: نعم أنت، ألست بخادم للمقابر ! ألست مكلفاً بالعمل على راحتها ؟! ألست مناطاً بتقديم الخدمات لها وبمن يعمل فيها ؟ ! ماذا لو غُير لقبك إلى لقب أقرب لحقيقتك ؟! ماذا لو تنادى كما أناديك الآن بخادم المقابر؟ وتستبدل اللافتة التي عليها اسمك من حارس المقابر وسيدها إلى خادم المقابر ؟! هل سترغب في ذلك ؟! هل ستتهافت لتكون خادماً للمقابر وليس حارسها ؟ هل ستجد هؤلاء يلتفون من حولك ويتسابقون لخدمتك ؟! وماذا لو علمت أن جميع من في إمرتك لهم الحق في اختيارك؟! وتقييم عملك؟! وبقاؤك مرتبط بمدى رضاهم عن خدماتك؟! وأن مقامك لن يطول هنا، وإنك راحل ٌ بعد عامين من خدمتك ؟! فهل ستقسو وتظلم وتنهب؟! هل ستظهر نفسك ومن حولك في مقام أفضل منهم؟! أم أنك ستتودد لهم، وتطلب رضاهم، وترد مظالمهم، وتستمع لهم،لأنك ستعلم حينها أن بقاءك مرهون بكل هذا !!
عندها امتعض حارس المقابر، ونظر إلى العامل ووجهه يزمجر غضباً، فمن ذا الذي يملك الجرأة بأن يتحدث إليه هكذا؟! فأمر زبانيته بحفر قبر للعامل الجديد الذي قال كلمة حق عند خادم جائر.
دمتم بود
حصان البطولة الأسود
يلعب المتطوعون دوراً كبيراً في بطولة كأس العالم، فهم يقدمون الدعم الجلي لإنجاح البطولة، سواء كان ذلك في... اقرأ المزيد
5403
| 04 ديسمبر 2022
ما هكذا تورد الإبل
يقول لاوتسزي، وهو أحد الفلاسفة الصينيين القدماء " لا يوجد في الكون مادة أنعم وأضعف من الماء، ولكنه... اقرأ المزيد
2028
| 27 نوفمبر 2022
قطر.. مجتمع عالمي
وكأنما نشعر في هذه الأيام بشعور الأم حين تزف ابنتها عروساً، فها هو العرس يقترب، ونبضات القلب تتسارع... اقرأ المزيد
2772
| 19 نوفمبر 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3078
| 24 سبتمبر 2026