رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله حمد الخالدي

د. عبدالله حمد الخالدي - باحث في القانون المدني

مساحة إعلانية

مقالات

264

د. عبدالله حمد الخالدي

الإخلال المسبق للعقد.. حماية قانونية وخيار اقتصادي

19 يناير 2026 , 12:50ص

عندما كنا في قاعات الدراسة في كلية القانون، سألت أستاذ المقرر ذات مرة عن سبب تكرار عبارة «لو افترضنا» في كتب القانون، وأجاب بأن القانون قائمٌ على الافتراضات؛ لذا دَعُونا نفترض في البداية حتى يسهل علينا فهم فكرة هذا المقال.

في الأحوال العادية يُفسخ العقد عندما لا يقوم أحد أطرافه بتنفيذ التزاماته بموجب هذا العقد، عندها يَحِقُّ للطرف الآخر طلب فسخه، وذلك بعدما يحين موعد استحقاق تنفيذ الالتزام. ولكن لو افترضنا أن (أ) قام بإبرام عقد يستورد بموجبه بِضاعة من (ب) صاحب المصنع، وذلك في شهر أغسطس 2026، غير أنه في شهر مايو 2026 صرَّح بشكل مباشر بأنه لن يقوم بتوريد البِضاعة المطلوبة. فهل يمكن للدائن هنا وهو (أ) أن يقوم بفسخ العقد فورًا؟ أم يتعين عليه الانتظار حتى موعد التنفيذ؟ الإجابة بأنه وَفقًا للقانون المدني لا يمكنه فسخ العقد حتى قدوم تاريخ الاستحقاق شهر أغسطس 2026.

وفي هذا المقام؛ هناك قضية شهيرة في المملكة المتحدة وهي (Hochster v. De la Tour) التي يُشار إليها كأساس قانوني للإخلال المبتسر للعقد، وتتلخص وقائعها في أنه بتاريخ 12 أبريل 1852 أبرم (De la Tour) عقد توظيف يعمل بموجبه (Hochster) لدى الأول كساعٍ بعقد عمل يمتد لثلاثة أشهر ابتداءً من 1 يونيو 1852، غير أن دي لا تور راسل هوشستر في تاريخ 11 مايو 1852 وأخبره بأنه قد غيَّر رأيه ولن يقوم بتوظيفه لديه ولن يعوضه عن ذلك، وقد قام هوشستر بتأمين وظيفة بديلة وقد باشر عمله فيها بتاريخ 4 يوليو 1852.

ثم رفع هوشستر على إثر ذلك قضية بتاريخ 22 مايو 1852 (بعد عشرة أيام من إخطاره) يطلب فيها فسخ العقد، غير أن (De la Tour) ردَّ بأنه لم يقم بفسخ العقد؛ لأن تاريخ تنفيذه 1 يونيو 1852 لم يحن بعد.

بيد أن المحكمة الإنجليزية كان لها رأي آخر؛ فقد قالت بأنه إذا اعتبرنا بأن المدعي لا يجوز له فسخ العقد حتى تاريخ تنفيذه في تاريخ 1 يونيو 1852، ينجم عن ذلك عدم قدرته على إبرام عقد عمل يتعارض فيه مع عمله الذي سيبدأ في 1 يونيو؛ لأنه سيكون في وضع قانوني يمنعه من تنفيذ التزامه بالعمل لدى المدعى عليه؛ لذا يجب على المدعي أن يُفرِّغَ نفسه للعمل لدى المدعى عليه حتى انتهاء فترة العقد الذي سيبدأ 1 يونيو 1852؛ لذا يكون من المعقول وبما يُحقِّقُ مصلحة الطرفين، عندما يرجع أحد الطرفين عمَّا اتفقا عليه يجوز للمدعي أن يتحلل من التزاماته المستقبلية، مع احتفاظه بحقه في الحصول على تعويض عن أي ضرر ينجم عن رجوع المدعى عليه عن اتفاقه، ومن ثَمَّ فإنه بدلًا من بقاء المدعي كسولًا خاملًا عاطلًا عن العمل يبدد أمواله في استعدادات لا طائل منها ولا جدوى، من الأجدر له أن يسعى للحصول على عمل لدى صاحب عمل آخر، بما يخفض من الخسائر التي يتكبدها المدعي، وعليه يستحق منحه إمكانية فسخ العقد قبل حلول ميعاد تنفيذه، والحصول على تعويض فوري.

وقد وضعت قضية (Hochster v. De la Tour) الأساس القانوني للفسخ المبتسر للعقد الذي تبنته لاحقًا الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها نظاما قائما على السوابق القضائية، وتأثرت به القوانين النموذجية الدولية (كاليونسترال) واتفاقية فيينا للبيع الدولي للبضائع 1980.

وللفسخ المبتسر للعقد فائدة اقتصادية مُهمَّة؛ تتمثل في منح الخيار للمتضرر من الطرف المخل بالتزامه قبل موعد تنفيذه، في أن يتحلل من التزاماته، بدلا من الانتظار وزيادة الخسائر والأضرار عندما يعلم بأن الطرف الآخر لن يقوم بتنفيذ التزامه؛ لأنه صرح بذلك أو قام بعمل يتبين منه بأن تنفيذ الالتزام أصبح مستحيلًا.

ختامًا، يجدر بالمشرع النظر في تعديل تشريعي يسمح بموجبه للطرف المتضرر من إخلال المدين بالتزاماته قبل موعد تنفيذه، بأن يفسخ العقد ويتحلل من التزاماته، نظرًا للفوائد الاقتصادية المرجوة التي يحققها الإِخلال المسبق للعقد.

والله من وراء القصد. 

 

مساحة إعلانية