رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حرب غزة الثالثة أضافت فصلا جديدا إلى كتاب الدهشة العربية، حفل بالعناوين المثيرة والمفاجآت التي لم تخطر على البال.
(1)
أداء المقاومة الفلسطينية أحد أبرز تلك المفاجآت، والدهشة لم يكن مصدرها فقط ثبات المقاومة وقدرتها على الإبداع وإفشال مخططات العدو الصهيوني وإرباكه. وإنما أصابتنا الدهشة أيضا إزاء ردود الأفعال في بعض الأوساط العربية التي أصرت على أن تتجاهل الإنجاز وظلت تتباكى على الثمن الذي دفع، ليس حزنا على الضحايا ولكن ضنَّا على المقاومة بشهادة الإعجاب والتقدير. وهذا الذي سكت عليه البعض عندنا سجلته عدة كتابات إسرائيلية في سياق لومها وتنديدها بسياسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وفريقه. إليك نماذج من تلك الكتابات:
< أقر وزير الحرب الصهيوني السابق شاؤول موفاز في حوار بثته القناة العاشرة في 1/8 بفشل الحرب على غزة ونجاح حركة حماس في جر إسرائيل إلى حرب استنزاف. وقال إن عملية «الجرف الصامد» لم تحقق شيئا من أهدافها، فضلا عن أن المستوطنين فقدوا الشعور بالأمن على نحو خطير. < خبير الأمن القومي أوري بار يوسف قال لصحيفة «يديعوت أحرونوت» في 12/8 إن عملية الجرف الصامد أسفرت عن انهيار القدرة العسكرية لجيش إسرائيل. مضيفا أن إسرائيل لم تفشل فقط في ترميم قوة الردع في مواجهة حماس، وإنما انهارت قوتها العسكرية بشكل أكبر مما كانت عليه قبل الحرب. وأوضح أنه يجب على إسرائيل أن تعترف بأن قدرتها العسكرية غير قادرة على حسم المواجهة مع حماس، رغم أن تفوق جيشها لا شك فيه. مشيراً إلى أن جذور مشكلة الردع الصهيوني في مواجهة حماس تكمن في قدرة الحركة على استخدام وسائل بدائية وتوظيفها في تحدي إسرائيل.
< ميخائيل بار زوهار كتب في صحيفة «يديعوت أحرونوت» قائلا إن الحملة العسكرية بينت أن «الجيش الذكي» أصبح فاشلا، يفتقد إلى الإبداع. دلل على ذلك بقوله إن الجيش بات يعتمد فقط على الوسائل التكنولوجية مثل القبة الحديدية والاغتيالات التي تتم من خلال الوسائل الإلكترونية. كما أنه انتقد فشل سلاح الجو في تدمير ترسانة حماس الصاروخية. وكانت النتيجة أن المقاومة الفلسطينية استطاعت أن تقاتل إسرائيل لمدة شهر كامل، وتمكنت من مواجهة أقوى جيش في الشرق الأوسط، كما أنها نجحت في إرسال ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ.
< رأى المحلل السياسي والعسكري رونين بيرجمان أن المقاومة الفلسطينية حققت انتصارا في مواجهة العملية العسكرية الإسرائيلية. وأشار إلى أن عدد القتلى في كل جانب ليس المعيار الأهم لتحديد من هو المنتصر، فالمعيار الأهم في هذه النقطة هو تحقيق الأهداف التي توخاها كل طرف قبل بدء المعركة. من هذه الزاوية فإن حماس تبدو هي المنتصرة، لأنها حافظت على قدرتها على إطلاق الصواريخ ــ القذائف على معظم أنحاء إسرائيل، وعلى استخدام الاتفاق بنجاح للوصول إلى داخل الأراضي الإسرائيلية ومهاجمة بعض الأهداف العسكرية. (موقع روتر الإخباري).
(2)
تلازمنا الدهشة ونحن نتابع التسريبات الإسرائيلية بخصوص موقف مصر من الحرب. لقد كنت أحد الذين انتقدوا تجاهل السلطات المصرية للمقاومة في المشاورات التي سبقت إعلان مبادرتها، بحيث كان الطريق بين القاهرة وتل أبيب مفتوحا، لكنه ظل مغلقا مع غزة. لكنني أرجعت ذلك إلى القطيعة الحاصلة بين النظام القائم في مصر وبين حركة حماس، لأسباب مفهومة راجعة إلى علاقة الحركة بالإخوان بالدرجة الأولى. وظللت أعتبر ذلك خطأ سياسيا من الصعب تبريره وما خطر على بالي وما توقعت أبداً أن تفهم الحسابات الخاطئة باعتبارها تواطؤا بين مصر وإسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية. لكن ذلك واضح في سيل التصريحات والتعليقات الإسرائيلية التي ما برحت تصر على التحالف بين مصر وإسرائيل في مواجهة حماس والمقاومة الفلسطينية، بل وذهبت إلى أن إسرائيل في تدميرها لغزة أشاعت أنها اعتمدت على «شرعية عربية» ضمت شركاء غير مصر، مثل السعودية والإمارات والأردن، وهو ما اعتبره البعض هناك «حلفا جديدا» ظهر في المنطقة. وذكرت بعض الكتابات أن التشاور والتنسيق بين مصر وإسرائيل لم يكن مقصورا على مبادرة وقف الحرب، ولكنه ظل قائما أثناء الحرب ذاتها، في إشارة خبيثة إلى أن القاهرة كانت تساعد إسرائيل بالمعلومات التي تمكنها من ضرب الأهداف الفلسطينية وإنجاح مهمتها، وكانت تلك هي المعلومة الوحيدة التي نفتها مصر رسميا.
لقد ذكرت صحيفة هآرتس أن إسرائيل حين أربكتها مفاجآت حماس والجهاد أثناء الحرب فسارعت إلى مخاطبة الأجهزة الأمنية في الدول العربية «الصديقة» للتعاون معها وإمدادها بالمعلومات التي تساعدها في مهمتها. وقد أكمل القصة موقع «وطني» الفلسطيني الذي ذكر أنه في هذا السياق وصل إلى غزة وفد خليجي تابع للهلال الأحمر بحجة إقامة مستشفى ميداني. وضم الوفد 50 شخصا قيل إنهم أطباء، إلا أن الجهاز الأمني في القطاع تشكك في أمرهم وأخضعهم للمراقبة، حيث اكتشف أن من بين «الأطباء» بعض العناصر الاستخبارية التي حاولت التعرف على مواقع كتائب القسام ومنصات إطلاق الصواريخ، وحين أخضع هؤلاء للتحقيق، فإن السلطات في القطاع فوجئت بسفر المجموعة كلها دون سابق إنذار يوم الأحد 10/8، بعد أن تركت المهمات التي جلبتها معها لإقامة المستشفى الميداني.
التسريبات طالت الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي وصفته هآرتس بأنه «بطل إسرائيل الجديد»، وتحدثت عن علاقته الوثيقة بنتنياهو. وذكر موقع «ديبكا» الإسرائيلي أن الرجلين كانا على اتصال هاتفي يومي أثناء الحرب، على خطوط آمنة مثبتة من قبل وكالات الاستخبارات في البلدين. وكانت صحيفة «جيروساليم بوست» قد اعتبرت الرئيس السيسي شخصية العام تقديرا لشخصه وللدور الكبير الذي قام به في مصر.
لا أصدق أن التفاهمات، رغم استنكارنا لها، يمكن أن تصل إلى حد التواطؤ، وهو المعنى الذي تمنيت أن تهتم بإبرازه والتأكيد عليه أجهزة التوجيه المعنوي المصرية، فضلا عن المصادر الدبلوماسية والإعلامية. ومن المؤسف أنه في حين تسكت مصر على تلك التسريبات التي تفتقد إلى البراءة، فإن إسرائيل تمعن في تثبيتها، مستخدمة في ذلك بعض الكتابات والتعليقات التلفزيونية المريبة التي تصدر في مصر، معبرة عن موالاة إسرائيل وكراهية الفلسطينيين.
ذلك كله ينبغي أن يدهشنا، خصوصا أننا تجنبنا التسطيح ونظرنا إلى المسألة في عمقها الإستراتيجي، وأدركنا أن إسرائيل لم تغير نظرتها إلى مصر باعتبارها العدو والتحدي الأكبر ــ أتحدث هنا عن مصر الدولة أيًّا كان النظام الذي يحكمها ــ ولذلك فإنها شديدة الحرص على أن تقوض صورة مصر الدولة وتثبت فكرة أنها انتقلت من مربع العداء إلى صف التحالف والشراكة ضد الفلسطينيين. وللأسف فإن إسرائيل التي لم تنس مصر العدو تعامل مع جانبنا بأنها بلد «صديق» وقع مصر معاهدة سلام لم يتحقق منذ 35 عاما.
(3)
المفاوضات التي ترعاها مصر الآن بين الفلسطينيين والإسرائيليين تستدعي دهشة من نوع آخر، فمنذ أكثر من أسبوعين والجدل مستمر حول وقف الأعمال العدائية وفك الحصار وترتيب الإعمار والإغاثة وتحويل الأموال إلى غزة وحرية الصيد في المياه الإقليمية، وغير ذلك من العناوين التي تصب في مجرى استمرار التعايش والتساكن بين القاتل والقتيل. كأن المفاوضين يبحثون في كيفية استمرار الاحتلال بغير منغصات، دون أي إشارة إلى الاحتلال الذي هو جوهر المشكلة وأصل الداء.
من يصدق أن هذا الكلام يجري التفاوض حوله بعد مضي أكثر من عشرين عاما من اتفاقية أوسلو (التي وقعت عام 1993). وهي التي اتفق فيها على انسحاب إسرائيل من الضفة خلال خمس سنوات والبدء في مفاوضات الحل النهائي بعد ثلاث سنوات؟ ــ وهو ما يعني أننا في عام 2014 يفترض أن نكون قد فرغنا من مناقشة موضوعات القدس واللاجئين والمستوطنات تمهيدا لإقامة الدولة الفلسطينية!ــ إلى غير ذلك من العناوين التي لم يعد أحد يأتي على ذكر شيء منها، فضلا عن أن حقائقها تغيرت تماما خلال العشرين عاما. فقد محيت القدس التي حدثت عنها أوسلو، وصرنا بإزاء مدينة جديدة تماما تم تهويدها ولم يبق من معالمها سوى المسجد الأقصى وقبة الصخرة وبعض المزارات السياحية، واللاجئون سقطوا من الذاكرة، والمستوطنات تضاعفت عدة مرات، بحيث لم يعد ملفها قابلا للمناقشة.
الآن نكتشف أن ما تحقق من أسلو أمران، هما: اعتراف منظمة التحرير بدولة إسرائيل وإضفاء الشرعية على هيمنتها على 78٪ من أرض فلسطين، أو كل فلسطين ما عدا الضفة والقطاع. ثم التنسيق الأمني مع إسرائيل الذي وصفته الاتفاقية بأنه «تعاون» بين شرطة السلطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي. فضمنت إسرائيل بذلك تثبيت السيطرة على الأرض وإحكام مراقبة البشر، ففازت بكل شيء، في حين أكل الفلسطينيون الهواء! ــ وحتى صارت غاية مراد المفاوضات أن يعيشوا في أمان في ظل الاحتلال، وأن يكتفوا بالنظر إليه وهو يتوحش ويتمدد ليبتلع الضفة ويدمر غزة.
(4)
أم المدهشات تتمثل في تقاعس السلطة الفلسطينية عن الانضمام إلى معاهدة روما، بما يسمح لها باللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين على سجل جرائمهم الحافل، إذ ليس معقولا وليس مبررا أن تمارس إسرائيل كل تلك الجرائم والفظائع ويكون بمقدور الفلسطينيين محاكمتهم وفضحهم أمام العالم، ثم نكتشف أن المتردد والمتقاعس هو رئاسة السلطة الفلسطينية ذاتها.
في الذاكرة الفلسطينية موقف مخز يتعذر نسيانه، حين شكلت الأمم المتحدة لجنة دولية برئاسة القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد جولدستون للتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في حربها ضد غزة مع نهاية عام 2008. وأدانت اللجنة إسرائيل في تقريرها الذي أقره مجلس حقوق الإنسان في جنيف وأيده أغلب أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم فوجئ الجميع بأن السلطة الفلسطينية هي التي سحبته وطلبت تأجيل النظر فيه!
ثمة إجماع بين النخبة الفلسطينية على ضرورة الانضمام إلى معاهدة روما، لفتح الطريق أمام محاكمة قادة إسرائيل على جرائمهم. ووحدها رئاسة السلطة هي التي تسَوِّف وتؤجل، حتى ادعت ذات مرة أن حماس هي التي طلبت التأجيل حتى لا يحاكم قياداتها أمام المحكمة. وهو ما نفاه الأستاذ راجي الصوراني مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة. وقال لي في اتصال هاتفي إن حماس رحبت بالانضمام إلى المعاهدة وعلى استعداد للمثول أمام المحكمة الدولية إذا اقتضى الأمر ذلك. وأضاف أن السيدة فاتو بن سودة المدعي العام بالمحكمة الدولية أبلغته بأن المحكمة تستطيع أن تباشر مهمتها فور تقدم السيد محمود عباس رئيس السلطة بمذكرة من نصف صفحة تطلب التوقيع على المعاهدة والمصادقة على المحكمة الدولية. وفي رأيه أن أبو مازن يتعرض لضغوط تمنعه من الإقدام على تلك الخطوة، مصدرها الأساسي إسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا. يحدث ذلك في حين أن المحامين الفلسطينيين لديهم ملفات بالآلاف جاهزة ومترجمة وموثقة تدين إسرائيل في ارتكاب جرائم بشعة لا حصر لها، ليس فقط بحق البشر والعمران، وهي جرائم الحرب الكلاسيكية، ولكن أيضا بحق القانون الإنساني والدولي. وهذه القضايا الأخيرة أكثر تعقيدا وأشد خطورة، لأنها تتعلق ببناء الجدار العازل الذي أدانته محكمة العدل الدولية، وبالتطهير العرقي الذي تعرضت له مدينة القدس، وبالاستيطان الذي يعد جريمة حرب من الطراز الأول، إلى غير ذلك من القضايا التي يمكن أن تفتح أبواب جهنم على إسرائيل. في حين تؤكد مظلومية الفلسطينيين بما يمكنهم من هزيمة الاحتلال سياسيا وإنسانيا وأخلاقيا.
وهو يعلق على التقاعس الحاصل يذكر الأستاذ الصوراني أن شرعية السلطة تكمن في قدرتها على الدفاع عن آلام الشعب الفلسطيني، أما حين تعجز عن القيام بتلك المهمة أو تمتنع عنها، فإن ذلك يجرح شرعيتها ويفقدها مصداقيتها أمام جماهيرها، وليس هناك ما يقال في هذه النقطة أكثر من ذلك.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12213
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11151
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3699
| 22 أكتوبر 2026