رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مقهورا أصبحت، من فرط ما استمعت إليه من دفوع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، ومن قبله المحامي الذي يتولى الدفاع عنه فيما يسمى بقضية القرن في المحروسة، ثم مرافعة وزير داخلية نظام مبارك حبيب العادلي، وبعض القيادات الأمنية المتهمة في القضية، والتي روجت لمقولة إن ثورة الخامس والعشرين من العام 2011 محض مؤامرة خارجية وأنها حصيلة تحرك نفر من العيال على حد تعبير العادلي قاصدا الشباب الذي خطط ونفذ وأشعل الثورة.
وثمة ملاحظات ضرورية لدي في هذا السياق أوردها فيما يلي:
أولا: لقد حظيت هذه الدفوع بأكبر قدر من التغطية الإعلامية الواسعة سواء عبر التليفزيون، والتي أنيط حق بثها مباشرة على الهواء لمحطة "صدى البلد"، والتابعة لواحد من عتاة رجال الأعمال الذين كانوا - وما زلوا – ضمن دائرة الحزب الوطني الحاكم في زمن مبارك. وليس لدي معرفة بالملابسات التي دفعت هيئة المحكمة الموقرة للموافقة على هذا السلوك، بينما كان من الأجدر أن يناط بهذا الحق للتلفزيون الرسمي التابع للدولة المصرية ثم - وهذا الأمر كان لافتا للغاية – تابعت الصحف سواء قومية أو خاصة بتخصيص مساحات واسعة من صفحاتها الأولى والداخلية لهذه الدفوع على نحو بدا لافتا وباعثا على الغيظ. وقد يدفع البعض بأن هذا من أولى مستوجبات المتابعة الإعلامية التي تبدي اهتماما بالحدث الأبرز والأكثر تأثيرا على جمهور المتلقين، وهو ما لا يشكل لدي أدنى اعتراض، بيد أن اعتراضي على المبالغة في متابعة الحدث على نحو أفضى إلى بلورة قناعة لدي أن ثمة دوائر تسعى إلى تسويق براءة مبارك وأركان نظامه من دم شهداء الثوار، وتشويه صورة ثورة يناير وتصنيفها بحسبانها محاولة همجية لإسقاط نظام مبارك الذي كان بطبيعته آيلا للسقوط.
ثانيا: من حق المتهمين وهيئة الدفاع عنهم أن يلجأوا إلى كل الوسائل التي تهدف إلى الحصول على البراءة، خاصة أن التهم الموجهة لهم قد تدفع بهم إلى الإعدام أو السجن المؤبد، غير أن قلب الحقائق والقفز عليها وتقديم معطيات غير واقعية، وفي بعض الأحيان تتعارض مع وقائع ثورة الخامس والعشرين من يناير التي شاركت فيها الملايين من أبناء الشعب المصري في مختلف محافظات مصر، ولم تقتصر فقط على هؤلاء النفر من الشباب الذين وجهت لهم كل ألوان الاتهامات بتلقي الأموال الطائلة والتدريب على إسقاط النظام وكأنه كان قويا، بينما هو في حقيقته كان متهالكا، ولم يكن في حاجة مؤامرات خارجية أو داخلية، بل كان في حاجة إلى إرادة شعبية قوية تندفع في موجات هادرة، وهو ما حدث بالفعل منذ الخامس والعشرين من يناير وحتى الحادي عشر من فبراير2011، وبالتالي فإن ما جرى يجعل من اتهام هؤلاء النفر متهافتا ليس بوسعه أن ينقذ مبارك أو وزير داخليته أو قياداته الأمنية من عقاب يستحقه عن القتل المفرط في القوة الذي مارسته قوات الأمن في ذلك الوقت، والتي كانت محكومة بعقيدة تقوم فقط على حماية رموز النظام وليس حماية الشعب.
على عكس ما ادعاه حبيب العادلي في دفاعه من أن القوات خرجت لحماية المتظاهرين في حين أن مهمتها الرئيسية - وهو ما لمسته بنفسي خلال متابعتي لأحداث ميدان الجيزة القريب من منزلي في الثامن والعشرين من يناير 2011 - محددة بمطاردة المشاركين في التظاهرات العارمة وتوجيه أسلحتها باتجاههم لوقف تمددهم وإلا أجبني عن سؤال: من قتل ما يقرب من ألف شهيد في تظاهرات ثورة يناير؟.
ثالثا: شخصيا أقف في الخانة المناهضة لجماعة الإخوان المسلمون، وكنت وما زلت متحمسا لثورة الثلاثين من يونيو 2013، والتي نظرت إليها بحسبانها تصحيحا لمسار ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومع ذلك فإنني ضد كل ما تردد في الدفوع من محاولة إلقاء تبعة أحداث يناير على هذه الجماعة وعناصرها وقياداتها مما ينفي عنها صفة الشعبية، وكأنها كانت حصيلة تحركهم فقط. في حين أن الحقائق التي باتت معروفة أن الجماعة لم تشارك في الثورة إلا في يوم الثامن والعشرين من يناير فيما يسمى بجمعة الغضب بعد تردد من قياداتها واتخاذ شبابها قرار المشاركة بمنأى عن هذه القيادات. التي انتظمت فيما بعد في الثورة وفعالياتها مثلهم مثل الفصائل والقوى السياسية الأخرى. فضلا عن ذلك فإن محاولة الزج بأطراف إقليمية في تحريك وقائع الثورة ينطوي على إهانة للشعب المصري، الذي خرج بعفوية للمساهمة في هذه الثورة التي فجرها شباب المحروسة مستفيدين من وقائع ثورة تونس التي سبقت ثورتهم بأيام.
إن الشعب المصري بطبيعته ثائر، وكانت ثمة مقدمات لثورة يناير منذ العام 2006 وربما قبل ذلك ولكن مع ظهور الجماعات الاحتجاجية. متمثلة في حركة كفاية ثم حركة السادس من أبريل وغيرها من التجمعات في شرائح مختلفة من المجتمع المصري، بدا واضحا أن النظام في طريقه للتهاوي خاصة أنه بدأ يلجأ إلى القبضة الأمنية المفرطة في معدل قوتها دونما رحمة مع تجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان ضد كل مناوئي النظام على نحو جعل من المحروسة بؤرة رعب للمعارضين، وبالتالي فإن الشعب بكل فئاته بات مهيأ للمشاركة في أي تحرك كبير لإسقاط النظام وهو ما تجلى أحداث ثورة يناير 2011.
رابعا: قد تكون هناك اختراقات من قبل دوائر خارجية لتلك المجموعة المحدودة من الشباب أو تلك. فذلك وارد بالطبع، ولكنها لم تكن موجهة لنظام مبارك. فبطبيعته كان مواليا للغرب، بالذات الولايات المتحدة التي كانت تنظر إليه باعتباره حليفها المهم في منطقة الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه كان الكيان الصهيوني يعتبره كنزا استراتيجيا له، وهو ما تجسد في مواقف واشنطن التي اتسمت بالكثير من التردد تجاه وقائع ثورة يناير، ولم تتخذ موقفا قاطعا إلا بعد رأت بأم عين إدارة الرئيس باراك أوباما من خلال التقارير التي كانت تتدفق ساعة بساعة من السفارة الأمريكية بالقاهرة أن ثمة إصرارا شعبيا غير مسبوق على ضرورة إسقاط النظام، وألفت في هذا السياق إلى أن واشنطن لم تبد اعتراضا على مشروع توريث نجل مبارك جمال للسلطة، بل استقبلته غير مرة للتعرف عليه وإحاطته علما بمتطلباتها في مرحلة ما بعد مبارك وهو ما ينفي تماما رواية المؤامرة الأمريكية على نظام مبارك، ولو أرادت إسقاطه لفعلت دون ضجيج وعبر رجالها الكثر داخل النظام. ولكنه كان يحقق أهداف الولايات المتحدة في المنطقة وحافظ على مصالحها خاصة فيما يتعلق بالمحافظة على أمن إسرائيل والانخراط دوما في كل مشروعاتها وحروبها في المنطقة، وفي مقدمتها حرب الخليج الثانية في العام 1991 ثم غزو العراق في العام 2003
خامسا: إن محاولة تجميل نظام مبارك عبر هذا التكثيف الإعلامي لبث ونشر دفوعات رأسه ووزير داخليته ومحامي الدفاع لن تجدي نفعا في ظل واقع ما زالت المحروسة تكابد تداعياته.. ولكن المخيف أن ثمة مقدمات تزامنت مع هذا السلوك الذي ليس من حقي توصيفه لأنه اتخذ بقرار من رئيس المحكمة التي تجرى بها محاكمة القرن منها الإفراج عن واحد من أهم رموز النظام رجل الأعمال أحمد عز قبل أيام بعد أن دفع كفالة قيمتها مائة مليون جنيه. فضلا عن تصدر رموز سياسية وإعلامية أخرى المشهد في المحروسة وحديثهم بنوع من الشعور بسطوة الانتصار. وهو ما باتت هواجس تنتشر في أرجائها بإمكانية إعادة إنتاج نظام مبارك خاصة مع القدرات المالية التي يمتلكها رجال أعماله وسياسيوه السابقون، مما يهيئ لهم فرصة الصعود إلى البرلمان المقبل بقوة. الأمر الذي يستوجب من القوى الثورية والسياسية أن تتحسب له وتعمل على بناء تحالفاتها القوية. فضلا عن الانتشار في المدن والقرى ومقاربة أحلام ومشكلات أبناء الشعب بدلا من تركهم عرضة لرشاوى بقايا نظام مبارك وهدايا جماعة الإخوان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8169
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4158
| 09 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1200
| 11 مارس 2026