رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اكتسبت العلاقات الاقتصادية القطرية التركية اهتماما ملحوظا لدى كثير من الباحثين والمراقبين نتيجة للتطور الكمي والكيفي الذي حققته تلك العلاقة، والتي انعكست على معدلات النمو في النشاط الاقتصادي المتبادل في البلدين. فهناك توجه مشترك إلى أن تلعب كل دولة دورا اقتصاديا مهما في الدولة الأخرى. فنجد أن قطر هي أكبر رقم على قائمة الاستثمار الخارجي في الاقتصاد التركي وبمستوى يربو على 20 مليار دولار، حيث تطمح قطر إلى أن تكون تركيا بوابتها ليس في تصدير الغاز الطبيعي إليها فحسب وإنما في إعادة تصديره إلى أوروبا عن طريق بناء محطة استراتيجية قطرية بتركيا. ومن ناحية أخرى تنخرط شركات تركية في استثمارات رصدت لها 12 مليار دولار في البنية التحتية في قطر، حيث تعتبر تركيا حاليا من أكبر الدول التي تعمل في تحديث البنية التحتية بقطر وبناء الملاعب الرياضية استعدادا لكأس العالم 2022، وبهذا سيكون لتركيا الحظ الأوفر في بناء النهضة العمرانية الحديثة لدولة قطر.
ويبرز هنا سؤال مهم: ما الذي يجعل العلاقات القطرية التركية تتميز عن غيرها بوتيرة ملحوظة في النمو، بالرغم من تباين حجم الاقتصاد وعدد السكان في الدولتين، حيث تشير تقديرات عام 2016 إلى أن حجم الاقتصاد التركي يصل إلى 735 مليار دولار ويحتل المركز الـ 18 من بين أكبر اقتصادات العالم. في حين أن حجم اقتصاد قطر يصل لمستوى قريب من 157 مليار دولار وترتيبه العالمي بالمركز الـ 55 في الاقتصاد العالمي. كما يبلغ سكان تركيا أكثر من 80 مليون نسمة، في حين يبلغ سكان قطر 2.7 مليون شخص. والسؤال الآخر هو: لماذا قطر دون غيرها من دول مجلس التعاون لها تلك العلاقة المتميزة مع تركيا.
علاقات متميزة
وللإجابة عن هذه التساؤلات، يمكن القول إن المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية هي التى جعلت تلك العلاقة تأخذ هذا البعد من التميز والنمو. فهناك أسباب منطقية وجدت مع الزمن وحققت انطباقا وجذبا لكل من البلدين إلى الآخر. ومن الواضح أن العلاقات السياسة المتميزة بين البلدين هي التي ولّدت العلاقات الاقتصادية وأعطتها ذلك الزخم من الطموح وآفاق التعاون. وتأسيسا على ذلك، فإن المواقف السياسية بين البلدين كانت من أهم صور التقارب والتعاون السياسي ثم الاقتصادي. وجاء هذا أيضا من خلال التوجهات التي اتصفت بنداء الفطرة الإنسانية المبنية على المبادئ والقيم المتعارف عليها. فمثلا سعى كلا البلدين إلى وقف سريع للحرب الإسرائيلية على غزة في السنوات 2008 و2012 و2014، وعلى جنوب لبنان سنة 2006، ثم تقديم الدعم الكبير لهم في إعادة الإعمار. كما نشطت كل من قطر وتركيا في كسر حصار غزة بإرسال سفن الإغاثة والتموين رغم المخاطر والتهديدات الإسرائيلية.
كما نادت قطر وتركيا بضرورة تبني الحكومات مبدأ احترام حرية الشعوب في اختيار من يحكمها عبر صناديق الاقتراع، وأن التغيير القسري والرجوع عن خيار الشعب من شأنه أن يولد موجة من الاحتقان السياسي والفوضى وعدم الاستقرار.
وجدير بالذكر أن قطر تميزت على وجه الخصوص بدورها كلاعب ناجح في الوساطة وحل النزاعات بين الجماعات والدول، وبرز اسمها في حل النزاع في دارفور ولبنان وأيضا في تسريح وتفريج كرب المأسورين، مما جعل قطر قبلة تتجه إليها الأنظار للمساعدة في تقريب وجهات النظر أو التوسط في حل الخلافات ولمّ الشمل. وهذه السياسة القطرية لاقت إعجاب الأتراك ودعمت خطوط التقارب والتعاون السياسي ومن ثَم الاقتصادي للبلدين.
القطاعات الاقتصادية
لاشك أن العلاقات السياسية القوية بين قطر وتركيا هي المحور الأساسي في تشكيل العلاقات الاقتصادية بين البلدين. ويُذكر أن رجال الأعمال القطريين في اجتماع لهم مع مسؤولين ورجال أعمال أتراك نادوا بأنه من المهم أن تكون العلاقة الاقتصادية لا تقل قوة عن مثيلتها السياسية وفي أغلب القطاعات الاقتصادية.
وقد تطورت العلاقة الاقتصادية مع الزمن من المحدودية إلى الشمولية. فمن فترة السبعينات وإلى نهاية التسعينات كانت العلاقة الاقتصادية لا تتعدى التجارة واستيراد السلع المختلفة والبترول. حيث إن العلاقات الاقتصادية كانت عادية أو متواضعة جدا، وكانت قيمة التجارة الخارجية بين البلدين لا تتعدى 20 مليون دولار إلى ما قبل سنة 2000.
ثم أخذت تلك العلاقة في النمو المتسارع، حتى بلغت قيمة التجارة الخارجية في سنة 2014 قرابة المليار وربع المليار دولار، فاحتوت على قطاع النفط والغاز والسياحة والمال والتشييد والعقار وغيرها. وتطورت العلاقة الاقتصادية مع تنامي العلاقات السياسية بين البلدين وكذلك مع بروز الاقتصاد التركي ونمو صادراته إلى العالمية لتنال قطر نصيبا متناميا فيها، وخاصة فيما يتعلق بإمداد تركيا باحتياجاتها من الطاقة. ويُذكر أن نصف إنتاج الكهرباء بتركيا يعتمد بشكل كامل على الغاز الطبيعي، وتحتاج تركيا إلى مصدر دائم ومستقر وطويل الأمد من الغاز الطبيعي من أجل ضمان تشغيل إنتاج الكهرباء الحيوي، ولذلك حظيت قطر بنصيب جيد في إمداد تركيا بالطاقة بلغ قرابة النصف مليار دولار في 2014.
قطاع السياحة
أما في قطاع السياحة، فقد دفعت الجهود التركية في الاهتمام بمقومات السياحة في استقطاب السائحين القطريين أيضا. فكان عدد الزائرين القطريين سنة 2000 لا يتعدى 108 سياح، وارتفع إلى 1210 سنة 2003 ثم 4800 سنة 2008 ثم إلى 20 ألف زائر سنة 2013.
وبرزت أيضا قوة العلاقات الاقتصادية القطرية التركية في جانب الاستثمار. ففي الاستثمار الدولي المباشر بلغ الاستثمار التركي سنة 2014 حوالى 14 مليون ريال في سوق الأسهم. وكانت أكثر المساهمة في قطاع التشييد، حيث يمثل الآن أهم القطاعات الاقتصادية في تعاون تركيا مع قطر اقتصاديا. فنرى مثلا شركات تركية مثل يوكسل وتكفين وغيرها تنخرط في أكثر من 108 مشروعات في قطر في استثمارات رصد لها 12 مليار دولار. ومن المشاريع الكبيرة التي تساهم أو ساهمت فيها الشركات التركية مشروع مطار حمد الدولي ومؤسسة قطر وقطر للمعارض وطريق الشمال وطريق سلوى. علما بأن تواجد الأتراك حاليا في قطر يربو على 8000 تركي يعملون في التشييد وقطاع الخدمات وغير ذلك.
وهناك ملاحظات وجبت الإشارة إليها تتعلق بميزان العلاقة الاقتصادية بين قطر وتركيا ومدى تحقيق شراكة عالمية بينهما. فكما ذكرنا، إن الاستثمارات القطرية في تركيا "المقدرة بمبلغ 20 مليار دولار" هي أكبر بكثير من الاستثمارات التركية في قطر.
مشروع طموح
وقد امتد الاستثمار القطري هناك عبر الأذرع الاستثمارية للمؤسسات الاقتصادية القطرية مثل "حصاد" في مشاريع الري والزراعة و"بروة والديار العقارية" في مجال المجمعات السكنية والتجارية وكذلك في القطاع المالي مثل التوجه نحو إنشاء بنك مشترك قطري "البنك التجاري القطري مع بنك تركي". فضلا عن ذلك كله، فإن نسبة كبيرة من الاستثمارات القطرية في تركيا تتركز حاليا في قطاع الكهرباء التركي والذي سيعتمد جزء منه على الغاز القطري، وكذلك في إقامة محطة استقبال الغاز القطري المسال للاستخدام المحلي في تركيا، وأيضا إمكانية إقامة مشروع طموح لتصدير الغاز القطري عبر تلك المحطة إلى أوروبا.
ومن الملاحظ أيضا أن الاستثمار التركي بدولة قطر منحصر حاليا في النطاق الجغرافي لقطر وفي مجال التحديث والبنية التحتية دون أن ينطلق إلى العالمية كما هو الحال بالنسبة للاستثمار للقطري في تركيا، والذي قد ينطلق من تركيا إلى أوروبا. لذلك ننتظر أن يكون للشراكة الاقتصادية بين قطر وتركيا بعد عالمي يتعدى نطاق التعاون المشترك المحلي، وأن يأخذ بعدا استثماريا أوسع وفي مجالات متنوعة مثل التكنولوجيا والطيران وقطاع المال وأيضا في الصناعات التصديرية المعتمدة على الغاز. وهذا ما سيتيح لتركيا مساعدة قطر في تنويع الاقتصاد القطري، وذلك باستفادة قطر من الخبرة والعمالة التركية والتي يمكن توظيفها في اقتصاد قطر في هذا الشأن.
التغيرات الدولية
وعن مستقبل العلاقات الاقتصادية القطرية التركية، فنلاحظ أن الربع الأخير من سنة 2016، شهد دخول تركيا كطرف إقليمي في معادلة الأمن القومي لمنظومة مجلس التعاون، وهو الأمرالذي يساعد على تحقيق توازن أكبر مع إيران، وخاصة بعد أن تمددت الأخيرة في العراق وسوريا. إن تقارب دول مجلس التعاون أصبح امرا استراتيجيا لقوة الخليج أمنيا، وأيضا بقاء اقتصاده متميزا على المستوى العالمي، حيث يندرج اقتصاد مجلس التعاون ضمن أكبر 15 اقتصادا على مستوى العالم. وهذا ما سيعزز العلاقات الاقتصادية بين تركيا ودول مجلس التعاون ويجعلها أكثر قوة من ناحية التبادل التجاري والاستثمار المباشر والطاقة.
ولكن وبالرغم من متانة العلاقات السياسية بين قطر وتركيا وأيضا نموها خليجيا، فإن طموح وآمال قطر الاقتصادية في تركيا قد تواجه أفقا يحمل في طياته اعتبارات مهمة، من الممكن أن تؤثر على مسار العلاقات الاقتصادية القطرية التركية ومدى تلاحمها أو فتور وتيرتها. ويمكن استعراضها فيما يأتي:
أولا: التغريد ضمن السرب الخليجي، فهناك مطالب خليجية بضرورة أن يغرد أعضاء دول مجلس التعاون داخل ومع السرب الخليجي لمجلس التعاون، وأيضا بتبنّى مواقف مشتركة. فحرب اليمن جمعت لُحمة أهل الخليج وترابطهم بشكل أكبر بسبب وحدة المصير والمستقبل السياسي، الأمر الذي أعاد لهم الرغبة الجادة في التعاضد والتعاون لدرء المخاطر الأمنية. لذلك تحاول السياسة الخليجية المشتركة أن تحد أو تضبط نمو العلاقات والمواقف الفردية للدولة الواحدة في إطار تنسيق خليجي مشترك، وبالتالي فإن تعاظم وانسجام وتوافق قطر مع السياسة الخليجية المشتركة قد لا تجعلها تعمق علاقتها كثيرا مع تركيا، أو بما يشكل خروجا عن دول المجلس ووحدة مواقفه.
تأثير مباشر
ثانيا: تداعيات محاولة الانقلاب في تركيا. كان لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا جانبان مهمان قد يكون لهما تأثير كبير وغير مباشر على ما كانت تطمح إليه قطر في علاقاتها الاقتصادية مع تركيا. فالجانب الأول يتعلق بنجاح الرئيس الروسي بوتن في أن يستميل تركيا نحوه، حيث كانت روسيا من أولى الدول التي عارضت الانقلاب ووقفت مع الرئيس التركي في الساعات الأولى المصيرية من الانقلاب وعرضت عليه كل الدعم. وكان هذا الموقف مقدّرٌا جدا من تركيا، في حين أن حلفاءها من الغرب ماطلوا وراقبوا وأبدوا تصريحات تميزت بالبرود وقلة المبالاة بالانقلاب على الحكومة التي انتخبت بالديمقراطية النزيهة وكانت مواقفها مساندة للغرب. ولقد أثر هذا الموقف الروسي والمقدر من تركيا بأن جعل الموقف التركي يتغير كثيرا في الشأن السوري وفي قضايا كثيرة قد تأتي في الطريق. لذلك تعاونت تركيا مع روسيا وبما يحقق مصالحهما في محاولات حل المشكلة السورية وبتقليل التصريحات التركية فيما يختص بمستقبل الرئيس والنظام السوري.
وما يهمنا هنا هو تأثير هذا الموقف الروسي وأيضا تأثير عودة وتوسع العلاقات الجديدة بين تركيا وروسيا على مستقبل مشاريع الغاز المشتركة والطموحة بين قطر وتركيا. ولا شك أن استمرار توجه حزب التنمية والعدالة إلى قطر دون روسيا فيما يتعلق بشأن الغاز سيكون وضعا غير مريح بالنسبة لما تتوقعه روسيا من تركيا في شأن الغاز وفي إطار العلاقات الجديدة بين روسيا وتركيا. ولهذا فمن مكاسب الموقف الروسي في دعم الرئيس التركي في حادثة الانقلاب ما قامت به روسيا وتركيا في ديسمبر 2016 بالتوقيع على شراء تركيا كميات استراتيجية من الغاز الروسي.
توازن معقول
ولا شك أن قطر تتوقع توازنا معقولا من الحكومة التركية في شأن العلاقات الاقتصادية القطرية التركية، وخاصة في مجال الغاز، بما فيها الخطط القطرية في شأن تصدير الغاز إلى أوروبا عبر تركيا. وحسناً فعل سمو أمير قطر بأنه كان أول رئيس دولة يتصل بالرئيس التركي ويعرب عن دعمه ومساندته له وشجبه لعملية الانقلاب، الأمر الذي قد يجعل الأتراك أكثر انتباها وتقديرا لهذا الموقف القطري ووضعه في إطارٍ أكثر توازناً فيما يخص العلاقات القطرية التركية والعلاقات الروسية التركية الاقتصادية.
وعلى قدر مساوٍ من الأهمية هو مستقبل أوروبا في شأن توريد الغاز من تركيا على وجه الخصوص. وهو الجانب الآخر لآثار الانقلاب في تركيا. فقد كان الموقف الهزيل من الغرب وأوروبا لأحداث الانقلاب أن رمى بتركيا في أحضان روسيا. فلطالما حاول حزب التنمية والعدالة أن يقترب نحو أوروبا وينال عضوية في اتحادها، إلا أن أوروبا كانت مماطلة وغير جادة، وتسوق تبريرات تعجيزية أفقدتها مصداقيتها في رغبتها في انضمام تركيا إليها.
وهذا الموقف الأوروبي تجاه تركيا ستكون له انعكاسات سلبية على جهود تصدير الغاز من تركيا إلى أوروبا، حيث إن العلاقات الجديدة بين تركيا وروسيا قد تجعلها أداة ضغط روسي على الاتحاد الأوروبي، وخاصة في إمدادات الغاز. ومن ناحية مغايرة، فإن روسيا قد تريد من تركيا أن تبقي علاقات اقتصادية متميزة مع الاتحاد الأوروبي، وذلك لتكون تركيا بوابة روسيا الاقتصادية إلى أوروبا، وخاصة في مجال إمدادات الغاز.
طموح قطر
وفي كلتا الحالتين، فإن ذلك قد يؤثر على طموح قطر في أسواقها إلى أوروبا عبر تركيا؛ نظرا لفرص السيطرة الروسية شبه الكاملة على العقود التركية في شأن تصدير الطاقة إلى أوروبا، خاصة أن تصدير الغاز الروسي إلى تركيا عبر الأنابيب سيعظم القيمة التنافسية لروسيا في مواجهة تصدير الغاز القطري عبر الناقلات إلى تركيا.
وهنا قد ينبغي على قطر أن تمارس دبلوماسيتها من أجل التأكيد على الأتراك بضرورة المحافظة على مستوى العلاقات الاقتصادية وتوازنها من أجل استمرار المصالح المشتركة وتحقيق طموح قطر، وذلك في 4 محاور: (1) أن تركيا تريد تنويعا استراتيجيا في امداداتها من الغاز الطبيعي ليس عبر الأنابيب فقط أو من دولة بعينها، وإنما تريد تعدّدا في الدول التي تمدها وتعدّدا في طريقة إمدادها بالغاز أيضا. لذلك فإن استمرارها في حصولها على إمدادات الغاز المسال عبر الناقلات من قطر أمر مهم واستراتيجي لتركيا. (2) لولا تلك العلاقات المتميزة السياسية بين قطر وتركيا لكان لقطر أن تختار دولة بديلة عن تركيا في تحقيق طموحها عن طريق دولة أوروبية أو دولة قريبة من أوروبا لتتخذ منها محطة لإعادة تصدير غازها إلى أسواق أوروبا. فتلك العلاقات المتميزة والأخوية هي التي جعلت تركيا الدولة ذات الأفضلية الأولى لقطر في تصدير غازها عبرها إلى أوروبا. (3) إن تركيا لها أن تضع في حساباتها أن الغرب وأوروبا لن يعجبهما تعاونها الوثيق مع روسيا، كما أن تركيا لها أن تتوقع أن فرض عقوبات اقتصادية أكبر على روسيا من قبل أوروبا وأمريكا سيبدد مكاسب تصدير الغاز الروسي عبر تركيا إلى أوروبا. (4) إن فرص إمداد الغاز القطري عبر دولة ضمن أوروبا سيكون مرحبا به من قِبل الأوروبيين، وسيجد القطريون دائما سوقا لهم لتصدير الغاز إلى أوروبا عبر أي دولة ضمن أو قريبة من أوروبا. ولذلك من مصلحة تركيا أن تستغل الطموح القطري في مشاريع غازها إلى أوروبا وتحتضنها في إطار التعاون السياسي والاقتصادي المتميز بين البلدين.
ثالثا: ومن التحديات التي تواجه العلاقات القطرية التركية هو خطر عدم ثبات نظام الحكم أو عدم ثبات توجهات نظام الحكم في تركيا. وبالتالي فإن العلاقة بين حزب ودولة قد لا تحقق ديمومتها وطبيعة علاقاتها على زمن طويل. فلو نجحت محاولة الانقلاب التي حدثت في تركيا لكانت ستخل بتلك العلاقة بين الدولتين.
وفي الختام، فكما أن قطر هي دولة مهمة لتركيا، فإن تركيا أيضا دولة مهمة واستراتيجية بالنسبة لقطر. كما أن الظروف التي تمر بها تركيا وتحيط بها اليوم قد تحتاج إلى تفهم أخوي أكبر لوضعها الجديد وأيضا وقفة قد تصل إلى تضحيات. وفي المقابل، فمن المهم أن ندرك أن الآثار التي قد تفرزها الخطوات والتحركات والظروف التي تمر بها تركيا قد تجعلنا في قطر نشدّد على ضرورة أن تأخذ تلك العلاقة محيطا أكبر من الاستقرار، وخاصة في المشاريع ذات الأجل الطويل في طبيعة الاستثمار وفي الاستثمار الرأسمالي، كما ينبغي أن يكون هناك بعدٌ متوازنٌ يحكم طبيعة العلاقات الاقتصادية التي تحيط بها الظروف المتغيرة، وبما يحقق المصالح الاستراتيجية الاقتصادية المشتركة بين قطر وتركيا.
المراجع:
Ozgur Pala، “The Evolution of the Turkish — Qatari relations from 2002 to 2013: convergence of policies، identities and interests”، Thesis Master Qatar University، College of Arts and Sciences، 2014.
صندوق النقد الدولي، International Monetary Fund World Economic Outlook (October
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3327
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1245
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1092
| 06 أكتوبر 2026