رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس من السهل اختزال تجربة تناهز ربع قرن من العمل في شبكة الجزيرة في سطور أو صفحات محددة. إنها تجربة مهنية وإنسانية عميقة ومشحونة بالأحداث والمنعطفات.
ولأن من الصعب اختزال هذه التجربة الطويلة والحافلة بصور متعددة من الوجوه والأماكن والذكريات، فإني سأكتفي باستحضار بعض ملامح مرحلتها الأولى، بدايات الجزيرة، التي ما زال صداها وعبق مكانها وزمانها حاضرا بقوة في النفس والذاكرة. كيف لا وهي المرحلة التي وضعت اللبنة الأساس لصرح إعلامي عظيم شغل الناس وسطر تاريخا يحفل بالإنجازات والتحديات والتضحيات.
مر ربع قرن تقريبا ولا تزال الذاكرة حية والعاطفة قوية.
كيف كانت البداية؟
أبهرني، وأنا أتابع بث القناة في وطني المغرب، مستوى المحتوى وجرأة الطرح وتعددية الآراء والمواقف، هامش الحرية. ومثلما قال أحدهم يوما:
(وجدت في الجزيرة خبراً لا إخبارًا).
لم أتأخر في تقديم طلب الانضمام إلى القناة عبر سفارة دولة قطر في الرباط، ولم تمض سوى أيام قليلة وإذا بي أمضي على عقد العمل، لتبدأ حكايتي مع الجزيرة، وذكريات البدايات الفريدة.
في يوم السبت 10 مايو 1997 وطأت قدماي غرفة الأخبار للمرة الأولى..
لحظتها طغت عليَّ مشاعر ممزوجة بالرهبة والفرح، وكانت مساحة غرفة الأخبار أولى المفاجآت..
مكان صغير، تؤثثه طاولات دائرية الشكل ومضلعة الجوانب، عليها أجهزة الحواسيب، وحولها أشخاص منهمكون في عملهم، وفي عمق هذا الفضاء صورة لخريطة العالم على الجدار، تشكل خلفية نشرات الأخبار.
"أيعقل أن يخرج ذاك المنتج الإخباري المدهش، الذي أتابعه على الشاشة، من هذا المكان الضيق؟!" كان هذا السؤال الذي تردد بداخلي مثلما كان يتساءل كثير من زوار القناة!
وإذ كنت أتحدث إلى العم عبدالله، السائق الذي رافقني من الفندق إلى مقر القناة، مر بجانبي بعض الزملاء، تبينوا من نظراتي التائهة أني زميل جديد، بادروا بالتحية والترحيب والتعارف.
فكان لذلك أثر جميل منحني شعورا بالارتياح وبدد رهبة البدايات.
هذا زميل من تونس وذاك من الأردن وهذا من فلسطين المحتلة وتلك الزميلة عراقية والآخر من السودان يرافقه زميل من مصر، وغيرهم تعرفت إليهم لاحقا من دول عربية شتى..
هي جامعة عربية مصغرة، حدثتني نفسي.
ورغم صغر حجمها، كانت غرفة الأخبار تنبض بالنشاط والحيوية وتسكنها طاقة إيجابية.
بعد يومين من هذه الزيارة بدأت تجارب الأداء، وبعدها بأسبوع كنت أقدم نشرة الأخبار على الهواء، والفضل لله تعالى وللزملاء، الذين لم يبخلوا بالدعم والمساعدة.
بسرعة اندمجت في جو العمل، وبسرعة وقعت تحت سحر المكان، وبسرعة استوعبت سر نجاحٍ وبروزٍ سريع ولافت لقناة وليدة لم يتجاوز عمرها وقتئذ ستة أشهر، وساعاتُ بثها اليومي ست فقط.
إنه العمل الجاد والتعاون الجماعي والاحترام والتقدير المتبادل بين الجميع، والالتزام بالقواعد المهنية.
كانت غرفة الأخبار فضاء حقيقيا للمثاقفة، والتبادل المفتوح للأفكار والمعلومات وبيئة إيجابية للعمل.
ما كان معظم الزملاء مجرد محررين صحفيين، بل أشخاص على مستوى عال من الوعي السياسي والمعرفي والثقافة العامة، وكانت الأحاديث الجانبية معهم فرصة ممتعة ومفيدة.. ورغم اختلاف اللهجات والعادات والتقاليد والثقافات والمرجعيات والأفكار المسبقة أحيانا، إلا أن المشترك بين مكونات غرفة الأخبار كان فوق كل اختلاف.
جمعتنا القناعة برسالة القناة وأهمية خدمة هذا المشروع والرغبة في الإنجاز وتحقيق الذات.
كان شعور الانتماء إلى المؤسسة يتعزز ويتجدد شيئا فشيئا، وما زاد هذا الشعور قوة، تشبثها بسياستها التحريرية ووضعها قضايا المواطن العربي والإنسان عموما في صلب اهتمامها وفتح ملفات ظل الاقتراب منها ممنوعا على الإعلام التقليدي.
روح الجزيرة
أصبحت الجزيرة مشروع كل فرد من العاملين فيها وملأت تلك الروح المكان. سرها في الانحياز للحقيقة والقضايا العادلة وللإنسان أينما كان..
كان هاجسنا جميعا، إدارةً وعاملين، المثابرة والإصرار على التطور وتحقيق مزيد من الانتشار والوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المشاهدين.
كان الإعداد والتحضير لنشرات الأخبار والبرامج بمثابة اختبار يومي يجري الاستعداد له بجدية تامة وعمل جماعي دقيق..
وشكَّل الالتزام التام بالقواعد المهنية الواضحة وضوابط العمل الصارمة والجدية في الأداء سرا آخر من أسرار النجاح.. كما كان التغلب على المشاكل الطارئة وتصحيح الأخطاء بالحوار والتفاهم في معظم الأحيان.
وكانت حماستنا للإنجاز ترفض الجهد القليل أو الصنعة الأسهل.
كان الحرص على تطوير القناة وحفظ صورتها والغيرة على صيتها عاملا مشتركا بيننا.. وكثيرا ما كنا، ونحن نتابع القناة في بيوتنا، نتصل بغرفة الأخبار منبهين الزملاء للتصويب إذا ظهر خطأ ما على شاشة الجزيرة. كان ذلك أشبه بـ (عرف)، ولم تكن الصدور تضيق بالملاحظات البنَّاءة.
إنها "روح الجزيرة"
رغم أجواء العمل الجادة التي يطبعها أحيانا التوتر والقلق، إلا أنها لم تكن تخلو من لحظات طريفة يضفيها زملاء ظرفاء وخفيفو الظل بقفشاتهم على المكان، تسهم في بناء جسور المودة بين الزملاء.. وكنا نشعر بالخسارة كلما اضطرت ظروف ما زميلة أو زميلا للمغادرة طوعا أو كرها، وكنا نجتمع وننظم حفلة تكريم للمغادر، سواء داخل القناة أو خارجها، وكلنا أمل في عودته قريبا.
لقد كنا فريق عمل منسجما وناجحا.
وإذا وجدت فريقا ناجحا فاعلم أن
سر النجاح إدارة ناجحة
ظلت إدارة الجزيرة في تلك المرحلة منفتحة على مختلف الآراء والأفكار، وظل تواصلها مع العاملين في القناة متاحا وبلا حواجز أو قيود، فالمشروع واحد والهدف مشترك.
كانت الاجتماعات بين الإدارة والعاملين من مختلف الأقسام تعقد بانتظام، وكانت علاقة الطرفين علاقة شراكة فعلية سواء في بحث وإعداد خطط وأساليب العمل أو في مناقشة مشاريع تطوير الأداء وتوفير مستلزمات الارتقاء. كان ولا يزال الحرص على التشبث بالقواعد المهنية والتوازن في الطرح رسالة الإدارة إلى العاملين.
وليس من المجاملة أو المبالغة القول وبإجماع الرعيل الأول أن الإدارة آنذاك وبقيادة رئيس مجلسها الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني وباحترافيتها ومهنيتها ووضوح رؤيتها وبحزمها وعزمها، نجحت إلى حد كبير في الاستفادة القصوى من الخبرات والطاقات العاملة في المؤسسة ووفرت كل متطلبات النجاح وعززت بشراكتها مع الموظفين شعور الانتماء وضخت فيهم بثقتها في قدراتهم وكفاءاتهم قوة دفع معنوية للإنجاز، ودون أن تستولي على ما يحققونه من نجاح. وهنا (روح الجزيرة)
فقد كان التحفيز المادي والمعنوي والثناء والإشادة بالعمل الناجح وبصاحبه نهج الإدارة مع الجميع.
كما كان تصويب الأخطاء والتعامل مع تحديات العمل اليومية بالحوار وبالتوجيه، دون تشكيك في قدرات من أخطأ أو انتقاص من قيمته، وكانت المحاسبة حاضرة أيضا عند الاقتضاء. ولا يجب أن أغفل مواقف الإدارة المشرفة في التعامل مع الحالات الإنسانية للزملاء. ولن أنسى أبدا وقفتها النبيلة بجانبي حينما تعرضت لحادث سير خطير عام 1998..
هذه بعض من أهم العوامل التي ساهمت في أن تبلغ الجزيرة من النجاح ما فاق الطموح والتوقع.
وكأنه الحلم الذي أصبح حقيقة..
كان صدق محتوى ما تبثه قناتنا، والطرح الجريء والتحليل العميق من زوايا متعددة وعرض الآراء المتعارضة، بضاعتنا التي قدمنا بها أنفسنا إلى جمهورنا العربي وإلى العالم فجذب إلينا الاهتمام والاحترام.
كان تفاعل وتجاوب المواطن العربي مع مُنتج ورسالة القناة هائلا تفاجأنا به نحن أولا قبل غيرنا..
ومبكراً بتنا نسمع حديثا عن مدرسة الجزيرة، مدرسة بأسلوبها وقواعد عملها ودقة وعمق محتواها، صححت مفاهيم وغيرت قناعات ورفعت من مستوى وعي المشاهد العربي بحقيقة واقعه وما يدور حوله.
وبسرعة مذهلة تمكنت القناة من ترسيخ موقعها بين القنوات الإخبارية الرائدة.
جاءت التغطية الجريئة للحرب على العراق، والحرب على أفغانستان لترسخ موقع القناة بين القنوات الإخبارية الدولية الرائدة.
ولكوننا كنا المصدر الأساسي للأخبار في العراق والوحيد في أفغانستان، وُضعنا تحت مجهر رصد عربي ودولي دقيق.
زادنا ذلك شعورا بجسامة المسؤولية، فأصبح الوقوع في الخطأ هاجسا ضيّق عيون غربال نقدنا الذاتي.
كانت المعلومة قبل بروز الجزيرة حكرا على الإعلام العربي الرسمي والإعلام الغربي، ولكن ظهور الجزيرة بالمستوى المهني العالي الذي تغطي به الأحداث سواء من الميدان أو من الأستوديو وبمعلومات مستفيضة ودقيقة من زوايا مختلفة وبلغة المشاهد العربي، جعلها مصدر الأخبار الأول للمشاهد العربي، حيث تراجعت مكانة القنوات الإخبارية الغربية في المنطقة وتضاءل تأثيرها إلى حد التلاشي، بل ولجأت تلك القنوات إلينا لتنهل من الجزيرة الأخبار والصور.
وبات المقر المركزي للمؤسسة مقصدا لقنوات إخبارية شهيرة ووكالات أنباء عالمية من شتى الدول، وموفدي قنوات غربية كبرى ظلت لسنوات طويلة مرجعا لأخبار المنطقة..
توافدوا على مقر القناة في الدوحة ليوقعوا الاتفاقيات للتبادل الإخباري وينقلوا عنها أخبارها وصورها ويعدوا عنها التقارير والروبورتاجات والبرامج ويجرون لقاءات خاصة مع المسؤولين عنها ومع وجوهها المعروفة من مذيعي الأخبار ومقدمي البرامج.
أصبحت الجزيرة تتصدر صفحات صحف ومجلات عالمية ليس كمصدر للخبر فقط وإنما كخبر في حد ذاته.
كما لجأت إحدى القنوات اليابانية إلى بث بعض نشرات أخبار الجزيرة مع ترجمة بشريط على الشاشة. كان ذلك فعلا مدعاة للفخر في غرفة الأخبار.
ورغم زخم العمل اليومي، فتحت القناة أبوابها للمهتمين والباحثين والمتطلعين لفهم سر قوتها وريادتها، وعجت غرفة الأخبار بزوار من مستويات وتخصصات متعددة، من دبلوماسيين وأكاديميين وإعلاميين وطلاب معاهد الإعلام.
مقياس النجاح
ولم يكن مستوى الاهتمام والاحترام من جمهورنا ومخالفينا مقياس نجاحنا الوحيد، بل كان حجم الضغوط الهائل الذي تتعرض له طواقم المؤسسة في الميدان والعاملون في مكاتبها الخارجية من قبل سلطات دول عدة هالها حجم تأثير القناة على جمهورها، مقياسا لحجم تأثير رسالتها..
ولكن، للحقيقة أعداء وثمن.
تحرك أعداء الكلمة الحرة سرا وعلانية لإخماد صوت الحق.
دول عربية أرهبها منبر الجزيرة راحت تؤلب قوى كبرى وتحرضها للضغط على قطر والجزيرة، بل وحتى على قصفها! ومنها دول ظلت إلى حين أزمة الحصار تطالب بإغلاق القناة.
دفعت القناة الثمن غالياً باستشهاد زملاء واعتقال آخرين سنوات طويلة في السجون. وخضع بث الجزيرة وبعض صحفييها لمراقبة ورصد مباشر من الولايات المتحدة وغيرها من الدول. وكانت تصل إلى القناة ملاحظات واستفسارات أو احتجاج على بث خبر ما أو صورة بعينها، وبلغ الأمر إلى حد إبداء ملاحظات أو انتقادات لنظرة أو نبرة صوت مذيع أثناء تقديم الخبر!
وما زالت القناة تتعرض للحروب وحملات التشويش والتشهير والتنفير من أعداء الأمس واليوم. لكن الجزيرة برسالتها السامية وإرادة القائمين والعاملين فيها لن تنحني ولن تتراجع. وتبقى ثقة المشاهد العربي الواعي، وسمو المبادئ التي نعمل بها وندافع عنها، الذخيرة الحية التي نواصل بها المسير إلى المستقبل.
مذيع أساسي بقناة الجزيرة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4647
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026