رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سيرة ذاتية طويلة وحافلة لهذا الإنسان، مليئة بالعطاء والوفاء لهذا الوطن، امتدت على مدى عقود من الزمن، ولم يقف هذا العطاء عند حد معين، بل تجاوز ذلك الى مشاركته في شتى المحافل والمناسبات الوطنية لخدمة قطر، سواء كان ذلك في السراء أم في الضراء. وعرف عنه ايضا أنه من الشخصيات القطرية القليلة والنادرة، التي برعت في مجال حفظ الموروث الشعبي والمحافظة عليه، من باب الغيرة على تراثنا وادبنا الشعبي على وجه الخصوص، فكان أحد أبرز أعلام هذا التراث الذين أنجبتهم هذه الأرض الطيبة والمباركة.
لقد غادرنا إلى الدار الآخرة قبل أيام الوجيه علي بن خميس بن عيسى بن زامل الكواري (1929 ـ 2015)، أبرز الرواة الثقات للموروث الشعبي على مستوى قطر، وقد عاصر الفقيد مجتمع الغوص على اللؤلؤ، وركب البحر، وعمل برتبة غيص (غواص) لعدة سنوات، ثم عمل نوخذاً (ربان سفينة) لمدة سنة، أما والده فهو من نواخذة الغوص في شمال قطر، وكان يمتلك بعض السفن، وعمل الفقيد في عدة وظائف في الدولة بعد كساد الغوص، منها العمل في الشركة (شركة النفط)، في أواخر خمسينيات القرن الماضي تقريباً، وعمل كذلك في (رئاسة المحاكم الشرعية) منذ سنة 1392 هجرية، وعين كذلك عضواً بـ (لجنة تسمية الشوارع) التابعة لوزارة الشؤون البلدية بجانب عمله في لجنة تثمين العقارات.
وقد درس القرآن الكريم منذ صغره في بلدة (المروتة) بشمال شرق ساحل قطر، على يد احد مشايخ العلم ويدعى (غانم بن فرج). وسكن في شمال قطر بعدة مدن ومناطق منها: (المرونة)، و(فويرط)، و(سميسمة)، ثم نزح إلى (الدوحة) حيث سكن في (فريج ابن عمران) مع جماعته من (الزامل) ثم انتقل للمعيشة في منطقة (ازغوى) بقرب (الخريطيات)؛ وهي من ضواحي العاصمة، وظل فيها حتى مرضه ونقله للعلاج بمدينة (لندن) البريطانية ووفاته فيها، ومن ثم تم نقله لدفنه في وطنه، عليه رحمة الله.
وعرف عن الوجيه علي تدينه وزهده في هذه الحياة، وورعه الذي اشتهر به، كما كان لا يؤدي فروض الصلاة إلا في المسجد، بجانب حرصه على تلاوة القرآن الكريم عقب كل صلاة، وانتظامه في صوم يومي الإثنين والخميس وصوم الصبريات بعد انقضاء شهر رمضان المبارك، وإخراجه للزكاة في وقتها، ومساعدته للفقراء والمحتاجين طوال أيام حياته. وقد حظي الفقيد بتقدير كل أهل قطر، ولا أدل على ذلك من احتشادهم لاستقبال جثمانه الطاهر، والصلاة عليه من خلال التزاحم في تشييعه إلى مثواه الأخير.
واشتهر الفقيد كأحد أهم أعلام "فن العرضة الحربية" في قطر، فقد كان يعرف اصولها منذ القدم ويحفظ أشعارها "شيلاتها" وأسلحتها المستخدمة فيها، وطريقة أدائها وقت النذير والحروب، وكذلك في المناسبات الاجتماعية والوطنية، كما كان شاهداً على هذا الفن القطري الاصيل الذي ورثه من أجداده، والذي يعد من أركان الهوية التراثية القطرية، وكان كذلك يشارك في احتفالات اليوم الوطني وبخاصة في "عرضة بني تميم" في منطقة "الوجبة" منذ سنة 2008 م، إبان عهد سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ومن بعده سمو الأمير المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وظل محافظاً على ذلك حتى أواخر سنوات حياته.
وبعد تحرير الكويت الشقيقة من الغزو العراقي الغاشم، أقيمت في قطر "عرضات القبائل" ابتهاجا بالتحرير، ومنها "عرضة قبيلة البوكوارة" التي اقيمت تحديدا في أبريل 1991م ـ اذا لم تخني الذاكرة ـ بقرب دوار المرخية في الدوحة بمحاذاة "عرضة قبيلة النعيم".. كان الفقيد علي بن خميس أبرز رجال العرضة الحربية والشيالين الماهرين والمتحمسين في تلك المناسبة الوطنية المتميزة، حتى إنه في اليوم الأخير للعرضة حضر سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، برفقة رئيس مجلس الوزراء الأسبق الشيخ عبدالله بن خليفة آل ثاني وكذلك وزير الخارجية السابق الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، مع العديد من السفراء والوزراء ورجال الدولة وكبار الأعيان والوجهاء من أهل قطر، وأتذكر مشاركة أبناء سمو الأمير الوالد في تلك العرضة التاريخية، التي استمرت حتى وقت متأخر من الليل، ابتهاجاً بتحرير الكويت.
وقد عرف عن الفقيد ولعُه بالموروث الشعبي القطري، وكان يحفظ الكثير من الأشعار النبطية، لنخبة من شعراء قطر الاوائل والرواد في هذا المجال؛ من أمثال: محمد الفيحاني ولحدان الكبيسي، وحسن بن فرحان النعيمي وجبر بن دلهم الكواري وصالح بن سلطان الكواري وسعد بن علي المهندي وابنه الشاعر عبدالله بن سعد المهندي واحمد بن علي بن شاهين الكواري، بجانب بعض شعراء نجد والجزيرة العربية مثل ابن لعبون والقاضي والهزاني ومحمد العوني، وغيرهم كثير. وقد أجرى تلفزيون قطر مع الفقيد عدة مقابلات تلفزيونية حول تراث قطر الشعبي والشعر النبطي، بشكل خاص، وحياة الغوص على اللؤلؤ، والتاريخ الاجتماعي للمجتمع القطري، قبل اكتشاف النفط في هذا الوطن، ضمن برنامج "شيء من الماضي" للمذيع والإعلامي حسن بن أحمد الحسن المهندي.
ومن المواقف الوطنية التي تذكر في هذا المقام عن الفقيد الراحل انه كان مشاركاً فعالاً في افتتاح كأس آسيا لكرة القدم عام 2011 م، التي أقيمت على أرض الدوحة، وكانت من أنجح البطولات من ناحية حسن التنظيم، وقد شارك ـ رحمه الله ـ في حفل الافتتاح مخاطباً سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني راعي الحفل، حيث دار حوار بينهما بشكل مباشر، أثناء الحفل المبهر في ذلك التاريخ، وكان مما جاء ضمن ذلك الحوار على لسان الوجيه علي بن خميس: "أنت ما قصرت يا راعي العليا، ودست الصعب، وانت راعي الحمية، وانت راعي المعروف والاحسان، وشعب قطر كلهم يحبون قطر، وبيض الله وجهك يا "أبو مشعل".
كلمة أخيرة:
في كل يوم تخسر ساحتنا الثقافية والتراثية أحد أعلامها، ونتمنى من الجهات المسؤولة في الدولة، توثيق مسيرة هؤلاء الأعلام، الذين أحبوا هذه الأرض وأخلصوا لها حتى وفاتهم، عليهم رحمة الله جميعاً.. رحمك الله يا "أبو ناصر" وإلى جنان الخلود، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
دولة هشة وجيش مرتزق وانهيار استخباراتي
هذا هو واقع الحال للدولة التي يطلقون عليها اليوم اسم «الدولة العبرية « او «إسرائيل» كما يسمونها في... اقرأ المزيد
1908
| 20 نوفمبر 2023
إسرائيل ليست العدو الأول للفلسطينيين
تشتد الحرب على أهلنا في قطاع غزة هذه الأيام بسلاح وجيش وخطط أمريكية، ولا يشك أحدنا في هذا... اقرأ المزيد
2289
| 18 نوفمبر 2023
المنافقون من علماء الأمة والطعن في المقاومة
لا شك أن علماء الدين لهم مكانة عليا بيننا، فهم أصحاب الفتاوى والعلم الغزير عند الحاجة، وهم الطبقة... اقرأ المزيد
4248
| 15 نوفمبر 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
2106
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1212
| 01 أكتوبر 2026