رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

داود البصري

داود البصري

مساحة إعلانية

مقالات

360

داود البصري

حروب الاستنزاف والإبادة العراقية

19 أكتوبر 2015 , 02:08ص

في العراق الملتهب والمنقسم والسائر في طريق الإفلاس، تجري فصول رهيبة من الاستنزاف الدموي المفجع المترافق مع تصعيد حاد للتشاحن الطائفي ولمسارب توسيع التدخل الدولي عبر النية الحكومية لاستدعاء الجيش الروسي للمشاركة في العمليات القتالية ضد مواقع تنظيم الدولة في العراق، وهي دعوة تتصادم بشدة مع الحليف الأمريكي ولكنها تتناسب بحدة مع رغبات الحليف الإيراني الذي أضحى دوره العسكري المباشر في الشرق وفي الساحتين العراقية والسورية مركزيا ومتضخما لدرجة التورط والانغماس في مستنقع الوضع الداخلي المهترئ، فالخلية الاستخبارية التي أقيمت في قلب بغداد وضمت عناصر أمن ومخابرات دول (حلف بغداد الجديد) وهي العراق وإيران وسوريا وروسيا، تتداول معلومات استخبارية وعسكرية بعيدا عن أي مشاركة أمريكية رغم أن القوات الأمريكية موجودة على الأرض وفي القواعد العسكرية العراقية وطائراتها توفر الحماية للمجال الجوي العراقي افتراضيا.

تدور كل تلك التحركات تحت عيون وأسماع السفارة الأمريكية في بغداد والتي هي دولة داخل الدولة ولها تأثيراتها ورجالها ومراكزها الشاخصة في العراق ولا يمكن أن يمر أي حدث داخلي دون أن يمر على فلتر السفارة، والواقع أن الصورة الداخلية للمشهد السياسي والعسكري العراقي في قمة التعقيد والتداخل وحتى التناقض، فليس سرا أن أعداء الولايات المتحدة التاريخيين بل والمتورطين بشكل مباشر في ضرب المصالح الأمريكية في الشرق في إرهاب ثمانينيات القرن الماضي هم ذاتهم اليوم من يتحكم ببوابات ومسارب ومخارج حكومة حيدر العبادي التائهة في فوضى الأحداث، فهادي العامري قائد الحشد الشعبي ونائبه جمال جعفر (أبو مهدي المهندس) هم في البداية والنهاية أدوات إيرانية تابعة للحرس الثوري ومن رجال السردار قاسم سليماني، وأجندتهم إيرانية محضة وولاؤهم النهائي السياسي والمرجعي للمرشد الإيراني علي خامنئي، ولا يمكن أن يتصرفوا أي تصرف أو يصرحوا بأي تصريح خارج نطاق الموقف الإيراني، وهم اليوم تحديدا عبر آلاف المسلحين الميليشياويين الذين دربتهم إيران من يخوض المعارك في غرب العراق!، وهم من يقدم الخسائر البشرية الكبيرة ولعل أبرز تصريح صدر عنهم كان ما تفوه به المهندس قبل عيد الفطر الماضي من أنهم سيصلون العيد في الفلوجة، وإن الفلوجة غدة سرطانية ينبغي استئصالها، وهو الأمر الذي لم يتحقق، فلا هم صلوا العيد هناك، ولا هم تمكنوا من استئصال الفلوجة، بل إن العكس هو الصحيح تماما، فقد وجهت ضربة قاسية للحشد بتحلل وهروب عناصره للخارج ضمن قوافل الهاربين والطالبين للجوء في أوروبا.

وتعثرت العمليات العسكرية بعد الخسائر البشرية المهولة التي تكبدها الحشد في معارك الرمادي والفلوجة، واليوم يتكرر المشهد الاستنزافي الرهيب في معارك بيجي ومصفاها وكذلك الرمادي وهي معارك انطلقت بقوة دفع روسية وإيرانية وحكومية ولكنها تواجه اليوم فشلا حقيقيا رغم البيانات العسكرية التضليلية التي تتحدث عن تحرير كامل لصلاح الدين وهو الأمر الذي لم يحدث أبداً، بل كانت النتائج كارثية أسوة بالماضي القريب. حرب الاستنزاف للجماعات الطائفية مستمرة ومتصاعدة خصوصا في ظل انفتاح قوات الحرس الثوري على مساحات واسعة في العمقين العراقي والسوري، وحيث انتقل السردار قاسم سليماني للشمال السوري لإدارة عمليات تعرض لمواقع المعارضة السورية المسلحة تحت الغطاء الجوي الروسي، وهي بادرة نادرة من نوادر الشرق العجيبة.

وفي سوريا أيضا تتكرر مشاهد الفشل والاستنزاف التدميري للجهد العسكري الإيراني ليضاف لملفات الفشل العراقية المتراكمة.

العراقيون أمام حالة اليأس المطلق من حسم المعارك الاستنزافية يلوحون باستدعاء الدب الروسي للحقل العراقي! وهو تلويح لا يحمل أي عناصر تغيير حقيقية، فالروس في مغامرتهم السورية يعيشون أوضاعا قلقة، وهم رغم تصريحات قادتهم العنترية يخشون من التورط في الأوحال العراقية والسورية ويعمدون لنشر تطمينات بأن تدخلهم جوي فقط ولا يشمل البر، ولكنها تظل مجرد أقوال قد لا تصمد أمام تطورات الأوضاع الميدانية.

الحماية الروسية لنظام الأسد المنهار لا يمكن أن تكون فاعلة ومؤثرة إلا عبر التدخل البري، فالجيش السوري منهك والحرس الثوري ينزف وقوات حزب الله تعاني الانكسار والخسائر العالية، فهل يصلح النجار الروسي ما أفسد الدهر.

أما الحالة العراقية الميتافيزيقية فيظل الاستنزاف سيد الموقف حتى إشعار آخر.

مساحة إعلانية