رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في آخر زيارة لي لمدينة صنعاء القديمة، أُصبت بالصدمة من هول ما رأيت من اهمال شديد وتعديات بالجملة، شوهت جمال ما تبقى من هذه المدينة العريقة، التي أسهب في الحديث عنها الحكماء، وهام وتغنى بها الشعراء، وتزاحمت بقصصها وأساطيرها كتب التاريخ، حتى قيل إنها السحر الذي أصبح مدينة، في هذه المقالة احاول أن أعيد التذكير بالقيمة العظيمة لهذه المدينة التاريخية، علها تلفت نظر الجهات المعنية للاهتمام والمحافظة على ما تبقى منها.
ذكر الرازي في كتابه "تاريخ صنعاء" أنه لمّا توفي نوح عليه السلام ارتأى ابنه سام السكنى في أرض الشمال فأقبل طالعا في الجنوب يرتاد أطيب البلاد حتى صار إلى الإقليم الأول فوجد اليمن أطيبه مسكنا، وارتاد اليمن فوجد حقل صنعاء أطيبها. فوضع مقرانة ـ وهو الخيط الذي يقدر به البنّاء إذا مدّه بموضع الأساس ـ في ناحية فج عضدان في غربي الحقل مما يلي جبل عيبان، بين نقم وعيبان، وهما جبلا صنعاء شرقياً وغربياً، وتقع صنعاء القديمة اليوم فيما بينهما.
يُخيل لمن يدخلها أول مرة أنه امام متحف مفتوح بكل ما فيها من حجر وبشر، فقد حافظة صنعاء على رونقها، وتمسك سُكانها بعادات وتقاليد أهلها القدامى. تصيب الناظرين إليها بالدهشة، وهو ما تسأل عنه الأديب اليمني عبد العزيز المقالح، عما يصنع الدهشة في عيون زائري مدينة صنعاء القديمة، هل هو عطر التاريخ أم شيخوخة الأحجار، هل هو نظام البناء أم مادة البناء، وهل هو توهج الأيام الغابرة أم طريقة التخطيط والترتيب. في صنعاء، أصبح الفن كائناً حياً يسير في أزقتها وينفذ من تدرج ألوان عقودها ليتسلل الى أعماق النفس البشرية، معطراً بنكهة قوية من التاريخ.
وحدها صنعاء بين سائر المدن القديمة تميزت بما يُطلق عليه، المجمعات السكنية الصديقة للبيئة، او بما يعرف في صنعاء بالبناء حول "المقاشم"، تميزت به وبما يرتبط بهذا الفهم من تداخل حيوي بين البناء كفن والبيئة الطبيعة من حوله، التي جعلت من هذه المباني تحفا فنية انشقت من ذات الاض. وقديماً في معظم الحضارات كانت الحدائق يرتبط بناؤها بقصور الحكام والأمراء، أما في صنعاء فالحدائق والبساتين مكون رئيسي في معظم أحيائها.
تضم صنعاء اربعة أنماط معمارية، النمط العربي الذي كان شائعا قبل الإسلام، والنمط الإسلامي الذي انتشر وشاع بعد ظهور الإسلام، والنمط العثماني، وأخيراً النمط اليهودي. قُسمت مدينة صنعاء جغرافياً الى ثلاثة أجزاء، اولاً الجزء الشرقي من المدينة وهو الجزء الأكبر والأهم الذي يضم الأحياء القديمة والأسواق والمساجد والمآذن، وتميزت فيه المباني بالفخامة والزخرفة وتعدد الطوابق، وتجلت فيه أهم خصائص فن المعمار اليمني القديم، ببساطته الساحرة وجمالياته المبهرة. ثانياً، الجزء الأوسط، وهو مجموعة من الحدائق يتوسطها منازل ذات الطابع العثماني، التي تحل الشبابيك الخشبية فيها محل النوافذ والعقود الزجاجية الملونة المنتشرة في باقي المدينة.
ثالثاً، الجزء الذي يضم مدينة اليهود بأحيائها الكثيرة وأزقتها الضيقة وبسوقها الصغير الذي قسم هذه المدينة الصغيرة إلى قسمين أحدهما شمالي والآخر جنوبي، وتميزت منازل الأحياء اليهودية بنمط مغاير لكل الاساليب العربية والاسلامية والعثمانية الشائعة في صنعاء، بحيث أن ارتفاعها لا يزيد عن طابقين، وكل منزل ملاصق للمنزل الاخر حتى ان الأسطح تبدو كأنها سطح منزل واحد، ويتوسط سطح كل بيت فتحة واسعة رصفت أرضيتها بالأحجار، كما يتوسط سطح أهم غرفة في المنزل فتحة صغيرة خاصة بالطقوس الدينية اليهودية وتظل هذه الفتحة مغلقة ولا تفتح إلا في الأعياد ومناسبات اخرى معينة. وكان يفصل ما بين مدينة اليهود والجزء الأوسط من المدينة سور ترابي يتواصل مع السور الكبير لـ صنعاء، وكان له بابان يغلقان مع غروب الشمس ويفتحان مع شروقها.
واستُخدم في بناء معظم منازل صنعاء القديمة الحجر الهندي واللبن والآجر و"الطوب المحرق" القرميد، وكلها مزخرفة ومبيضة بالجص من الخارج. ويبلغ ارتفاع بعض منازل صنعاء اليوم ثمانية طوابق، ويصل بين كل طابق حزام من الخارج يتم عمله من مادة البناء نفسها بأشكال هندسية رائعة الزخرفة. ويستعمل الطابق الأرضي عادة كمخزن، والطابق الأول يكون فيه دواوين كبيرة واسعة للاجتماع في المناسبات. والطابق الثالث يخصص للنساء والأطفال، أما الطوابق الأخيرة المرتفعة فينفرد بها الرجال. ويوجد في معظم منازل صنعاء القديمة حجرات في أعالي المنازل تدعى مفرج أو طيرمانة، وهي مستطيلة الشكل ذات نوافذ واسعة ومنخفضة ليتمكن الجالسين فيها أثناء المقيل من رؤية حقول صنعاء وبساتينها وازقتها الضيقة. وكان يراعى في تصميم هذه الغرف أمور عدة، أهمها تقلبات المناخ، ما يجعل هذه الحجرات معتدلة الحرارة والبرودة صيفاً وشتاءً.
كلمة "صنعاء" في الكُتب القديمة تعني المدينة الحصينة، فقد كان لصنعاء سبعة ابواب وسور عظيم يحيط بها من جميع اطرافها، بني من جدران سميكة معمولة من الطين واللبن، ويوجد في هذا السور ابراج خاصة بالجنود القائمين على حراسة صنعاء، بنيت على ابعاد متناسبة ومسافات هندسية متساوية، وكان يوضع فيها المجانيق. للأسف لم يبق من ذلك السور الا جزء صغير جداً من الجهة الجنوبية الذي يوجد فيه باب اليمن، وحتى هذا الجزء يتعرض حالياً للخراب بسبب عدم ترميمه منذ فترة طويلة، ويتخوف المهتمين بالتراث من أن ينهار هو ايضاً، أن لم تتحرك الجهات والمنظمات المعنية. أما الأبواب فلم يبقى منها إلا باب اليمن وهو الباب الوحيد من الأبواب السبعة الذي لا يزال موجود، وظل محافظ على جماله وروعته بالرغم من كل هذه السنين.
كان في صنعاء ما يقارب 106مساجد كما ذكر الرازي في كتابه تاريخ صنعاء، لم يتبق منها إلا النصف تقريباً، وأشهرها مسجد الجامع الكبير،
وهو أول مسجد بني في اليمن، بحسب بعض الروايات. وقد تتابعت فيه أعمال التوسعة، الى أن نزل سيل عظيم في سنة 265هـ، دمر جزءا كبيرا من المسجد، فقام أمير اليمن حينها محمد بن يعفر الحوالي ببنائه من جديد وقام بتوسعة حتى أصبح على هيئته الراهنة التي نراها اليوم، بحسب بعض المؤرخين. ورغم أنه قد تم توسعته وجُدد أكثر من مرة خلال أزمان متعددة، إلا انه ما زال على أحسن حال ويحوي الكثير من القطع التاريخية الاثرية، حتى أن بعض القطع التي استخدمت في بنا المسجد هي قطعاً أثرية كالحجارة التي قيل انها اخذت من أنقاض قصر غمدان ودعائم تحمل نقوشا قديمة نحتت نحتاً فنياً متقناً، وباباً قديماً عليه نقوش حميرية بارزة.
ذكر المؤرخون انه كان يوجد في صنعاء القديمة أكثر من 28 سوقا، إذ كان لكل حرفة ومحصول زراعي أو منتج سوق خاص به. بعض هذه الأسواق اختفى تماماً، والبعض الآخر ظل قائماً ولا يزال محافظا على الشكل والنمط القديم التي بني عليه، وما زالت هذه الأسواق تعج بالزوار من كل مدن اليمن. من هذه الاسواق التي ظلت قائمة الى الآن، سوق الملح، الذي يوجد به الكثير من المطاعم والمقاهي التي تقدم المأكولات والمشروبات الصنعانية التقليدية. وتشتهر صنعاء منذ القدم بصناعة "الجنابي" الخناجر وأحزمتها الجلدية، ويطلق عليه في اليمن "عسيب"، والصيغ الفضية والذهبية والأدوات المنزلية النحاسية والفخارية. وبقيت صنعاء لعقود محطة تجارية مهمة، ووجهة كل تاجر ومهوى افئدة كل رحالة، فقالوا عنها "صنعاء حوت كل فن"، و"لابد من صنعاء وإن طال السفر، وان تحنى كل عود وانعقر".
بالرغم من كل ما حل بصنعاء من خراب جراء الحرب الاخيرة والأوضاع غير المستقرة التي لا تزال مستمرة، إلا أن التاريخ أخبرنا أن صنعاء كان قدرها دائماً أن تكون في فوضى وتقلبات الأحداث، فهي ذات المدينة التي كادت أن تُقتلع من جذورها في عهود الاضطرابات السياسية العديدة التي مرت بها اليمن. فما أكثر الخراب الذي حل بها، فقد تم اجتياحها ومحاصرتها مرات عديدة لدرجة انه تم اقتحامها أكثر من عشرين مرة خلال اثني عشر عاماً، بين 901م و913م، لكن قدر موقعها كان دائما قادراً على ان يستعيدها من جديد. لقد صمدت صنعاء قروناً ضد الكوارث الطبيعية كالسيول والتقلبات المناخية الأخرى، وصمدت أيضا ضد عدوان الإنسان، وبقيت إلى اليوم شاهدا حياً على حضارة أصيلة، ذات مستوى فني رفيع، مزجت بين الفن الجميل والتصميم المعماري الفريد مستجيبة في ذات الوقت لحاجات ساكنيها المادية والنفسية والروحية.
المصدر: الجزيرة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8751
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3747
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3126
| 30 أكتوبر 2026