رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يُحكى أن ملكاً أراد أن يختار خليفة له من اثنين من أبنائه. أرسلهما مع مستشاره للتجول في مملكته ومخالطة الناس لاختبارهما في فنون الحكم. أخذهما مستشار الملك إلى إحدى القرى وطلب منهما أن يكتما أمر صفتهما الملكية ويحاولا النزول ضيفين على أي بيت هناك. وقع اختيارهما على بيت فلاح بسيط سألاه الضيافة فرحب بهما وقدم لهما ما لديه من طعام وفراش، واحتفى بهما هو وزوجته وأولاده. لما انتهت الضيافة غادرا القرية وعادا إلى مستشار الملك الذي طلب أن يحكيا له كيف كانت التجربة. قال أحدهما: إن الفلاح لم يحسن استضافتنا إذ قدم لنا بقايا طعام في أوان مهشمة، وترك أبناءه يزعجوننا طيلة الوقت، كما أن الفراش الذي جهزه لنومنا لم يكن نظيفا كما ينبغي. أما الآخر فقال: لقد أحسن الفلاح استضافتنا وأكرمنا بكل ما توفر لديه. فهو قدم لنا كل ما كان في بيته من طعام ربما استخلصه من بين أيدي زوجته وأبنائه فلم يكملوه. كما أنه آثرنا بفراشه وفراش أبنائه، ولا يبدو أنه كانت لديهم غيرها. فلما عاد الثلاثة إلى الملك وسمع قصة ولديه مع الفلاح اختار الثاني ليصبح خليفته كونه كان أحكم في النظر إلى الأمور وفهم أبعادها وسياستها.
* الشاهد، أن الابن الأول نظر إلى الأمر بعين القسوة وقلة التدبر أما الثاني فنظر إلى الأمر ذاته بعين الرحمة والتفهم، وهذه صورة مبسطة لما يسمى في العلوم السياسية نظرية المعرفة. ونظرية المعرفة هي الأسس أو المعايير التي نرى بها الأشياء ونحكم عليها. وهي التي تشكل فكر إنسان وتحدد قيمه وقناعاته وتجعله يقدس شيئا أو يحقره، بينما يأتي شخص آخر بنظرية معرفة مختلفة تحتقر ما يقدسه الأول وتقدس ما يحقره. مثلا، الذي يؤمن بالدين الحق، يرى الله في كل شيء، ويفهم أن المُلك كله بيد الله، وأن الدول والإمبراطوريات تبقى بالعدل وإقامة شرع الله وتزول بالظلم وأكل حقوق الناس بالباطل. أما الذي يجعل نظريته المعرفية هي الماركسية مثلا، فهو لا يؤمن بالخالق ابتداء، ويرى أن الأمم والإمبراطوريات تزول لأسباب وعوامل دنيوية سطحية يسميها صراع الطبقات، ويرى أن الزوال يحدث عندما يصل تسلط النخب والقوى الحاكمة إلى درجة الاستئثار بجل المنافع والخيرات وترك الشعوب في حالة مزرية. وهو لا يرى يد الله في كل ذلك، تماما كالذي لم ير أي خير في ضيافة الفلاح.
* ذلك الذي نظريته المعرفية ليست الإيمان بالله تظل فكرته عن الحياة والحق والعدل تتقلب وتتناقض في مستوياتها المختلفة ولا تصل إلى الكمال، تماما كاستحالة وصول الفكر الوضعي سواء كان ماركسيا أو ليبراليا أو أناركيا، إلخ..، إلى مستوى المنهج المتكامل، وهو ما أثبتته التجارب في العقود الأخيرة التي شهدت فشل كل المشاريع الإنسانية القائمة على نظرية معرفية غير الوحي الإلهي. فقد شهدنا في بداية تسعينيات القرن الماضي انهيار أكبر حصن للفكر الشيوعي والاشتراكي وهو الاتحاد السوفيتي والذي كنت شاهدا على تدشين زواله من خلال ندوة دولية (سالزبورج سيمينار، سبتمبر 1989) تنعقد في النمسا سنويا وتضم صحفيين وسياسيين ومفكرين من مختلف دول العالم وكانت محصلتها النهائية أن الاتحاد السوفيتي إلى زوال قريب،،، وقد كان. كما شهدنا كيف تحولت الصين وهي الحصن الآخر للشيوعية إلى شيء ليس هو بالشيوعي وليس هو بالليبرالي، ولكنه «بين بين»، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ثم شهدنا في الوقت نفسه تحول المعسكر الغربي بدوره إلى شيء أيضا «بين بين» فهو لم يعد ليبراليا كما يدعي ولم يعلن رسميا اتباعه الفكر الشيوعي القمعي وإن كان يطبقه بحذافيره. وقد ظهر ذلك بوضوح في أحداث كثيرة أحدثها المشاركة الوحشية في عملية الإبادة الجارية في غزة وفي قمع طلاب الجامعات المحتجين عليها. * لقد شهدت البشرية في الأزمنة الأخيرة، وبفعل فاعل أراد تشويه الفكر الإنساني، عمليات تصنيف لمراحل الحياة على الأرض بعضها زمنية مثل العصر الجليدي والعصر الحجري والعصر البرونزي، وبعضها على أساس الإنجاز العلمي مثل عصر القوس والعجلة وعصر البخار والقطار وعصر الكمبيوتر والإنترنت، وبعضها فكرية مثل عصور الظلام وعصر النهضة وعصر العقل وعصر العلم، وهكذا. ومع عدم التسليم بصحة أو دقة معظم تلك التصنيفات، فأحسب أن الأغلب هو أننا نعيش الآن عصر الـ «بين بين»، ولا أسميه بعصر الغموض لأنه ليس غموضا على الحقيقة بل هو غموض مصنوع مقصود في إطار عملية «صناعة الكفر» لجعل النموذج الصيني الجديد هو نموذج الحكم العالمي. وهو عصر يراد فيه التلاعب بالبشر بكل الوسائل الممكنة حتى لا يكون الرجال رجالا ولا النساء نساء، ولا الحق حقا بيّنا ولا الباطل باطلا بيّنا، ولا الخير خيرا صريحا ولا الشر شرا قبيحا. والخلاصة أننا بصدد تحول تاريخي عالمي يريد من يحركه توحيد نظرية المعرفة لدى البشر كافة إلى عبادة أي شيء إلا الله الواحد الأحد، ويريد توحيد البشر على كذبة أنهم يشتركون في أصلهم مع القرود، وأن ليس عليهم إلا الحياة الفردية من أجل الاستهلاك والعبث واللهو، فيعيش كل فرد منعزلا عن المحيطين به وإن تواصل مع من لا يعرفهم في أقاصي الأرض. هذا المعنى أكده لي الدكتور وليام كولمان، مؤسس «معهد دراسات العولمة» بجامعة ماكماستر الكندية، في مقابلة صحفية، عام 2007، بقوله إن العولمة تفرق الناس في الواقع بينما تجمعهم في اللاواقع أي في العالم الافتراضي. وحتى هذه الفكرة، بحد ذاتها، تجعل مسألة التقارب بين البشر «بين بين».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5757
| 07 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1446
| 05 يوليو 2026
سيلعب منتخب مصر الحبيبة أمام المنتخب الأرجنتيني بأحد عشر لاعباً يساندهم خمسمائة مليون قلب عربي نابض بالأمل في التأهل لدور ربع النهائي. هذه المساندة الجماهيرية ليست رياضيةً فحسب، وإنما هي حبٌّ عظيمٌ لمنتخب الساجدين الذي أحيا الحماسة في شعوب أمتنا عندما عبر المدرب حسام حسن عن النواة الصلبة في ضمائرنا ونفوسنا المتمثلة بفلسطين الحبيبة، حين حمل العلم الفلسطيني في الملعب، فهزَّ وجداننا بالحب لمصر وشعبها اللذينِ لهما مكانةٌ عظيمةٌ في تاريخنا الماضي، وحاضرنا، ومستقبلنا. تابعنا الأداء الفني الرفيع والبطولي المتميز للمنتخب المصري، وشاهدنا الجماهير في مدن وقرى وبوادي ديارنا العربية وهي تسانده بالتشجيع في البيوت والمجمعات الرياضية والمقاهي والساحات، وكأنما كل فرد في أمتنا يشعر شعوراً راسخاً بأن المنتخب يمثله شخصياً، ويمثل مجتمعه المحلي، وأمته المتعطشة لإثبات الوحدة النفسية والعقلية لشعوب تجمعها حضارةٌ مجيدةٌ، ولو كان ذلك من خلال كرة القدم. الذي لفت أنظار العالم هو الحماسة العظيمة لأهلنا في غزة الجريحة الذين تجمعوا بين الخيام والدمار وقد تعلقت قلوبهم بأداء المنتخب المصري، وكيف أرسل إليهم حسام حسن رسالةً تحمل توقيعات قلوب أبناء أمتنا برفع العلم الفلسطيني، مما جعل من مباراة اليوم مع الأرجنتين مباراةً تتابعها شعوبنا وهي تهتف للمنتخب المصري من أعماق قلوبها مؤمنةً بأهمية الفوز لمصر والأمة العربية. نحن ندرك جيداً أن الأداء الفني في المباراة هو الفيصل، ولكننا نؤمن بأن وقود الروح القتالية للاعبي المنتخب المصري هو مساندة الجماهير العربية لهم. ولذلك، نتوجه إليهم برسالة محبةٍ عظيمةٍ ممهورةٍ بثقتنا بجدارتهم بالفوز إن شاء الله. ونقول لهم إننا ننتظر منهم تركيزاً كاملاً، وحضوراً ذهنياً لا يغيب طوال التسعين دقيقة، مع تأكيدنا على ثقتنا بأن الكابتن حسام حسن قادر على استثمار طاقات اللاعبين، وتوظيفهم توظيفاً سليماً يحقق الأمل المنشود من المباراة. الأنظار متجهة إلى الأسطورة الكروية العربية؛ محمد صلاح الذي سيكون الركيزة الأساسية في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية. إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية مانحاً المنتخب خياراتٍ متعددةً وخطورةً مستمرةً نحو مرمى الخصم. كلمةٌ أخيرةٌ: يا لاعبي منتخب مصرنا الحبيبة، حين تسجدون بعد إطلاق صافرة النهاية وقد حققتم الفوز، بإذن الله، ستلامس جباهكم قلوبنا التي كانت معكم في أرضية الملعب.
1416
| 07 يوليو 2026