رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.. يا لها من آية تبعث في النفس طمأنينة وراحة لا يدرك معانيهما سوى من يبحث عنهما.. آية واضحة بذاتها تلخص مدى سعة الرحمة الإلهية بعباده. رحمة وطمأنينة تأتيان على شكل دعوة غاية في اللطف من الخالق عز وجل لعباده. دعوة ضمنية تشير إلى أهمية وضرورة عدم فتح المجال لشعور اليأس أن يسيطر على النفس. ذاك اليأس الطارد لأي أمل أو رجاء من حدوث أمر إيجابي مستقبلي، والإدراك التام بأن رحمة الله أوسع وأكبر مما نتصور.
روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية". لماذا أحب النبي الكريم هذه الآية أكثر من الدنيا وما فيها؟ لأنها دون كثير شروحات وتفصيلات، بشارة إلهية لعباده أنه واسع المغفرة والرحمة، لا يأبه لأي ذنب، صغيراً كان أم كبيراً، إلا الشرك، طالما الإنسان المذنب أو المسرف على نفسه قرر الإنابة والتوبة. أضف إلى ذلك أن الآية تُعتبر دعوة إلهية -كما أسلفنا- إلى عدم القنوط أو اليأس، وضرورة أن يكون للإنسان أمل ورجاء في أن القادم أفضل، بشرط أن يبذل جهداً مستحقاً مناسباً لرؤية ذاك الأفضل في قادم أيامه. وقد جاء عن علي بن أبي طالب وابن مسعود –رضي الله عنهما– أن هذه أرجى آية في القرآن.
ما هو الأمل؟
تلكم المقدمة التي بدأنا بها حديث اليوم، كانت مدخلاً للتفاكر بعض الشيء حول الأمل، ليس لأنه موضوع جديد، وإنما من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين. فهذا الأمل له تعريفات وشروحات كثيرة. منها: أن الأمل هو توقع نتائج إيجابية لما تقوم به من عمل. ويمكن التعمق في القول أكثر لنقول: إنه ليس فقط توقع قدوم أو حدوث نتائج إيجابية فحسب، بل هو الشعور بثقة ويقين أن تلك النتائج الإيجابية في متناول يديك نظرياً، وستصل إليها أو ستتجسد على أرض واقعك عما قريب، ولكن بعد خطوات معينة صحيحة تحتاج منك القيام بها. هذا ما يعرفه ويتحدث عنه المتفائلون.
الأمل صوت داخلي، وجذوة متقدة بالنفس تدفعك إلى عدم اليأس والركون إلى الأوهام، أو الارتماء في أحضان الفشل والفاشلين، أو اليأس واليائسين، مهما كانت حياتك مليئة بالأحزان والهموم والأوجاع، أو تمر بأوقات عصيبة صعبة.
تساؤلات
ما الذي يدفع بالمزارع مثلاً أن يبذر البذور ويقوم عليها زمناً؟ إنه الأمل في حصاد وفير..
وما الذي يدفع لاعب القوى مثلاً أن يجهد نفسه بالتمارين وتقوية العضلات بشكل مستمر لا يتراخى ولا يتكاسل؟ إنه الأمل في أن يكسر الرقم القياسي في اللعبة ويحقق إنجازاً؟
وما الذي يدعونا إلى الاستمرار في الدعاء حين الأزمات والمشكلات والملمات؟ إنه الأمل في أن يأتينا فرج من الله، عاجلاً كان أم آجلا.
الأصل في الإنسان أولاً، ألا يكلّ ولا يمل، أو يترك نفسه لتصل إلى اليأس، فيتركها محاطة بالأوهام ووساوس الشيطان، الذي يستغل مثل تلكم الحالات في الإنسان، ليدفعه إلى مزيد يأس، ويزيد من إحباطاته وتعميق مشاعر البؤس فيه.
ثم الأصل ثانياً، أن يعمل الإنسان ويجتهد ويتخذ الأسباب، ويعقد الأمل في خططه وأعماله ونجاحها على قوة أكبر من أي قوة أخرى في هذا الكون، ويبدأ بتكوين يقين راسخ في قلبه أن هناك ربًّا قديراً سميعاً مجيب الدعوات.. فاليأس ليس من صفات من به ذرة إيمان واتصال بالله، الذي يدعونا سبحانه بقوله (وَلَا تيأَسوا من رَوحِ اللَّهِ إنَّه لا ييأَسُ من رَوْح اللَّه إلا القومُ الكافرون).
الأمل وما يفعل
لولا الأمل الذي عاش لحظاته النبي يونس –عليه السلام- وهو في ظلمات بطن الحوت والبحر، ويقينه الراسخ أن من كتب عليه هذا الواقع سيكتب له واقعاً آخر، ما وجدته استمر يدعو ويبتهل ويستغفر، ولكان استسلم لليأس وجلس ينتظر مصيره أو الموت.
يعقوب -عليه السلام- لم يفقد أمله في العثور على ابنه يوسف –عليه السلام- والذي لم يفقد هو نفسه الأمل، كذلك أن يرجع إلى أبيه وأهله، وإن طال الزمن. وقد حدث فعلاً، بعد مشاهد ووقائع عديدة كما جاءت تفاصيلها في سورة يقرؤها المسلمون إلى يوم الدين.
أيوب –عليه السلام– بالمثل. ما يئس من رحمة الله أن تتنزل عليه فيكرمه بعافية من عنده. وقد حدث ذلك وتبدلت أحواله بعد سنوات عديدة من آلام المرض وآلام فقد الأبناء وآلام ضياع المال والمكانة الاجتماعية.
الخليل إبراهيم –عليه السلام- بلغ هو وزوجته من الكبر عتيّا ولم يرزقهما الله الأبناء، ما يجعل أي إنسان في مثل سنهما يفقد الأمل في الولد، إلا إبراهيم -عليه السلام- كان عنده ذاك الأمل، الذي جعله لا يمل ولا يكل من الدعاء بقوله (رب هب لي من الصالحين)، حتى جاءته البشرى وهو في التسعين من عمره، وزوجته كانت تجاوزت سن الحمل، بل كانت عاقراً بالأصل. فأكرمهما الله وبشرهما (بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب). إنه الأمل في رحمة الله وكرمه. هذا الأمل، الذي إن صح وجاز لنا التعبير، يمكن اعتباره صفة من صفات الأنبياء الكرام.
نختم أمثلة ونماذج الأمل بنبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم يوم الخندق مع صحابته الكرام، وهم في أخطر وأحلك الظروف التي مرت بها الجماعة المسلمة منذ بدء الدعوة، حين اعترضتهم صخرة عظيمة أثناء الحفر لم يقدر عليها الصحابة الكرام، ولم يفتتها إلا النبي الكريم، الذي مع كل ضربة منه للصخرة، كانت تخرج شرارة فيكبّر عليه الصلاة والسلام، فيقول في الأولى: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة. ثم الثانية: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض. ثم الثالثة: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة".
لم يقل الرسول الكريم ذلك، إلا لأنه في تلك الضائقة والمحنة، كان مدركاً أن الله لن يخذله هو وأصحابه، وأن أملهم ورجاءهم فيه عظيم، وأنهم بعد هذه المحنة الخطيرة التي اجتمعت وثنية الجزيرة العربية بمساندة يهودية لئيمة غادرة، سيخرجون منها سالمين غانمين، بل وفاتحين أرجاء الأرض.
إن الأمل الذي كان يغمره -صلى الله عليه وسلم- جعله يرى مستقبلاً مبهراً قادماً دون أدنى ريب فيه، إلى الدرجة التي جعله يذكر أكبر الممالك أو القوى التي كانت مسيطرة على الأرض حينذاك، الإمبراطورية الرومانية والفارسية. ما يعني أن هذا الدين غالب، وإن انتكس أتباعه حيناً من الدهر، طال أم قصر، ولكن بشرط ألا يفقد أحدهم أمله ويقينه بنصر الله، والنتائج الإيجابية التي ستتحقق في قادم الأيام. وبشرط آخر لا يقل أهمية عن شرط الأمل، هو ضرورة العودة إلى طريق محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام، أو الصراط المستقيم الذي يسأل المسلم ربه في صلواته كل يوم مرات عديدة أن يهديه إليه..
والله تعالى دوماً وأبداً، كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
459
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
381
| 26 أغسطس 2026
إن الإنسان لربه لكنود
حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة... اقرأ المزيد
339
| 19 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026