رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. محمد أحمد عبدالهادي رمضان

د. محمد أحمد عبدالهادي رمضان

مساحة إعلانية

مقالات

865

د. محمد أحمد عبدالهادي رمضان

مأساة أُمْ صابر

19 أبريل 2014 , 12:17ص

عاد صابر إلى بورسعيد بعد يوم حافل بالتعب قضاه بوزارة المواصلات بالقاهرة. دق جرس الباب وفتحت أمه:

- عملت إيه يا صابر في موضوع تعيينك؟

- كل خير يا أمي ولكنهم مصرِّون على تعييني مهندس اتصالات في منطقة السد العالي ذات الامتيازات المادية العديدة، وخاصة للمهندسين.. على فكرة ممكن أن تقيمي معي في أسوان.

- وأترك قبر والدك وخالك في بورسعيد، وأخاك صبري المجند بالقنطرة؟!

- على كل حال ذكرت كل هذا في المذكرة التي قدمتها لوكيل الوزارة؛ ذكرت أن والدي استشهد في العدوان الثلاثي في بورسعيد، وخالي من شهداء حرب فلسطين 1948م، وأن أخي صبري مجند بسلاح المشاة.. ووعد المسؤولون بنقلي إلى القاهرة بعد عام لتكوني قريبة مني.

- ربنا يوفقك يا ابني، وما هو موعد سفرك، بعد يومين بإذن الله، يعني 1 يونيو 1967م.

- على بركة الله تروح وترجع بالسلامة إن شاء الله.

في5 يونيو 1967، دقت طبول الحرب التي لم تستمر أكثر من أيام معدودات، وانسحبت قواتنا المسلحة من سيناء. استقلت أم صابر تاكسي من بورسعيد إلى إدارة المشاة بالقاهرة، فعلمت أن ابنها بين الشهداء.. ولكن زملاءه العائدين ومن بينهم (فتحي) ابن أختها أكدوا لها أنه كان بينهم في طريق العودة من الحسنة بالعريش، وربما تخلف بسبب مطاردة الطيران الغاطس.

عاشت أم صابر على أمل عودة صبري مدة طويلة تعرك عيوناً لا تنام حتى استسلمت لليأس، ولكن بعد خمسة شهور علمت أن صبري حي يرزق، وقد اختفى بعد مطاردة الطيران عند أسرة من أهل العريش، واستطاع الحصول على ما يثبت أنه من أهل العريش، وعاد ومعه عشرة من المفقودين، وهو في طريقه إلى إخلاء طرفه بعد أسبوع.

انطلقت أمام صابر مسرعة في تاكسي إلى أختها في حي القلعة بالقاهرة. وقضت ليلة ليلاء في منزل أختها، وفي الصباح استقلت تاكسي منفردة إلى إدارة المشاة، ولكنها أُبلغت بعدم وصول المفقودين بعد، وظلت على هذا الحال أكثر من أسبوع لا تنطبق لها أجفان. وذات يوم قالت لها أختها:

- اصبري ولا ترهقي نفسك حتى يعود صبري إن شاء الله.. أجابت:

- لا أستطيع صبراً أكثر يا أم فتحي كل أملي رؤيته، وأموت في اليوم التالي.

في صباح اليوم التاسع أسرعت كعادتها إلى إدارة المشاة وانتظرت على الرصيف المقابل لإدارة المشاة- وكأنها كانت متأكدة من رؤيته هذه المرة- فوجدت تحركات غير عادية نحو إدارة المشاة فاندفعت مسرعة تعبر الشارع لتستطلع الخبر، ففوجئت بسيارة عسكرية تدهمها في منتصف الطريق، وأصيبت بجرح غائر في رأسها أدى إلى نزيف، وقفز الجنود خارج السيارة وحملها بعضهم وأثناء تكاثر الجنود حولها سُمعت صرخة مدوية من فوق السيارة: أمي أمي.. أنا صبري.. وحملها مع الجنود في السيارة، والدم ينزف بغزارة، إلى المستشفى العسكري، وفي الطريق فتحت عينيها وظهر على وجهها الدامي شبح ابتسامة، وقالت: أأنت صبري؟

- قال: نعم يا أمي.

- الحمد لله.. أنني تمكنت من رؤياك..

وصلت السيارة إلى المستشفى متأخرة رغم قربها من مكان الحادث لازدحام الطريق بالسيارات العسكرية أولاً ووقوع حادث تصادم بين سيارتين ثانياً.

- نظر الطبيب وسأل الابن (صبري) من هذه السيدة ؟

- قال صبري: أمي.. وكانت تكلمني توا.. خذوا الدم منى.

- قال الطبيب بعد فحصها بسماعته: جئتم متأخرين.. تماسك يا ولدي فأمك قد فارقت الحياة، البقية في حياتك.

مساحة إعلانية