رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من غيّب تاريخ أمّتنا من المناهج؟ أعني الحكوميّة المدرسية والجامعيّة قبل الخاصة! و(مِن) المناهج لا (عنها)، إذ ليت التغييب بقي على مستوى المجاوزة عَن تاريخنا بل تعدّاها إلى الاستغراق.
أكتب -وكلّي ألم- وفي يدي كتبي التي احتفظ بها من تاريخ الوطن العربي الحديث والمعاصر في الثانوية العامة وتاريخ المشرق العربي الإجباري في المتطلّبات العامّة الرئيسة في السنة الأولى لكليّة الآداب. أقلبها !! وفي الوقت نفسه أقلب مناهج التاريخ اليوم فأتحسّر على فقرها.
فلم يدع السالبون مناهجه وشأنها في تطوير التعليم الحكومي بل وحتّى الجامعي في المقرّرات العامة التي تعتبر مفاتيح للعلوم، كيف والحقائق مرهونة بالتاريخ وفي تهميشه تعمية وتشكيل للمنطقة وفقا لمخططات الأقطاب الدولية بالقوّة الناعمة. وأي قوة أشدّ من التخدير أو التجنيد الفكري الداخلي، لذلك لا غرابة أن تجد اليوم من يمجّد الغرب بينما يوسع روابطه الدينية واللغوية والجيوسياسية شتما وقذفا. والمفارقة أن مدارس الغرب – وعن تجربة - ما فتئت تمتحننا الامتحان الشامل في التاريخ والجغرافيا قبل دخول كليّات الاعلام والعلاقات الدولية وبرامجه العليا بل جعلت القبول مرهونا به أيضا ضمن الشروط الأخرى.
لقد عرف أجدادنا في قطر والخليج أهمية التاريخ وعرفه أيضا بعدهم جيل عروبي حتى النخاع تربينا على يديه يوم استمدت هويتنا من أكاديميتين الأسرة والمدرسة رغم أميّة كثير من جيل الأجداد، ولكن غاب الجيل الجديد عن جذوره بل غُيّب فضاعت المدرستان!!
من يتصفح الدراسات الاجتماعية في مناهج الثانوية سيجدها قصاصات عملت عليها مؤسسات خارجية من عمر تطوير التعليم في قطر جاءت بنهج مختلف يتناسب مع اللادولة واللاتاريخ في محاكاة لمن حصر نهج الدراسات التاريخيّة في دولة ليس لها جذور ولا هوية مثلنا لأنها سارقة للتاريخ ومصنوعة بالجغرافيا لذلك تركز في منهجها على «تاريخ أمريكا» لتصنع مجدا ومرجعية لمحو تاريخ السكّان الأصليين واستخدامه في كلّ شعار لحملة انتخابية رئاسيّة ب (المجد لأمريكا) إذا لاحظتم.
ولا زلنا نتساءل: لماذا لم نستفِد من دروس التاريخ وهي مكرّرة بينما يستخدمها الغرب عموما بدهاء في تخطيط حملاته ضدنا ؟
لقد طمسنا أهميته يوم سمحنا لغربيين النخر في منهجه فضعفت قيمة القوة والدفاع المشترك المبني على الروابط والمصير المشترك. ويوم أن غُيّب خبراؤنا المحليّون المخضرمون من عرب وقطريين أو ربّما غابوا عن قول كلمة حق في أمانتهم! أو ربّما غيّبت!
في تعليم اليوم اختزل منهج الصف العاشر في الخصائص الطبيعية لقطر وخصائص السكان وتاريخ قطر الحديث والمعاصر والهوية والتحديات العالمية والديمقراطية والنزاهة والشفافية والأنشطة الاقتصادية والبيئية المستدامة وفي الحادي عشر جاء المنهج اختصارات من التاريخ الدولي.
أمر جيّد أن ندرّس تاريخ قطر ومواقفها المشرّفة ووساطاتها الدوليّة، ولكن ما ليس بمنطقي ألا يوضع لتاريخنا المشترك الا وحدة من درسين فقط في كل فصل بشكل لا يتوازى وقيم قطر السامية ومواقفها. ولم تتّسق الأهداف المنصوص عليها في كل وحدة «قطر والقضايا العربية» و «قطر والقضايا العالمية» مع تاريخنا، فالتاريخ حقائق وعبرٌ في ذاته لا مجرّد قضايا عابرة منتقاة، فلم تركّز على مواقف قطر العظيمة والكثيرة سوى على (مكافحة الإرهاب!) أو بعض القضايا الحديثة المعقّدة مثل وساطة دارفور؟ وكأنّ الطلاب في الخارجية أو قسم العلاقات الدولية، فضلا عن تثقيفهم بتاريخ لاحق قبل معرفة السابق؟ فلو سألت الطالب ما المشكلة أصلا ولماذا انقسمت السودان؟ ومن الذي تزعم الانفصال؟ وما هي حركة التحرير والعدالة ؟ لن تجد إجابة! ربّما من يقرأ مقالتي الآن لا يعرفها أيضا !
أمر جيّد أيضا أن نركّز على القيم العالمية والتسامح والسلام والحوار بين الحضارات ولكن كُثّفت نبرتها وكأننا أصحاب الشقاق فيما لم تجد القضايا العنصرية التاريخيّة والمعاصرة ضد أمّتنا أمثلتها.
أمر محمود أن تجد القدس وقضيتنا الفلسطينية المصيريّة منهجها في الثانوية العامة ولكنّ الطرح جاء متواضعا.
تصفّحوا مناهج تعليم أبنائكم، فالتعليم شراكة مجتمعيّة.
ابن خلدون سمّى الذين يغفلون عن أهميّة التاريخ «متبلدين» عن أمر الأجيال الناشئة، لذلك بنى مقدمته ضمن المباحث الثلاثة في علم الاجتماع الحديث أولاً على «فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلمام بمغالط المؤرخين». مغالط المؤرخين!! فما بالكم بالطامسين؟؟
فسلامٌ على أجيال قطر الحديثة عندما قلّص المتنفّذون مناهج التاريخ في التعليم الحكومي فأصبح خاويا هزيلا.... وسلامٌ عليها يوم استشرى نفوذهم فأودى بتاريخ الوطن العربي الإجباري من السنة الأولى لكليّات الآداب. ناهيك عن إسقاط إجبارية اجتيازه مسبقا لمن يتخصص في الشؤون الدولية والاكتفاء بمقرر إجباري وحيد بعد التخصص (تاريخ الشرق الأوسط) مع اختلافنا حول الفرق الجوهري بين التسميتين.
وسلامٌ على الطلاب وهم يتخصصون في أقسام العلوم الاجتماعية الأخرى أيضا مثل الإعلام والتاريخ بدراسة مقرر اختياري وحيد بين «تاريخ قطر أو الخليج» في السنة الأولى.
سلامٌ على الهويّة والولاء والانتماء!! على جيل! على وطن! على أمّة!
وما زال ابن خلدون يذكرنا أن «علم التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم وتشدّ إليه الركائب والرحال، وأنّه جمّ الفوائد والاقتداء لمن يرومه»
فهل ناخت ركابنا... وهرمت رحالنا فسلّمنا جذورنا لـ «مستشرقين جدد» شدّوا رحالهم إلينا في عصر مختلف لا يستدعي إقامة لورنس واحد بيننا.. بل التأسيس المنهجي لتدجين ألف لورنس محلي وبدون تكاليف.....
التاريخ...مستقبل... فهل نرومه؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3615
| 04 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3549
| 01 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1521
| 02 يوليو 2026