رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ربما ثار من ثار عندما أعلنت الجزيرة مبكراً إبان بزوغ ثورة شباب مصر أن مبارك وحاشيته لا يعيرون تقارير أحوال الشعب أدنى اهتمام.. ونعى البعض على ان الحاشية لا تنقل الواقع..
إنها باختصار تقارير البطانة وما يقاس عليها ممن والاها من الحكام كما في المثل العربي: "وافق شنٌ طبقة". خصوصا اننا في عصر البرق والطائرات النفاثة بل الثورة التكنولوجية والاتصالية و.. و.. التي لن ينسحب عليها ما انسحب على عهد الصحابة الذين كانوا لا يتوانَون في تفقد أحوال الرعية راجلين وركبانا ليلا ونهاراً، حتى سمع ورأى الخليفة عمر بأم عينه وأم أذنه بجوع من تضع الحصى في الماء ريثما ينام عياله فقام بأمرهم بنفسه.
لن تطالب الشعوب العربية بجولة حاكم في شوارع وحارات وسكك وفرجان دولهم لتفقد أحوالهم، ولكنهم بالتأكيد ينعون على الوسيلة التي امتطاها الحكام ثقة عمياء بمن يَنقل إليهم.
ولعل كلمة الحق التي تتضح منذ الوهلة الأولى أن الشعوب التي تتحدث عنها التقارير هم مواطنون لا قطعان ولهم حقوق في مصادر وطنهم القومية وكيفية إنفاقها وصرفها ناهيك عن الحقوق المدنية والسياسية، والمشاركة في كافة مناحي الحياة، خصوصا أنهم في كثير من دول الوطن العربي لا صوت لهم في ممثل يمثلهم أو يدلي بدلوهم أو حتى في إعلام حر يفي بصوتهم.
بادرتنا ثورتا مصر وتونس ببركان فجر براكين أخرى في كافة منطقة الشرق الأوسط، بما فيها إيران على المستوى الأوسع لمعنى كلمة الشرق، هذا ولا تعد دول الخليج النفطية الغنية بمعزل عنها، خصوصا مع تجدد الثورات ودعوات الفيس بوك ونهضة تويتر الفكرية التي باتت تشكل جرس إنذار خطير لحالة من عدم الرضى عن مستوى الحقوق أو التمثيل أو عدالته.. صغرت هذه الدعوات أو كبرت، جاءت في صورة مطالبة بإصلاحات أو حقوق أو عدالة أو غيرها.. المهم في ذلك كله ألا تكون مؤشراً من مؤشرات زعزعة أمن الدول وإحداث الفوضى ما دام تحقيقها ليس بالأمر العسير على القائمين بأمرها.
والمطالبات وإن ضجت بعضها في نداءات الميادين والشوارع وإن ظلت بعضها حبيسة المسارات الإلكترونية او النوايا التي قد يخشى من تكتلها مستقبلا، جلّها تؤكد أن الصورة الشعبية للمحكومين العرب لدى الحكّام تعاني من القصور سواء كانت تعمية مقصودة يشترك فيها الحاكم وحاشيته، أو تعاني من الضبابية، تختل فيها الرؤية لدى الحكام بفعل فاعل.
أما وإن لكل حاكم بطانة، وبطانة الرجل لغة تعني: خاصته الذين يطلعون على أسراره ويستبطنون أمره، وهي مأخوذة من بطانة الثوب، وهي ما يلي الجسد منه.
فإننا لا نعتقد أن البطانات الملتصقة بثوب الحاكم تصدُقه فيما تصدره من تقارير الشعب، خصوصا مع تداخل المصالح، بل هناك الكثير من الأمور التي تغيب ويُظهَرُ فيها المواطنون وكأنهم في ظل عيش رغيد وملك سديد وكأنهم من نبلاء القرون الوسطى، سواء تعلق الأمر بحقوقهم في رغيف العيش الذي يسد رمقهم او غيره من مقومات العيش الكريم، أو الحقوق المدنية التي تتوازى ومقدراتهم واستحقاقاتهم كلاً وفق مستوى دخل دولته وثرواتها وعدد سكانها.. لذلك انقسمت المجتمعات العربية ومنها الخليجية الى طبقية ليست طبيعية بحكم نظرية "الاختلاف والتسخير الكوني الرباني" مصداقا لقوله تعالى: "ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا" (الزخرف: 32)
بل الطبقية غير العادلة بحكم التلاعب في ثروات الدول، والتي تلعب فيها البطانات أو بعض الحكام دوراً فاعلاً في تكريس تلك الفجوة.
تظن الحكومات العربية أن تقدير الرواتب والأجور على العمل او توفير فرص العمل الطيبة او إنفاق أموال الدولة وموارد دخلها وثروتها على الأساسيات من التعليم والصحة، والبنية التحتية او الخدمات الأخرى حسنات او مكارم حين إنها حقوق للمواطن في المال العام، تماما كما ينفق الحكام على أنفسهم من المال العام سواء فيما يستحق الأجر او في المكتسبات الأخرى التي طالهم شرفها بمجرد وجود الكرسي، هذا حين أنه ليس من يلي أمر الكرسي غالبا هو المنتفع الأعظم بقدر ما هي لعبة كراسي دائرية مغلقة يغلف بها الحكام ببطائن هم العين في شعوبهم، وهم المستأمنين على التقارير التي تصدر عن أحوال الشعب ليقرر الحكام ما يرونه مناسبا، فلا يتوانون — إلا من رحم الله — عن التعتيم أو التكتيم والنفاق بل التعمية وتزييف الحقائق.. وكلما ظل التقرير ظل التعديل.. أما أضعف الإيمان والشكل الآخر من أشكال تلاعب البطانة فهو إبعاد المواطنين بالمعنى المكشوف، فما أن يبادر أحدهم بطلب رؤية "الخليفة" — تأسياً بدور الخلفاء او من يليه في شأن الوطن — بهدف رفع مظلمة أو بث مناشدة أو أمر جلل يستحق العرض على أهل الحل والعقد، حتى تبتر رجلاه عن بكرة أبيه، لا أعني بها المعنى الحرفي للبتر، بل أعني أن البطائن غدوا فوق كونهم المحررين او المقررين أو عين الحكام، غدوا هم لا غيرهم "حراس البوابة" الذين يغلقونها ليس فيزيقيا فحسب — وهذا جائز في عرف الحكام ومسؤولياتهم الجسام، إذ لا يكفي وقت الحكام حتى لو خصصت جلسة واحدة للرعية — عفوا أعني المواطنين — بل أقصاه أن يصل الأمر إلى حجب البطانة لأي مطلب جلل، لا عادي، سواء كان هذا المطلب يرد برسالة عن بعد، سواء كانت مخطوطة او مطبوعة او إلكترونية او هاتفية او شفوية فترمى في حاويات أو نفايات منفية سلفاً لا تخضع حتى لما يسمى "إعادة التدوير".
أما الشكل الآخر من أشكال ظلم البطائن التي لا يمكن أن تكتشف بسهولة فهي تلك التي لا تحجم تقارير حالة الشعب ومظالمه فحسب بل تلك التي تحجم أيضا تقارير العمل والأعمال الوطنية، وتعطي صوراً خادعة ومغلوطة حتى عن أحوال العمل الوطني والمستأمنين على أعمالهم وأماناتهم الذين لا يمكن ان يصل تقرير أحدهم الى ولي الأمر، وإن طلب رسمياً الا من خلال "فلترهم" الذي لا ينقي أو يصفي بقدر ما يجتزئ — ورحم الله من لا يدخل الهوى أو الأهواء لا في التنقية
— بل في التصفية القسرية — وفقا لمصالح الحراس، ناهيك عن استحالة أن يصل الشخص ذاته ليدلي بعهدة أمانته في عرف البتر وإيصاد البوابات، لأن الهمّ الخاص أضحى عند البعض أكبر من الهمّ العام، وإذكاء حظوتهم وخزائنهم ومدخراتهم بالتعمية والتضليل والتدليس أهم من المصلحة العامة والوعي والضمير الجمعي لله وللوطن وللشأن العام.
وما حدث في بلد الثورات المعلنة والحكومات المخلوعة خير شاهد ولا تنفع مصادرة الثروات ومحاسبة الفساد بعد استفحاله على الرأي العام الدولي بأسره، وتجرع الشعوب وأمن الدول واستقرارها مرارته، خصوصا ان في كل بلاد همها، ولا ينفع منا نحن العرب ونحن من يوصف بالعدل والكرم والنخوة والفروسية ان ننعي على الجمال بعد ان تسقط لأن سكاكينها سهل أن تكثر، إذ ليس في ذلك بطولة، على حد مقولة أهل الخليج: "لي طاح الجمل كثرت سكاكينه".
وفي النهاية سواء كان هذا وذاك، إنه إن حصل في أي وطن وبأي شكل أو مستوى لتعتيم جائر ومصادرة لحقوق الشعوب في فلتر حراس محدودين لتظلم بعدها شعوب تحت عين عوارء لا تنقل الا ما تريد او ما يوافق مصالحها لمن تريد، ولا يَبرَأ منها كثير من الحكام — إلا من رحم الله — مما يشكل على المدى البعيد قهرا اجتماعيا وغليانا داخليا، قد يذكي إلى ما يطفو، وما طفا على سطح الثورات الشعبية أو ما تتنهد به صفحات الفيس بوك وتغاريد تويتر أو نقاشات المدونين والمنتدين في المدونات أو المنتديات العنكبوتية التي يجدر الأخذ بمكنونها وتنهداتها الشعبية لكل ذي لب، يسعى لأمن واستقرار وطنه وعدالة حكمه.
الآية القرانية حسمت أهمية أو خطورة أمر البطانة بقوله تعالى:
((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون)) (آل عمران/118).
والبطانة: هم الدخلاء.. والدخيل هو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته ويفضي إليه بسره ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته، ويعمل بمقتضاه.. والخبال هو الشر.
وعنه صلى الله عليه وسلم، قال:
"ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى". والله نسأل لسائر حكامنا العرب العصمة وبطانة الخير والمعروف..
وعوداً على بدء..
كم "مبارك" أو "زين" ستكشفه الجزيرة قبل سقوط الجمل.. وهل ستحل الجزيرة في تحول لنظام عالمي جديد محل او مع أدوات البطانة وبعدالة على قاعدة: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت"؟؟
كاتبة وإعلامية قطرية
Twitter: @medad_alqalam
medad_alqalam @ yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4884
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1434
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
987
| 06 أغسطس 2026