رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت أقرأ في كتاب استأثر باهتمام النخب الغربية في الفترة الأخيرة بعنوان «نادي الساعة الخامسة» لكاتبه روبين شارما، والذي ينصح فيه قراءه، باستثمار هذا الوقت المهدر والذي يبدأ من الفجر، تذكرت حينها قسم الله تبارك وتعالى من فوق سبع سموات بقوله: (والصبح إذا تنفس)، والمعلوم أن ما يقسم به الله تبارك وتعالى عظيم، ولعل قول النبي عليه الصلاة والسلام يفسر ذلك حين يقول: (بورك لأمتي في بكورها) وفي رواية أخرى: (اللهم بارك لأمتي في بكورها)، ولهذا شبّه بعض السلف اليوم بقوله: «يومك مثل جَمَلك، إن أمسكت أوله، تبعك آخره» أي إذا حفظتَ أول اليوم فإنَّ بقية اليوم يُحفظ لك، فالبركة كل البركة في أول النهار، فيه تقسم الأرزاق، وفيه يكون الإنسان في ذروة نشاطه، وقوته، وحيويته، فالنوم في هذا الوقت يحرم المرءَ من كثير من الرزق، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله: (نوم الصبحة يمنع الرزق، لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها، وهو وقت قسمة الأرزاق، فنومه حرمان، إلا لعارض، أو ضرورة، وهو مُضر جداً بالبدن، لإرخائه البدن، وإفساده للعضلات، التي ينبغي تحليلها بالرياضة، فيحدث تكسراً، وعِيًّا، وضعفاً).
ومن أسوأ ما يُخلّفه نوم ما بعد الفجر، حرمان المرء، من الاستفادة، من هذه الفترة الذهبية، للقراءة والاطلاع والتأليف والتأمل والمدارسة، حيث يكون الجو من حوله في غاية الهدوء، مما يساعده على التركيز، أما في وسط النهار وآخره فيكون التركيز أقل بكثير، بعد أن تزدحم الحياة، وتتعالى الأصوات، وتهدر الحافلات، والجرارات والشاحنات الضخمة، فتعج الحياة بالصخب والضجيج، بما يدفع المرء إلى التشتت في التركيز، وهو أول وأهم صفات هذا الوقت، وكما هو معلوم فإن القراءة وعبادة التأمل أولى شرائطها التركيز، وقد أبدع أحدهم حين وصف اليوم بقوله: (أول اليوم شبابه، وآخر اليوم شيخوخته، ومن شبَّ على شيءٍ شابَ عليه) وحين سئل الإمام الشعبي: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاعتماد (أي الاعتماد على الغير)، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب.
حين تصفحت هذا الكتاب أدركت كمْ من الكنوز الغائبة، والمغيبة عن هذه الأمة وهي في متناول يديها، بقرآن ربها وسنة نبيها عليه الصلاة والسلام، ليأتي صاحب كتاب نادي الساعة الخامسة ليشرح لنا أهمية هذا الوقت العظيم في القراءة والاستيعاب والتأمل، وهي فرصة لأهل الذكر والعلم والنخب في أن تُزيل غبار النسيان والإهمال والخجل عن تراث عظيم ينتظر من يقدمه بقوة يتناسب مع العصر ومقتضياته، شعاره: (خُذ الكتاب بقوة).
لقد جرّبت شخصياً في حياتي هذا عملياً، فعلى امتداد أربعة عقود قلّما نمت بعد صلاة الفجر، كنت أسعى إلى الاستفادة من هذا الوقت العظيم، في قراءة وردي القرآني وشيئاً من التفسير حيث أتيت في عام واحد فقط على تفسير السعدي رحمه الله، وتذكرت حينها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل الأعمال أدْوَمه وإنْ قلّ»، واليوم أعكف بفضل الله على قراءة تفسير عظيم خلّفه لنا الإمام ابن عاشور هو بعنوان (تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد) وهو التفسير الذي نصحني به شيخنا وأستاذنا الراحل رحمه الله ونوّر مرقده الأستاذ عصام العطار حين التقيته عام 2008 في آخن بألمانيا، وأسْرد للقارئ الكريم بعض الكتب التي قرأتها في هذا الوقت العظيم، وهي الكتب التي تستحق أن تقرأ في هذا الوقت تحديداً، مثل الموافقات للإمام الشاطبي، ومدارج السالكين لابن القيم الجوزية، وديوان المتنبي، بحيث أقرأ كل يوم في أحدهم بضع صفحات، نظراً للعمق، التي تتمتع به هذه الكتب. ليس هناك أمام المثقف المبدع أفضل من هذا الوقت في الاستغلال والاستثمار، لاسيما إن كان قد أوى مبكراً إلى فراشه، فليس هناك أشد عداوة على صلاة الفجر وعلى استثمار هذا الوقت العظيم من السهر الطويل، فالذي يبكر بالصحو سيجلس ينفرد بالبيت كله، ما دام أهل البيت غالباً نياماً، وبالتالي لن يجد أحداً يُزعجه، أو يناديه، أو يطلب منه شيئاً، حينها سيكون التركيز في أقصى درجاته وفي عنفوان شبابه، ومن الأفضل أن يسعى كما أسعى في كثير من الأحيان إلى إبعاد أدوات التواصل الاجتماعي عنه، وذلك من أجل الاسترسال في الأفكار دون انقطاع، ولكم جميل أن يسعى البعض إلى كتابة بضع صفحات من مذكراته، وما حصل معهم بالأمس، فهذا حتى لو لم تُنشر في حياتهم، فإنها ستكون كنزاً من كنوز المعرفة والمعلومات للأجيال القادمة، ليعرفوا من سلفهم كيف عاشوا، وما أملوه وطمحوا إليه ونحو ذلك من معلومات قد تبدو اليوم غير مهمة، ولكن لمن بعدنا ستكون في غاية الأهمية، يظهر ذلك اليوم أمام أعيننا، ونحن نروي لأبنائنا وأحفادنا ما كنا نعيشه في الوقت الغابر، فيستغربون ويندهشون، وبالتأكيد سيكون الحال ذاته مع من يأتي بعدنا، فلكل عصر دولة ورجال. وكم يحزن المرء وهو يجد حرص الأهل على إيقاظ أبنائهم وبقوة على أوقات المدارس الصباحية، وهو أمر جيد بلا شك، بينما يتهاونون في إيقاظهم لصلاة الفجر، واستثمار هذا الوقت العظيم في القراءة والكتابة والتأمل، وأكاد أجزم لو أننا استغللنا هذا الوقت العظيم المهدور لتغير وجه بلادنا، وتغير معه حاضرنا ومستقبلنا، ولعل الأجمل أن يُعلن عن بدء الدوام الرسمي بعد صلاة الفجر تماماً، فإن كانت الصلاة الساعة الخامسة، فما المانع أن يكون الدوام الساعة السادسة صباحاً؟، ليعود الجميع إلى بيوتهم الساعة الثانية عشرة ظهراً، يستغلون يومهم كله بما فيه خير دينهم ودنياهم، ربما فكرة غريبة قد تبدو للبعض، ولكن كثيراً من الأفكار الغريبة، التي أتت خارج الصندوق غيّرت وجه عالمها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2238
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1479
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1131
| 11 أكتوبر 2026