رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبقت الإشارة إلى مركزية الإنسان في أي عملية نهضة حضارية، وأشرت إلى أن هناك اتفاقا عاما على هذا الأمر، ولكن رغم ذلك نجد كثيرا من الشعوب – السودان من بينها – تنصرف حين تهم بالإصلاح لأجل النهضة عن الإنسان لما ينطوي عليه إصلاحه من صعوبة وحاجة للصبر الطويل، فينصرفوا نحو ما يظنونه ركائز فرعية يمكن أن يتصوب جهد الإصلاح تجاهها حتى تقوم النهضة عليها عوضاً عن إصلاح الإنسان المضني. لذلك، وقبل أن نخوض في أمر إصلاح الإنسان، علينا أن نفند بعض الضلالات التي تشكلت في وعينا العام عن النهضة وسبل الوصول إليها.
• ضلالة الثروة الطبيعية:
الإنسان بطبعه مجبول على القعود عن بذل الجهد والعمل ما لم يستفز إليه أو يضطر، لذلك فإن الذي يرث مالاً عن أهله قلما ينهض لعمل إلا أن ينفد منه المال. وربما لم يختلف هذا السلوك إذا كان المرء موعوداً بالإرث حتى دون أن يقبضه، وهذا يشبه حالنا اليوم.
لا أدري متى ولا كيف انتشرت ضلالة أن السودان هو من أغنى الدول في موارده الطبيعية ولكنها الآن أصبحت شديدة الرسوخ إلى درجة عقائدية ما يجعل البحث عن أصل هذه الخرافة مثيراً للاهتمام، ولكن ذلك بحث يخرج عن الإطار الحالي، ويمكن الاكتفاء بالإشارة إلى أمرين قد يساعدا على فهم هذا الإشكال.
الأمر الأول هو أن الخرافة بدأت في السودان القديم الذي حوى بعض البترول إضافة إلى صيت الطبيعة الغنية لكل أرض استوائية وذلك الغموض الذي يحيط بكل ما هو إفريقي وبدائي، والذي يخبئ وراءه في العادة كنوزاً كبيرة لا يعرف الإفريقي – لبدائيته – كيف ينفقها، حتى يأتي الحضري الأبيض مغامراً ومتخطياً مجاهيل الغابة الإفريقية وشعوذة أهلها ليفوز بالكنز! هذه الصورة النمطية ربما تكون فيها شيء من المبالغة ولكنها لن تخلو من قدر من الحقيقة. والسودان الذي غلبت عليه الثقافة العربية رأى نفسه بمنظارها الذي اعتاد الصحراء والقفر فرآها جنة وارفة وهو كذلك بالنسبة لمنابع ثقافته. ثم إن العرب الذين ينظر إليهم السودانيون بشيء من الإعلاء يعجبهم في السودان ما يفقدوه عندهم، بعض الماء والخضرة، وذلك إعجاب تدفعه ربما الحاجة أكثر من دفع السياحة والنظر فصارت هذه الميزة السودانية على العرب – المستعلين بثقافتهم – ثمينة جداً وفريدة فأسرف السودانيون في تعظيمها طلباً للمباهاة مع العربي.
الأمر الثاني هو ذلك النزوع الطبيعي نحو الدعة والسكون الذي ذكرته في مبتدأ الفصل، والذي يعوز الدافع نحو النهضة لن ينهض. فالنهضة ليست تلقائية وليست يسيرة، بل تستدعي جهداً كبيراً وتعباً ما يعني أنها تستدعي حافزاً عالياً، وليس ثمة أمر محبط للحافز ومقعد لهمة الإنسان سوى سهولة المال والاستغناء عن العمل. ولكن كيف يتنزل هذا الإحباط لمستوى الفرد فيؤثر على همته الذاتية؟ بتعبير آخر، هل سيمتنع الفرد عن العمل بجد لكسب العيش الطيب لأن البلد غنية بالبترول والذهب؟ إذا وجد الضمان لمعاشه سيمتنع في الغالب إلا أن تكون له همة فطرية ونشاط. ولكن التعقيد يكون عندما ينعدم الضمان، أي عندما لا يجد كافلاً من الدولة أو غيرها إذا قعد عن العمل، فهل سيؤثر عليه كون البلد ذات ثروة طبيعية كبيرة أو لا؟ نعم سيتأثر.
العنصر الذي يغفله كثير من الناس في دراسة الاقتصاد وأحوال المعاش والاجتماع هو عنصر الثقافة الاقتصادية وأخلاق العمل. وهو العنصر الذي قد يغيب تأثيره عند النظر على مستوى الفرد ولكنه شديد الوضوح من المنظور الكلي. مثال ذلك نجده في نظرية ماكس فيبر عن تأثير الأخلاق البروتستانتية على ولادة الرأسمالية في أوروبا دون غيرها. وليس عسيراً ملاحظة أن بعض الشعوب اعتادت إتقان العمل أكثر من غيرها حتى إذا استوى الأجر، لأن الإتقان أصبح طبيعة وثقافة عند هذه الشعوب ولم يعد متوقفاً على قدر الأجر المقابل. ذات الأمر نجده معكوساً عند الشعوب التي تحرص مثلاً على تحضير الطعام بما يزيد على الحاجة وإكثار الأصناف، ليس لسعة في المال، بل أحياناً يكون هذا في ضائقة، ولكن لأن الأمر أصبح ثقافة، ثقافة تفسر من السلوك الإنساني ما يعجز المنطق الاقتصادي البسيط عن تفسيره.
إن مثل هذه الشعوب التي تعيش على أمل الرفاه من ثروتها الطبيعية كمثل الابن الذي يعيش على أمل الغنى من إرث والده العجوز البخيل، فهو يعيش في حال بسيط لبخل والده ويمضي في حياته كالناس، يدخل المدارس ثم يخرج ليبحث عن عمل، ولكنه في كل ذلك ضعيف الالتزام، يده في الواجب الذي بين يديه وعينه على ثروة أبيه، وهو في حاضره لا يبذل ما ينبغي من جهد تجاه واجباته ولا يحسنها لظنه أنه قريباً لن يحتاجها وسيستغني بإرث أبيه. هذه هي الثقافة الفاشية في شعوبنا إلى حد كبير، ثقافة الخلاص القدري وليس الكسبي، حيث يهبط قدر من السماء أو يخرج من الأرض فيخلص الناس من معاناتهم، والمهدي المنتظر والبترول في هذا الأمر سواء.
بهذا الفهم ظل الناس يلقون اللائمة على الحكومات باعتبارها عاجزة عن إدارة هذه الثروة وايصالها لهم بينما هم يدبرون أحوالهم بأقل مجهود ريثما يأتي الفرج. وبذات الفهم فإن الحكومات تنفق من الموارد الطبيعية باعتبارها مالاً وليس باعتبارها رأسمال، فالمال يستهلك بينما رأس المال يستثمر، ولكن اختلط الأمر على الحكومات فظنت أن إخراج الثروة من الأرض هو غاية الاستثمار وأن ما أخرجته هو النقد الذي تمضي به إلى السوق. هذا ما فعلته الحكومة بالبترول وتفعله الآن بالذهب وكانت وستظل تفعله بالزراعة حتى يفتح الله على هذه البلاد بمن يدرك مفهوم الصناعة والقيمة المضافة.
أقول هذا طعناً في منهج الاعتماد على الثروات الطبيعية إن وجدت فكيف أن لم توجد! الحقيقة التي ذكرتها في غير مرة هي أن السودان بلد محدود الموارد وليس غنياً بها، فباستثناء الثروة الحيوانية والتي لا يحسن استغلالها، فالسودان لا يصنف غنياً في أي مورد من الموارد الطبيعية الأساسية، لا في المحروقات ولا في المعادن ولا في المياه العذبة، وكل ما يقال عن أن هذه الأرض تحوي كنوزاً كبيرة هو إما مبالغة أو خرافة. ولكي ندرك خطورة استمرار هذه الضلالة على مستقبل بلادنا نسترجع مثال الابن الذي أضاع عمره دون أن يحسن التعلم أو العمل طمعاً في الاستغناء بثروة أبيه، ثم اكتشف أن أباه فقير معدم، هذا هو حال السودانيين اليوم، غفلة تستدعي عاجل الانتباه.
الصمت كنز
تَأَمَّلْ صاحِ هل لاحظتَ شيئًا أحَقَّ بِطُولِ سَجنٍ من لسانِ؟! وكم ضاقت صدورٌ من حروفٍ تعجَّلَت المُضِيَّ بلا... اقرأ المزيد
144
| 01 يونيو 2026
وداعا عبدالله بن حمد العطية
رحم الله الوالد سعادة عبدالله بن حمد العطية نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الطاقة الأسبق الذي توفي في... اقرأ المزيد
261
| 01 يونيو 2026
قطر.. موقف ثابت دعما لسيادة واستقرار لبنان
يشكل التصعيد العسكري الخطير للكيان الاسرائيلي في جنوب لبنان، الذي تجاوز كل الخطوط رغم اتفاق وقف اطلاق النار،... اقرأ المزيد
114
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
3048
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2547
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1617
| 29 مايو 2026