رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن حدث الهجرة من الأحداث العادية التي تطوى في سطور الكتب أو تنسى في خضم الأحداث، فيأتي على ذكرها الزمان ويطويها النسيان, ولكنه حدث غير مجرى التاريخ ومثل تحولا هائلا ونوعيا في كل مجالات الدعوة الإسلامية, وكان تتويجا لتضحيات وصبر النبي (ص) وأصحابه الطيبين الذين أعطوا الإسلام عرقهم ودموعهم, فأوذوا وعذبوا وصبروا وصابروا حتى جاء أمر الله وأذن لهم بالهجرة.
بالهجرة قامت الدولة بعد أن أقيم المسجد وعقدت المعاهدات وتوالت التشريعات وتوالت الانتصارات وتكونت الأمة, فتماسك النسيج الاجتماعي وتوحدت القبائل العربية وبددت شمس الإسلام الظلام الدامس الذي غطى العالم فتهاوت الإمبراطوريات ومن الجزيرة العربية خرجت القيم والمبادئ والمنظومات المعرفية التي تنحاز إلى جانب الإنسان ضد كل أشكال القهر والاستغلال والاسترقاق البدني والروحي والنفسي والعقلي, وبالهجرة حمل العقل العربي المتفتح والشجاع هذا كله ليكون بشرى وخلاصا لكل المظلومين والمستضعفين في الأرض. وبالهجرة انطلقت مواكب الفاتحين بأعظم رسالة وبأكمل دين يحث سيرها ويدفع تقدمها نحو بلوغ غاياتها قوة لا تعرف الضعف وعزم لا يعرف الفتور وإيمان بالنصر يسكن في القلوب وحركة لا تعرف النكوص. بالهجرة أصبحت يثرب المدينة المنورة, وقاعدة الإسلام الأولى وعاصمة الدولة, وسرى في أجوائها من ذلك الزمان وإلى أن تقوم الساعة عبق النبوة, وعبق أنفاس الرسول الكريم (ص) ليكون لأهلها ولزوارها سكينة واطمئنانا وأمنا, وسلاما قائما ورحمة, فسرى حبها في كل قلب وتطلع كل مسلم إلى الإقامة فيها والموت على ترابها. وكيف لا وقد دعا لها النبي (ص) فقال:"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد, اللهم وصححها. وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حماها واجعلها بالجحفة"..
وعن أنس رضي الله قال: قال رسول الله (ص) "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة".. الهجرة يوم من أيام الله تعالى التي ينبغي أن نتوقف عندها فنتدارسها ونعلم دروسها لأبنائنا فالأمم التي تنسى تاريخها تذوب في غيرها وتعاني من العقد وربنا تبارك وتعالى يأمرنا بذلك "وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ".. (ابراهيم5).. قال الإمام الألوسي في تفسيره: "{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله} أي: بنعمائه وبلائه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره الطبري لأنه الأنسب بالمقام والأوفق ومثلما فرح الصحابة بالهجرة نفرح.
في ذكرى الهجرة دروس وعبر ينبغي أن تظل ماثلة في ذاكرة الأجيال, فالنبي (ص) أخذ بكل الأسباب, وخطط ونظم ونفذ وتابع بدقة بالغة وبحذر شديد ولم يقف بطش مكة به وبأصحابه حائلا بينه وبين رد الودائع إلى أصحابها فعهد بها إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك الفارس الشجاع النبيل الذي نام في فراشه غير مكترث بالموت.
لقد شرع رسول الله (ص) بالهجرة بسرية كاملة وبكتمان شديد, فتوجه إلى دار أبي بكر الصديق بالهاجرة ( أو عند الظهيرة) حيث يأوي الناس إلى بيوتهم في القيلولة واجتمع به منفردا قائلا له (أخرج عني من عندك, فقال: يارسول الله, إنما هما ابنتاي, وما ذاك ؟ فداك أبي وأمي, !فقال: "إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة"، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله, قال: الصحبة.. وعندها ظل أبو بكر يبكي من الفرح كما تروي ابنته أسماء كما لم يبك من قبل. كان حب أبي بكر لرسول الله (ص) حبا لا يحد ولا يبارى ولا يبز, أحبه أكثر من نفسه ومن أهله ومن الناس أجمعين وقد بينت الهجرة مدى ما كان يكنه للنبي (ص) من حب, فعندما انتهيا إلى الغار ليلا, خشي على النبي (ص) فدخله قبل النبي (ص) لينظر أفيه سبع أو حية ليفتدي النبي (ص) بنفسه. وفي الغار أوشك أبو جهل ومن معه من مشركي قريش أن يمسكوا بهما فحزن أبو بكر وبكى وقال همسا للنبي (ص): والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره, فقال له رسول الله (ص): لا تحزن. إن الله معنا. أيد الله رسوله (ص) في هجرته بجنود لم يبصرهم الناس كما قال تعالى في سورة التوبة: ((إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم)).. لم يدع أبو بكر لأهله مالا وتروي أسماء أن جدها أبا قحافة دخل عليهم وقد ذهب بصره فقال "والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت! إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. قالت: فأخذت أحجارا, فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها, ثم وضعت عليها ثوبا, ثم أخذت بيده, فقلت: يا أبت, ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه, فقال: لابأس, إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن, وفي هذا بلاغ لكم.
أعد النبي (ص) وصاحبه كل شيء إعدادا محكما فكان عبدالله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به, وما يقولون في شأن رسول الله (ص) وأبي بكر, ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر, وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه يرعى في رعيان أهل مكة, فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر, فاحتلبا وذبحا, فإذا عبدالله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة, اتبع عامر ابن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه, حتى إذا مضت الثلاث, وسكن عنهما الناس, أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له, وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما, ونسيت أن تجعل لها عصاما, فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فلم تجد فشقت نطاقها باثنين, فعلقت السفرة بواحد, وانتطقت بالآخر. ولذلك سميت بذات النطاقين. ولما همّا بالمسير قدم أبوبكر الصديق للنبي (ص) أفضل الراحلتين, ثم قال اركب, فداك أبي وأمي! فقال النبي (ص) "إني لا أركب بعيرا ليس لي", قال: هي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي, قال: لا, ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ "قال: كذا وكذا, قال: "قد أخذتها به, قال: هي لك يا رسول الله فركبا وانطلقا. وفي الطريق كان أبو بكر الصديق من شدة حبه للنبي (ص) يمشي أمامه مرة وعن يمينه مرة وعن يساره مرة يخشى عليه، وإذا نام النبي (ص) ظل مستيقظا يحرسه وإذا حلب شاة صب على اللبن من الماء حتى يبرد أسفله ثم ينتظر النبي (ص) حتى يفيق فيقدمه له. إذن في الهجرة صحبة تخلت عن الأهل والمال والولد قدمت حب الله ورسوله على الدنيا ومتاعها وما أحوجنا أن نقتدي بهذا النموذج الإنساني الفريد.
كان صلى الله عليه وسلم حاضرا في عصره مستوعبا لأدواته مدركا أن نصر الله لا يأتي إلا لمن يبذل ويعطي ويعمل ويأخذ بالأسباب فمن يعمل خيرا يجز به ومن يعمل سوءا يجز به وأنه ليس بالأماني العذاب وحدها تدرك الغايات, وتنهض الأمم, وتقام الأمجاد وإنما بالجهد والعرق والأخذ بالأسباب وبالتخطيط والتنظيم القائم على قراءة مفردات الواقع وإدراك علاقاته وقوانينه كما فعل النبي (ص) في هجرته .
خطاب كيري وحل الدولتين
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); في خطاب الوداع الذي استمر ساعة أعلن جون كيرى عن مبادئه الستة لحل... اقرأ المزيد
976
| 02 يناير 2017
النظام المصري وقرار مجلس الأمن الأخير
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); مهما قيل في الأسباب التي دفعت النظام المصري لتقديم مشروع قرار إلى مجلس... اقرأ المزيد
1094
| 26 ديسمبر 2016
حلب والمغول الجدد
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); اعتبر هولاكو الجديد بشارالأسد تهديم حلب على رؤوس أهلها وتدمير مبانيها وإرثها المعماري... اقرأ المزيد
1580
| 21 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4611
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3306
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1275
| 28 سبتمبر 2026