رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن المجلس الوطني الفلسطيني مجرد مؤسسة من مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، بل كان، منذ تأسيس منظمة التحرير عام 1964، أحد أهم الأطر الوطنية التي سعى الفلسطينيون من خلالها إلى التعبير عن إرادتهم وتمثيل شعبهم في الوطن والشتات. وعلى امتداد عقود طويلة، ظل المجلس الوطني عنواناً للتمثيل والشرعية الوطنية، رغم ما رافق مسيرته من أزمات وخلافات وتحولات سياسية.
لكن ما جرى مؤخراً في ملف إعادة تشكيل المجلس الوطني والعملية الانتخابية يثير أسئلة جدية ومشروعة حول مستقبل هذه المؤسسة، وحول مدى احترام إرادة الفلسطينيين وحقهم في اختيار ممثليهم.
فالمشكلة ليست في الدعوة إلى تجديد المجلس أو تطوير مؤسسات منظمة التحرير؛ فهذا مطلب وطني طال انتظاره، وإنما في الطريقة التي تتم بها العملية، وفي الممارسات التي رافقتها، والتي أثارت لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين شعوراً بأن العملية الانتخابية يجري توجيهها بما يفرغها من مضمونها الديمقراطي.
عندما تصبح الانتخابات مجرد إجراء شكلي
الانتخابات في أي نظام ديمقراطي ليست مجرد أسماء ومقاعد وإجراءات، وإنما هي قبل كل شيء احترام لإرادة الناخب.
أما عندما تصبح التشكيلات خاضعة مسبقاً للتوافقات السياسية والحسابات الفصائلية، وعندما يُهمّش أصحاب الحق الحقيقي في اختيار ممثليهم، فإن العملية تفقد جوهرها، حتى لو حملت عنوان «انتخابات».
وهنا تكمن المشكلة الأساسية
فالمجلس الوطني يفترض أن يمثل الشعب الفلسطيني كله، لا السلطة الفلسطينية وحدها، ولا فصيلاً بعينه، ولا مجموعة من القوى السياسية التي تمتلك القدرة على التأثير في مسار الاختيار.
السلطة ليست بديلاً عن الشعب
ومن المؤسف أن الممارسات الأخيرة في التعامل مع العملية الانتخابية أعطت انطباعاً بوجود محاولة للتأثير في مسارها والتحكم في بعض تفاصيلها، بدلاً من ترك المجال واسعاً أمام إرادة الفلسطينيين وخياراتهم.
إن استخدام النفوذ الإداري أو السياسي، أو التأثير في آليات الاختيار، أو التضييق على بعض الخيارات، أو ترتيب العملية بما يخدم طرف بعينه او أطراف معدوده، كلها ممارسات لا تنسجم مع روح الانتخابات ولا مع المكانة التي يفترض أن يحتلها المجلس الوطني.
ولا يجوز أن تتحول السلطة الفلسطينية، باعتبارها جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني، إلى جهة تحدد مسبقاً من يمثل الشعب الفلسطيني.
فالسلطة شيء، ومنظمة التحرير شيء، والشعب الفلسطيني أوسع من الجميع.
والخلط بين هذه المستويات هو أحد أسباب الأزمة التي نعيشها اليوم.
أين فلسطينيو الشتات؟
السؤال الأكثر إلحاحاً: أين ملايين الفلسطينيين في الشتات من هذه العملية؟
إن القضية الفلسطينية ليست قضية الضفة الغربية وقطاع غزة وحدهما، كما أن منظمة التحرير لم تُنشأ لتمثيل منطقة جغرافية محددة.
الشعب الفلسطيني شعب واحد، والشتات جزء أصيل منه.
ولهذا فإن أي عملية لإعادة تشكيل المجلس الوطني لا تضمن مشاركة الفلسطينيين في أماكن وجودهم المختلفة ستبقى ناقصة، مهما حاول البعض تقديمها باعتبارها عملية ديمقراطية مكتملة.
تشويه العملية الانتخابية يضاعف الانقسام
إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن تتحول الانتخابات إلى وسيلة جديدة لتعميق الانقسام الفلسطيني بدلاً من إنهائه.
ونحن بحاجة إلى مجلس وطني يفتح أبوابه أمام الجميع، لا مجلس يقوم على الاستبعاد وإعادة تدوير المنتِج.
لقد أثبتت التجربة أن إقصاء أي طرف فلسطيني لا يؤدي إلى اختفائه، وإنما يدفعه إلى البحث عن إطار آخر، فتزداد المؤسسات الفلسطينية انقساماً وتتراجع الثقة بها.
المطلوب ليس تغيير الأشخاص
المشكلة ليست في شخص هنا أو شخص هناك.
وحتى لو تم تغيير عدد من الأعضاء أو استبدال قيادات بأخرى، فإن الخلل سيبقى قائماً إذا ظلت الآلية نفسها.
المطلوب هو تغيير منهج تشكيل المؤسسة
نريد انتخابات حقيقية، أو آلية ديمقراطية متفقاً عليها، تضمن أن يكون لكل فلسطيني حق المشاركة، وأن تكون هناك معايير واضحة للترشح والاختيار، وأن تخضع العملية للرقابة والشفافية، بعيداً عن التدخلات والضغوط.
لا شرعية بلا مشاركة
إن الشرعية الوطنية لا تُمنح بقرار إداري، ولا تُصنع في الغرف المغلقة.
الشرعية تُبنى من ثقة الناس
وكلما ابتعدت المؤسسات عن الناس، تراجعت الثقة بها، مهما كانت أسماؤها ومهما كان تاريخها.
وهذا تحديداً ما ينبغي أن تدركه السلطة الفلسطينية اليوم.
فبدلاً من التعامل مع الانتقادات باعتبارها مواقف معادية أو محاولات للتشويش، ينبغي الاستماع إليها باعتبارها تعبيراً عن حالة قلق حقيقية لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين.
في هذه الظروف نحتاج إلى الوحدة أكثر من أي وقت مضى
إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني اليوم، من ممارسات الاحتلال في غزة والضفة الغربية والقدس، وما يرافق ذلك من قتل ودمار واستيطان وتهجير واعتداءات متواصلة، يجعل الوحدة الوطنية الفلسطينية ضرورة لا تحتمل التأجيل.
وفي مثل هذه الظروف، لا يجوز أن تتحول الخلافات حول المؤسسات والانتخابات إلى سبب جديد للانقسام.
بل على العكس، فإن مواجهة هذه التحديات تستوجب إعادة بناء البيت الفلسطيني على أسس سليمة، وإيجاد مؤسسة وطنية تحظى بثقة الشعب الفلسطيني، وتستطيع أن تجمع مختلف القوى والتيارات تحت مظلة وطنية واحدة.
المجلس الوطني الذي نريده
نريد مجلساً وطنياً يمثل الفلسطينيين جميعاً.
مجلساً لا تهيمن عليه جهة واحدة، ولا يكون مجرد انعكاس لموازين القوى داخل السلطة، ولا يقوم على توزيع المقاعد والترضية.
نريد مجلساً يشارك في اختياره الفلسطينيون في الوطن والشتات، ويضم المستقلين والفصائل والقوى السياسية والمجتمعية، ويعبر عن مختلف الأجيال والشرائح.
نريد مجلساً قادراً على ممارسة دوره الرقابي والسياسي، وعلى مساءلة القيادة، وعلى اتخاذ القرارات الوطنية الكبرى بعيداً عن التفرد والتعيين.
كلمة أخيرة
إن ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف حول انتخابات أو مقاعد.
إنه خلاف على معنى التمثيل الوطني نفسه.
فإما أن نعيد للمجلس الوطني مكانته باعتباره الإطار الجامع للشعب الفلسطيني، وإما أن يستمر تآكل الثقة بالمؤسسات الفلسطينية، وتتحول الانتخابات إلى مجرد إجراءات شكلية لا تقنع أحداً.
والسلطة الفلسطينية، قبل غيرها، مطالبة بأن تدرك أن مسؤوليتها الوطنية تقتضي احترام إرادة الشعب الفلسطيني، لا التحكم بها أو مصادرة حقه في اختيار ممثليه.
لقد آن الأوان لأن تتوقف سياسة الإقصاء والتفرد والمحاصصة، وأن تبدأ مرحلة جديدة عنوانها الشراكة الوطنية، والانتخاب الحر، والتمثيل الحقيقي.
فالمجلس الوطني ليس ملكاً للسلطة، وليس ملكاً للفصائل، وليس ملكاً للقيادات.
إنه ملك الشعب الفلسطيني كله، وفي كافة أماكن تواجد.
ومن حق هذا الشعب أن يختار من يمثله، وأن يعرف كيف تم اختيار ممثليه، وأن يرفض أي عملية انتخابية تُفرغ الديمقراطية من مضمونها.
وفي ظل ما يواجهه شعبنا من تحديات ومخاطر، فإن الحاجة إلى الوحدة الوطنية أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وإذا كانت خيبات الأمل قد تراكمت، فإن الطريق إلى استعادة الثقة واضح:
انتخابات حقيقية، شفافة ونزيهة، يشارك فيها الفلسطينيون جميعاً في الوطن والشتات، بعيداً عن التدخل والهيمنة والتوجيه.
عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا فعلاً بإعادة بناء المؤسسات الوطنية، لا إعادة إنتاج مزيد من الأزمات.
في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني
يجري الاحتفالُ السنويُ باليومِ العالمي للتضّامن مع الشّعب الفلسطيني بتاريخ 29 نوفمبر من كلّ عام متزامنًا مع يومِ... اقرأ المزيد
804
| 28 نوفمبر 2024
الأقصى في ذكرى إحراقه.. أخطار متصاعدة
في الحادي والعشرين من أغسطس آب عام 1969 أقدم المتطرف الصهيوني القادم من أستراليا (مايكل اوهان) على اقتحام... اقرأ المزيد
921
| 20 أغسطس 2024
الأقصى في ذكرى إحراقه.. الواجب المتواصل
تمرُ الذكرى وبيت المقدس في أخطر اللحظات والمحطات لمحاولة طمس معالمه وتغيير طبيعة القدس الحضارية، فالاقتحاماتُ الصهيونيةُ الممنهجةُ... اقرأ المزيد
2256
| 20 أغسطس 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عـضــو الأمانة العامـة
للمؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12207
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11073
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3696
| 22 أكتوبر 2026