رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• انعقدت القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة في تاريخ 15/9/2025 وجاءت عقب العدوان الإسرائيلي الجبان على الدوحة..
• في الأزمات تظهر الحقائق، وتظهر التفاصيل الخفية؛ وأثبت هذا الغدر والتصرف الأرعن والأحمق والأناني من العدو المحتل؛ مكانة دولة قطر ومكانة قيادتنا الرشيدة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ومكانة الدبلوماسية القطرية في دول العالم.. دولة محبوبة وقريبة وحكيمة.. وهو ما ظهر..
• منذ اللحظة الأولى للعدوان والقصف الذي أدى إلى استشهاد مواطن قطري وأعضاء من حماس.. توافد الرؤساء حضورا وبلغة جسد يثبت مكانة سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لدى دول العالم.. وتوالت الاتصالات تباعا، وعقد مجلس الأمن اجتماعه حول العدوان الإسرائيلي على الدوحة، وتوالت الكلمات القوية والصاروخية بحروفها المباشرة على الوفد الإسرائيلي الحاضر..
• وكانت كلمة وزير الخارجية الأردني السيد أيمن الصفدي قوية ومباشرة ومساندة.. كما كانت كلمات الوفود من دول شقيقة وصديقة..
• العالم أجمع على الوقوف مع دولة قطر وقيادتها وشعبها على هذا الإرهاب الحقيقي لإرهاب الشعوب، وزعزعة الأمن والاستقرار.. وكسر دور الوساطة ودور دولة قطر الصادق والمحوري في ممارسة دور الوسيط.
• بعدها جاءت القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة وجاء البيان الختامي مخيبا للآمال ويفتقد الجراءة في ترهيب العدو الجبان..
• جاء البيان عامًّا وطويلاً ولا يمكن قراءة ما بين السطور بسهولة، ولا ما جاء على السطور كرد وترهيب لعدو أرعن لا يتوانى من ممارسة بطشه المتواصل في القتل والقصف والتدمير الشامل لقطاع غزة المحاصر والمظلوم..
• جاءت كلمات الوفود والتي بدأت قوية في كلمة سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وكلمة الرئيس التركي السيد رجب طيب أردوغان وكلمة جلالة الملك عبدالله الثاني ملك الأردن وكلمة رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم بعدم جدوى من التنديد والبيان في استمرار العدو في ممارسة حماقته وعدوانه فوق القانون الدولي وأمام أنظار العالم وأهمية المقاطعة الاقتصادية والسياسية مع العدو الإسرائيلي.. فهو يضرب بدون عقل وبشكل أرعن ولا يهمه من يضرب وكيف ومتى وأين يقصف ويضرب..!
• كانت كلمة الرئيس السوري أحمد الشرع الموجزة رصاصة مباشرة للعدو. كان موجزاً مركزا ومميزا ختمه ببيت شعر يحمل دلالة لمن فهمها، فهو بيت شعر في سياق قصيدة ثأرية للشاعر عمرو بن براق الهمداني، وقد كان شاعرا وفارسا مغوارا ومقاتلا وعدّاء سريعا، وقال قصيدته عندما توعّد بالثأر من الشاعر تأبّط شراً الذي غزا مع قومه قومَ عمرو بن براق. ومن أبيات القصيدة:
مَتى تَجمَعِ القَلبَ الذَكِيَّ وَصارِماً
وَأَنفاً أَبِيّاً تَجتَنِبكَ المَظالِمُ
وَمَن يَطلُبِ المَالَ المُمَنَع بِالقَنا
يَعِش مُثرِيّاً أَو تَختَرِمهُ المَخارِمُ
وَكُنتُ إِذا قَومٌ غَزَوني غَزَوتُهُم
فَهَل أَنا في ذا يالَ هَمدانَ ظالِمُ
فَلا صُلحَ حَتّى تُقدَعَ الخَيلُ بِالقَنا
وَتُضرَبَ بِالبيضِ الخِفافِ الجَماجِمُ
• قمة طارئة عربية إسلامية - حتى وإن جاء البيان الختامي مخيبا للآمال - إلا أنها وقعت بحروف كلماتها وحضورها بحب دولي لقطر وقيادتها ودورهم الحكيم والدبلوماسي والوسيط في المنطقة ودول العالم والذي يسجله التاريخ لموقف ومبادرة إنسانية ودبلوماسية لدولة قطر رغم ما تتعرض له من خطر وضغط وعدم أمان للعدو....
• وتأتي زيارة سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني للمملكة الأردنية الهاشمية أمس الأربعاء بعد يومين على انعقاد القمة العربية والإسلامية الطارئة في الدوحة، بأهمية استثنائية. إذ تأتي في لحظة حرجة تمر بها المنطقة العربية، وسط ظروف أمنية وسياسية شديدة الحساسية لتشكل محطة إستراتيجية مفصلية في مسار العلاقات الأردنية القطرية، وفي إعادة صياغة مواقف عربية مشتركة تجاه التحديات الإقليمية، وعلى رأسها الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة.
• توقيت الزيارة للأردن تشكل محطة تاريخية تعكس عمق الروابط التي تجمع ما بين عمّان والدوحة، ولا تنفصل عن مخرجات القمة العربية الطارئة، ولا عن موقع الأردن الجغرافي. ولا عن خطاب العاهل الأردني الملك عبدالله، حين ربط بين العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة واستهداف إسرائيل للدوحة. وهو ما يعكس وحدة الموقف الأردني القطري ويمنح الأردن موقفا قويا لتعزيز حضوره الإقليمي والدولي.
• كما أن الزيارة الرسمية للأردن تعزز قدرة الأردن على مواجهة الخطط الإسرائيلية، وتضع إمكانيات دولة قطر في تعزيز وخدمة الموقف العربي المشترك، لبناء جبهة عربية فعالة وقوية ومتماسكة ضد أي غدر وعدوان.
• تحمل الزيارة رسائل سياسية وإستراتيجية مهمة، وتؤكد أن أمن واستقرار أي دولة عربية مرتبط مباشرة بأمن واستقرار الدول الأخرى في المنطقة وأهمية التنسيق المستمر بين الدول العربية لمواجهة التحديات التي تهدد السلام والأمن.
• الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية ومصر والأردن والعراق إلى جانب الدول الإسلامية مثل تركيا وباكستان وغيرها من دول عربية وإسلامية يبرز جاهزية الدول للاضطلاع بدور محوري في ترسيخ استقرار المنطقة ونصرة قطاع غزة والعدوان الغاشم الذي بات يهدد الدول سعيا وراء مخططاتهم.
• آخر جرة قلم: من رحم الشدائد تولد النصرة.. وفي المواقف تظهر المعادن، ويدرك الإنسان مكانته بين أقرانه.. فكيف بالدول التي تظهر مكانتها للعالم ودورها الإقليمي رغم صغر مساحتها.. وما كان من عدوان غاشم جبان على قطر.. إلا كشف وإيصال رسالة للعالم لمكانة قطر وحكمتها واستمرارية مواصلة الوساطة في المنطقة.. والتفات القادة بحب صادق ودعم حقيقي لقطر تأكيدا للدور ومكانة قطر.. وزيارة الأردن بلد النشامى تحمل رسائل قوية ستظهر خلال الأيام وفي المواقف تظهر معادن الرجال..
بين تكبيرات العيد.. وقلوبٍ تُخفي ما لا يُقال
مع أول تكبيرةٍ تُعلن اقتراب عيد الأضحى، تهتزّ القلوب بمشاعر لا تشبه بعضها أبدًا… هناك من يستقبل العيد... اقرأ المزيد
45
| 29 مايو 2026
العطية.. صنع وهج قطر في عالم الطاقة
فقدت دولة قطر، ومعها قطاع الطاقة العالمي، واحدًا من أبرز رجالاتها الذين أسهموا في صناعة نهضتها الحديثة، برحيل... اقرأ المزيد
57
| 29 مايو 2026
مواقف قطر إقليمياً ودولياً من أجل السلام
شارك حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، في اتصال هاتفي مشترك عقد... اقرأ المزيد
54
| 29 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2379
| 23 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
786
| 24 مايو 2026
في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد الاتحاد الأوروبي أول قمة مع أرمينيا وصفتها الصحف العالمية بالقمة التاريخية، والقفزة التاريخية لما تمخض عنها من نتائج من شراكة اقتصادية وأمنية، ومساعدات عسكرية كبيرة لأرمينيا، وضوء أخضر للانضمام للاتحاد، وبذلك نجح الاتحاد في اختراق القوقاز، أو بصريح العبارة ضرب النفوذ الروسي هناك، وهو ما منح لتلك القمة تحديداً صفة التاريخية. وتتأتى تاريخيتها أيضا من مناقشة الاتحاد مسألة الاستقلالية بصورة أكبر وأكثر جرأة وتوسعاً، كرد فعل على قرار ترامب سحب قواته من ألمانيا، تمهيدا لمزيد من الانسحابات من أوروبا، وتقليص الدور الأمريكي في الناتو بعد موقفه من أزمة مضيق هرمز. في القمة صرح أكثر من زعيم أوروبي ومن بينهم ماكرون حول مفترق الطرق الذي تعيشه أوروبا، واستمرار التحدي الروسي الخطير، وموقف الولايات المتحدة المتذبذب، مع الحث على ضرورة تقوية أوروبا عسكريا وتعزيز تضامنها. لكن اللافت أيضا أن الزعماء الأوروبيين وزعماء الاتحاد قد أشاروا إلى واقع "التعددية القطبية" الذي يعشه العالم الآن، مما يفرض على أوروبا تعزيز استقلالها لتصبح أحد أهم أقطاب ذلك النظام المتعدد. ولعل المغزى الأكبر يكمن في إقرار الاتحاد بأن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة قد ولى، ومن ثم قد ولى أيضا زمن الاعتماد التام على الحماية الأمريكية، ناهيك عن أن الحماية الأمريكية لأوروبا تمر بمرحلة تحول إثر الانشغال بالصين والشعبوية الترامبية. وربما هنالك مغزى آخر يرمي إليه الأوروبيون وهو ضرورة الانفتاح على شراكات شاملة جديدة لاسيما أمنية. وهو ما تبدى بوضوح في استضافة كندا للقمة في واقعة نادرة الحدوث عامة، إذ نادرا ما يتم استضافة ضيف في القمم الأوروبية الخاصة من خارج أوروبا، كندا لم تحضر كمتفرج فقط، بل شاركت الأوروبيين رؤية النظام الدولي المتعدد الأقطاب، مع وعود ضمنية لتعزيز الشراكة مع أوروبا في مجالات مختلفة من بينها أمنية. القمة قفزة هامة لأوروبا بلا شك من حيث تحدي النفوذ الروسي في القوقاز، استقطاب قوى خارجية للأمن والاقتصاد الأوروبي، والإقرار بواقع التعددية الدولية وتراجع الدور الأمريكي وحتمية تقليل الاعتماد عليه، قفزات جيدة قطعاً في مسيرة تقوية واستقلال أوروبا، ومع ذلك، سيظل السؤال المعضلة للأوروبيين أنفسهم قبل المراقبين، هل ستنجح أوروبا في تحقيق الاستقلالية التامة لا سيما الأمنية؟ مسألة الاستقلالية الأمنية التامة لأوروبا قد استحوذت على مئات الأوراق البحثية، لكن اللافت أنها قد أجمعت على أنها حلم ليس مستحيلاً لكنه شديد الصعوبة، ويحتاج إلى وقت طويل ليس أقل من عقدين حال توافر عمل وإرادة جبارة، وهذا من حيث المبدأ. لكن أيضاً يجب الاستناد أو الإحالة إلى تطور القوة والاستقلالية الأوروبية منذ الحرب الأوكرانية 2022، حيث قد عزمت أوروبا على ذلك بصورة جدية غير مسبوقة، لكن ما تم خلال تلك الفترة قد دعم فرضية الصعوبة بصورة جازمة، بل أيضا قد رسخ للكثيرين حتى دول أوروبية استحالة تحقيق الاستقلالية تماما لأنه قد تم اختبار تحدياتها على أرض الواقع. إذ قد تبدى جلياً الانقسام المزمن بين اتحاد من 27 دولة، وشكوك حول قيادة بديلة لواشنطن، وتحدي إنفاق دفاعي مطرد يناهز المليارات سنويا، وتحدي تصنيع عسكري استراتيجي يحتاج عقودا من النمو بجانب تريليونات الدولارات، وتباين حاد في المصالح والرؤى الأمنية بعض الدول الأوروبية مثل المجر لا تعتبر روسيا عدواً. وفوق كل ذلك- وهو الأهم- استمرار الثقة المطلقة في الناتو ومن خلفه واشنطن من جانب جل الدول الأوروبية ربما الاستثناء فرنسا، فالدول الأوروبية تؤمن ضمنيا أنه لا بديل مطلقا عن الناتو ولا تتصور بديلا آخر، وان قيادة أوروبية بديلة مجرد هراء. خلاصة الأمر، أوروبا حقا في ورطة شديدة فهي تتمنى فعليا عدم فك الارتباط بالناتو والولايات المتحدة، لكنها تصطدم يوميا بواقع متغير لا سيما واقع الولايات المتحدة، لكن ذلك لا يرجح استقلالية الاتحاد مطلقاً، بقدر ما يرجح مزيدا من الانقسام، وتزايد النزعة الاستقلالية الفردية للدول الأوروبية عن الناتو والولايات المتحدة.
639
| 26 مايو 2026