رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خيراً فعلت دول مجلس التعاون الخليجي بالتوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق مع كوريا الجنوبية ينظم لحوار استراتيجي بين الجانبين يناقش قضايا التجارة والطاقة والدفاع. تم التوقيع على مذكرة تفاهم بهذا الصدد على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
اللافت في الأمر المجالات الواسعة التي تغطيها المذكرة حيث تشمل الطاقة الجديدة والمتجددة، والتعليم، والتمويل، والبيئة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وصناعة الدفاع، ومحطات الطاقة. وعليه، تتعدى الاتفاقية الحديث حول التعاون الاقتصادي والتجاري لتشمل أبعادا إستراتيجية شاملة.
أيضا، ليس أمرا مستغربا تأكيد الطرفين على مواصلة المحادثات بغية إبرام اتفاق للتجارة الحرة بعد سنوات من الرغبة لتحقيق هكذا هدف. في الواقع، يأتي الحديث حول تجديد محادثات اتفاقية التجارة الحرة مع كوريا الجنوبية مثيرا بعض الشيء على خلفية قرار اتخذته الأمانة لدول مجلس التعاون قبل عدة سنوات يقضي بتعليق السعي لإبرام اتفاقات حديثة لمشاريع التجارة الحرة مع أطراف أخرى بقصد تقييم فوائد المعاهدات المبرمة مع جهات أخرى.
بالعودة للوراء، وقعت دول مجلس التعاون الخليجي وبصورة مجتمعة أول اتفاق للتجارة الحرة مع سنغافورة أواخر عام 2008. وفي عام 2009، وقعت المنظومة الخليجية اتفاقا آخر للتجارة الحرة وهذه المرة مع جهة أوروبية وتحديدا الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة والتي تضم سويسرا والنرويج وأيسلندا وليختنشتاين.
طبعا، تسعى دول مجلس التعاون ومنذ فترة سنوات للتوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي والذي يضم في الوقت الحاضر 28 بلدا. لكن واجه هذا السعي الحثيث عقبات من البداية تتعلق بتجديد طلبات الجانب الأوروبي لتشمل أمورا مثل تحقيق إصلاحات سياسية فضلا عن وضع حد للدعم الرسمي المقدم لبعض السلع الإستراتيجية مثل الألمنيوم والبتروكيماويات. ويمكن تفهم حجة الاتحاد الأوروبي لأن الدعم يوفر مزايا تنافسية للمنتجات الخليجية مع المنتجين المحليين في دول الاتحاد الأوروبي.
استمرارا لموضوع الدخول في شراكة مع كيانات أخرى، وقعت دول مجلس التعاون الخليجي في النصف الأول من 2010 مذكرة مع مجموعة الكوميسا أو دول السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا تتعلق بالتعاون الاقتصادي. حقيقة القول، تعتبر مجموعة الكوميسا ضخمة حيث تضم 19 عضوا تسيطر على 40 بالمائة من مساحة القارة السمراء، ويبلغ العدد الكلي للسكان لهذه الدول قرابة 400 مليون نسمة.
بيد أنه قررت دول مجلس التعاون الخليجي في أواخر عام 2010 وبصورة مفاجأة وقف البحث عن اتفاقات جديدة للتجارة الحرة لغرض تقييم إيجابيات وسلبيات الصفقات القائمة لكن من دون تحديد سقف زمني لفترة المراجعة. لكن الملاحظ بأن مذكرة التفاهم حول الحوار الاستراتيجي مع كوريا الجنوبية تغطي أمورا تتضمن الطاقة والدفاع وليس فقط التجارة.
من المنطقي بالنسبة لكوريا الجنوبية السعي لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول مجلس التعاون بالنظر للإمكانات المختلفة والمتشعبة للمنظومة الخليجية دونما إهمال مسألة إحصاءات التجارة البينية. فوفقا لأرقام 2013، تساهم كوريا الجنوبية بنحو 18 بالمائة من الفائض التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي. وقد حدث هذا رغم استحواذ كوريا الجنوبية على 8 بالمائة من التبادل الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي.
ويعود الأمر بكل تأكيد إلى استيراد كوريا الجنوبية لمصادر الطاقة من دول مجلس التعاون. لكن يتوقع أن تؤثر ظاهرة تراجع أسعار النفط على نتائج التبادل التجاري بين الطرفين في2014 لمصلحة كوريا.
وهذا يعني بأن كوريا الجنوبية تأتي في المرتبة الثانية بعد اليابان كمصدر للفائض التجاري مع دول مجلس التعاون الخليجي. وحدها شكلت اليابان 12 بالمائة من إجمالي تجارة دول مجلس التعاون الخليجي لكنها أسهمت بنحو 28 بالمائة للفائض التجاري للمنظومة الخليجية.
بالنسبة لكوريا الجنوبية، يوفر الاتفاق فرصة لتعزيز العلاقات القوية أصلا مع دول مجلس التعاون الخليجي. وليس من الخطأ الزعم بأن المنظومة الخليجية تمارس مبدأ التجارة الحرة، والسماح للاستيراد والتصدير دون عوائق، وهي من الخصائص النادرة في هذا العصر، حيث الحماية التجارية على أشدها في أماكن أخرى تحت ذريعة حماية المنتجات المحلية مع أن الحماية تتسبب بإلحاق ضرر للمستهلكين من خلال حرمانهم من حرية الوصول للمنتجات.
تشير الإحصاءات المتوافرة بأن حجم الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي بصورة مجتمعة يبلغ نحو 1.65 تريليون دولار أي المرتبة رقم 12 دوليا. في المقابل، يبلغ حجم الناتج المجلي الإجمالي الكوري قرابة 1.13 تريليون دولار ما يعني المرتبة 12 دوليا.
بكل تأكيد الفرصة مؤتية لتعزيز العلاقات التجارية عبر الاستفادة من الفرص المتوافرة بين الجانبين. من جهة، لا يمكن أن تفوت الشركات الكورية حقيقة مفادها بأن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي تشهد طفرة اقتصادية عبر منح عقود تجارية في إطار استعداد دبي لاستضافة أكسبوا 2020 من جهة واستضافة قطر لكأس العالم 2022 من جهة أخرى.
بدورها، تتمتع كوريا الجنوبية بمزايا خاصة من قبيل إعفائها لمواطني دول مجلس التعاون من تأشيرات الدخول ومن دون فرض أي رسوم عند نقاط الدخول. شخصيا، جربت ذلك عندما زرت كوريا الجنوبية في شهر سبتمبر حيث كان من السهل لي ملاحظة توافد أعداد كبيرة من رعايا دول مجلس التعاون للعاصمة سيئول.
مؤكدا، لا يمكن اعتبار توقيت التوقيع على الاتفاق حول الحوار الاستراتيجي مع كوريا الجنوبية بريئا بالنسبة لدول مجلس التعاون، على خلفية خطر الحركات المتطرفة في المنطقة. بقي علينا أن نعرف فيما إذا كان التحرك باتجاه كوريا الجنوبية يبشر بعهد جديد في العلاقات الخارجية للمنظومة الخليجية مع آسيا بالنسبة لقضايا التمويل والطاقة والدفاع أم حالة خاصة. ربما تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي لمذكرات تفاهم مع عمالقة آسيا مثل الصين واليابان والهند شبيهة بالاتفاق مع كوريا الجنوبية وبالتالي تعزيز موقعها الدولي.
آفاق الاقتصاد الخليجي
15 % نسبة ارتفاع النفقات العامة تتوقع المؤسسات الدولية ذات العلاقة والمعنية بالمسائل الاقتصادية في العالم أداء طيبا... اقرأ المزيد
765
| 30 ديسمبر 2018
تكيف المنظومة الخليجية مع أسعار النفط
توجيه دفة الاقتصاد الوطني لتقوية القطاع الخاص يوماً بعد آخر يتبين بالأدلة المادية تمكن اقتصادات دول مجلس التعاون... اقرأ المزيد
589
| 16 ديسمبر 2018
نفقات السائح الخليجي
توجيه الاستثمارات لبناء وتطوير المطارات السائح الخليجي مرحب به في الدول الأوروبية بشكل خاص نظراً لتمتعه بالصفات الحيوية... اقرأ المزيد
819
| 09 ديسمبر 2018
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3417
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3147
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026